صباح الأربعاء في القدس، رسم نفتالي بينيت خطوط قتال جديدة. في خطاب ألقاه أمام قادة في نظام التعليم الصهيوني الديني في مؤتمر نظمه “عروتس 7″، وهي وسيلة إعلامية تُعتبر دعامة أساسية للحركة الإستيطانية، تطرق وزير التربية والتعليم إلى الشائعات المستمرة بشأن قيام جهاز الشاباك بتعذيب مشتبه بهم من المتطرفين اليهود.

المشتبه بهم، الذين يقول الشاباك بأنهم قاموا بإحراق عائلة دوابشة في منزلها خلال نومها، ما أسفر عن مقتل الطفل علي إبن الـ -18 شهرا ووالديه، هم “إرهابيون”، كما أكد بينيت، وهدفهم هو “تفكيك الدولة”. بالتالي، كما قال، اتخذت الحكومة الإسرائيلية قرارا بالتعامل معهم كإرهابيين، مع كل ما يترتب على هذه التسمية.

وقال بينيت، “أولئك، الذين مثلنا ويدعمون إجراءات الشاباك ضد الإرهاب الفلسطيني، التي تهدف إلى إنقاذ حياة يهود، لا يمكنهم الإعتراض عليها عندما يتم تطبيقها على الإرهاب اليهودي”، وأقر بأنه تم منع المشتبه بهم من النوم ومن لقاء محاميهم في حين نفى المزاعم بأنهم تعرضوا للتعذيب. “فقط أولئك الذين يعارضون استخدام أساليب شديدة ضد الإرهاب الفلسطيني – وهناك اشخاص كهؤلاء – يملك الحق الأخلاقي لمعارضة استخدام نفس الأساليب – أو وسائل أقل شدة – ضد الإرهاب اليهودي”، كمال قال.

كانت هذه خطوة جريئة وإن كانت ضرورية لزعيم (البيت اليهودي)، خطوة يدرك هو أنها ستنفر جزءا لا بأس به من قاعدته الإنتخابية التي كانت تحتج وبقوة في الأيام الأخيرة – في مواقع التواصل الإجتماعي وفي الشارع – على معاملة الشاباك المزعومة للمشتبه بهم، الذي يُسمون بـ”الأولاد”. ما أثار موجة الغضب كانت مزاعم، أطلقها محامو المشتبه بهم، بإستخدام أساليب تعذيب من العصور الوسطى (حتى إستخدام “سرير سدوم” المخيف، الذي يشبه المخلعة، ولكنه أسوأ، والذي تم ذكره في روايات المحامين، إلى جانب إتهامات أخرى بإعتداءات جنسية)، ووصلت إلى مشرعين من حزب بينيت بنفسه.

في خطابه، أشار بينيت متشائما إلى “حدث ذات أهمية قصوى للصهونية الدينية ودولة إسرائيل”. كانت هذه “لحظة حاسمة” لأتباعه، المتدينون القوميون، الذين نجحوا في السنوات الأخيرة بشغل مناصب قيادية بارزة في الدولة. وتساءل بينيت، “هل سنتحمل المسؤولية من أجل دولة إسرائيل؟”

المعسكر القومي الجديد

بينيت، كما عاد وقال الأربعاء، يرى دائرته الإنتخابية وخاصة قطاع المستوطنين اليهود في يهودا والسامرة، على أنهم في طليعة مشروع مسيحاني (وأنا أعرض هذا المصطلح هنا من دون دلالاته التحقيرية) لحكم أرض إسرائيل، والوفاء بوعد إلهي توراتي. بشكل صادق، خلال مقابلة تلفزيونية في مساء اليوم التالي وصف نفسه بأنه قائد “المعسكر القومي والصهيونية اليهودية”. في إسرائيل، مصطلح “المعسكر القومي” يدل تقليديا على اليمين ككل ؛ بطبيعة الحال، معظم الأشخاص سيعتبرون رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قائدا لهم.

كان هذا حفرا دقيقا لا يعمل فقط على إنشاء طموح بينيت النهائي، بل يثير أيضا فرضية معظم من في دائرته الإنتخابية يرى بأنها صحيحة: بأن (الليكود) – بالتأكيد في ستاره الحالي – ونتنياهو هما آثار قديمة، محكوم عليها بفسح المجال له ولأتباعه. الأهم من ذلك، أشار بينيت، بكلمات يفهمها قلائل، إلى أن رئيس الوزراء، الذي أقر بحتمية إقامة الدولة الفلسطينية، حتى لو كان ذلك في المستقبل الضبابي وبتحذيرات كثيرة تضعف هذه الفكرة، ليس حقا برجل “قومي”. تخلى نتنياهو عن الإلتقاء المقدس بين دولة إسرائيل وأرض إسرائيل الكبرى، من النهر إلى البحر.

تقوم الصهيونية اليهودية، التي وعلى مدار العقود الأخيرة أصبحت مصطلحا مرادفا تقريبا للمشروع الإستيطاني، بتأسيس نفسها على أنها النخبة الجديدة السائدة في إسرائيل، مع الحصول على تأثير كبير والفوز بأدوار قيادية في الجيش والحكومة والإعلام، مع الحفاظ على غشاء المستضعف. لولا نفوذ نتنياهو الحازم، فإن فكرة إرتقاء سياسي متدين لمنصب رئيس الوزراء في الإنتخابات القادمة كانت ستكون أمرا إعتياديا.

على مدى العاشرة سنوات، منذ أن أحبطت الإنتفاضة الثانية والإنسحاب من غزة آمال السلام مع الفلسطينيين في زمننا، إستقرت الصهيونية الدينية في قلب الإجماع الإسرائيلي الذي يتحول تدريجيا إلى أكثر تحفظا. في هذه الأثناء، يتودد بينيت وحزبه لسياسيين علمانيين، من النجاح الباهر لأييليت شاكيد ووصولا إلى الفشل المحرج ليينون ماغال، بهدف تشكيل “ليكود” مقلوب من نوع ما، حيث غير المتدينين هم أغلبية شابة وجذابة. إذا كان يُراد لهذه المسيرة المضي قدما – في عملية يجب أن تبلغ ذروتها، بحسب معظم قادة الصهيونية الدينية، بدولة علمانية تلد ملكوت الله – فإن المشروع الإستيطاني لا يمكن أن يسمح لنفسه بتنفير التيار السائد.

ما كان صادما أكثر من الهجوم المروع في دوما هو شريط الفيديو الذي تم نشره مساء الأربعاء، والذي يظهر عشرات اليهود المتطرفين يحتفلون بجريمة قتل الطفل الرضيع علي دوابشة خلال رقصة غولية مثير للإشمئزاز التي تسببت بتقلقل ليس فقط في موقف بينيت، ولكن في موقف جمهوره بالكامل.

ومن هنا تأتي عجالة وإصرار بينيت على إبعاد نفسه عن المشتبه بهم، الذين، كما ألمح هو، كانوا يخططون للمزيد من الهجمات ضد مواطنين فلسطينيين، ومن مناصريهم، ومن الكثيرين في قطاعه الذين احتجوا على مزاعم معاملة الشاباك لهم: الصور في فيديو الزفاف الحقير هذا، ولوائح الإتهام التي من المرجح تقديمها في الأيام القادمة، والتي تروي تفاصيل فظائع ارتكبت في الماضي ومخطط لها في المستقبل بالإضافة إلى مكائد فوضوية أخرى، تهدد بدق إسفين بين يهودا والسامرة ودولة إسرائيل وراء الخط الأخضر. عندما حذر بينيت بأن هدف المتطرفين اليهود في نهاية المطاف هو “تفكيك دولة إسرائيل”، قام بوضعهم على قدم المساواة مع الإرهابيين الفلسطينيين، مقدما إياهم كتضحية للشاباك والجهمور الإسرائيلي الوسطي الذي يقدر الأمن أكثر من أي عملة سياسية أخرى.

من أين يأتي الإرهاب الإسرائيلي؟

ولكن إدانات بينيت لم تكن موجهة لآذان إسرائيلية فقط. تماشيا مع طموحه، عمل وزير التربية والتعليم على إكمال دوره في الحكومة بظهورات متكررة في العالم ومقابلات مع وسائل إعلام أجنبية، حيث يخدم إتقانه “النتنياهوني” للغة الإنجليزية وسلوكه العاطفي ولكن اللطيف جهوده الجادة في إقناع العالم بصدقية وجود إسرائيل الغير محدد في الضفة الغربية. وكما هو الحال مع الجمهور الإسرائيلي، فإن المنطق الذي يدعو إليه هو منطق ذو شقين، يشمل حقا توراتيا، يصدق عليه ب”ماكغافين” مثل العملة القديمة التي لوح بها خلال مقابلة في مع كريستيان أمنانبور على شبكة CNN، والأمن.

عندما يتعلق الأمر بالأمن، فإن فرضيته الأساسية، مثل فرضية الكثيرين في اليمين الإسرائيلي، هي أن القوة الدافعة للإرهاب الفلسطيني ليست خلافا على الأرض أو معاملة النظام العسكري المهينة في الأراضي الفلسطينية، ولكن وبشكل حصري، الإسلام والكراهية المعادية للسامية. محليا، الإستنتاج واضح: أي أرض ستنسحب منها إسرائيل، حتى لو كان ذلك بموجب إتفاق سلام، ستستولي عليها حماس وبسرعة أو أسوأ من ذلك، وسيتم إستخدامها كمنصة لإطلاق هجمات من شأنها أن تهدد وجود الدولة اليهودية الضعيفة دائما. متحدثون أمثال بينيت قاموا في السنوات الأخيرة، مدعومين من ظواهر مثل تنظيم “داعش” والإعتداءات الإرهابية في الغرب، بتوسيع حجتهم: إسرائيل، كما يقولون، هي شيء شبيه بسور هادريان، حصن من النور يمنع حشود البرابرة العازمين على إجتياح الحضارة الغربية. بالنسبة لإسرائيل فإن التخلي عن أي أرض، خاصة على طول الجبهة الشرقية، سيشكل خطرا على كا ما يعزه الغرب.

في حين أن هذه المزاعم بالنسبة لبرغماتيين نسبيا مثل نتنياهو ووزير الدفاع موشيه يعالون، قد تساهم في تخفيف الضغوط الدولية وترجئ إحتمال الإنسحاب المقلق خلال ولايتهما، فبالنسبة لبينيت والصهيونية الدينية تُعتبر هذه وسائل يمكن من خلالها تدعيم الوضع القائم بإعتباره ضرورة أخلاقية. من أجل الحفاظ على سمعتها مصقولة بشكل ملائم، على إسرائيل، بما في ذلك المستوطنات، الحفاظ على مكانتها بإعتبارها مجتمعا غربيا يحتفي بالحياة في الوقت الذي تستنزف “مذاهب موت” مثل “داعش” المنطقة.

وجود مستوطنين إرهابيين لا يختلفون بوحشيتهم وقسوتهم عن الرجال الذين يلقون بنفاياتهم في سوريا والعراق – وربما أكثر من ذلك، صور يهود متطرفين يحتلفون بالموت المروع لطفل بريء – يفتح الباب أمام أسئلة مقلقة لبينيت. على سبيل المثال: إذا كانت إسرائيل تصر على أن الإرهاب الفلسطيني، حتى في خضم نزاع على الأراضي مستمر منذ عقود، يأتي من الإسلام، فمن أين يأتي الإرهاب اليهودي؟ ولكن للتحديد أكثر، عدد متزايد من المراقبين الأجانب قد يتساءلون ما إذا كان جزء متزايد من الحركة الإستيطانية، كالذراع المدنية لنظام عسكري يمس بكرامة الإنسان في بعض الأحيان منذ 50 عاما، قد بدأ هو أيضا بفقدان جزء من إنسانيته. إستنتاج كهذا قد يهدد بقلب كل ما عمل بينيت وقطاعه بكد على بنائه.