جيه تي ايه- مقيداً إلى كرسي خشبي في منتصف الليل، لم يكن رأفت عوايشة يعرف ما هي الجريمة التي إرتكبها. لقد أعلن عن مظاهرة ضد الحرب في غزة في 11 يوليو على الفيسبوك، بعد وقت قصير من ذلك، تلقى إتصال من الشرطة، التي حضرت إلى مهجعه وأخذته للإستجواب.

بعد أن تم إطلاق سراحه بعد ساعة، إعتقد عوايشة، رئيس حركة “البلد” العربية الطلابية في جامعة بن-غوريون في بئر السبع، أن محنته إنتهت، ولكن في الساعة الثالثة بعد الظهر عادت الشرطة.

ويقول عوايشة (20 عاما): “لديك الحق في التعبير عن نفسك في عملية ديمقراطية”، ويضيف: “لست مضطراً بأن تكون في تحقيق لمدة 12 ساعة لمشاركتك في مظاهرة”.

عوايشة هو واحد من بين حوالي 1,500 عربي من مواطني إسرائيل الذين تم إعتقالهم لمشاركتهم في مظاهرات ضد العملية العسكرية الإسرائيلية في غزة، بحسب تقارير لمنظمات غير حكومية ووسائل إعلام إسرائيلية. تقول “مساواة”، وهي منظمة غير حكومية تدافع عن المساواة في التعامل مع الأقلية العربية في إسرائيل، أنه تم إقالة أو توبيخ أو إبعاد 70 عربي إسرائيلي على الأقل من وظائفهم بطريقة غير قانونية لمعارضتهم الحرب بشكل علني.

وأكد متحدث بإسم الشرطة لجيه تي ايه العدد الإجمالي للمعتقلين، ولكنه رفض تأكيد رواية عوايشة.

أدخلت معارضة عرب إسرائيل للصراع الأخير، الذي إنتهى في أواخر أغسطس بهدنة، 1.7 مليون مواطن عربي في إسرائيل في مأزق صعب.

ويقول نشطاء يدافعون عن تعزيز مكانة العرب في إسرائيل والحريات المدنية أن معظم عرب إسرائيل – حتى أولئك الذين يسعون إلى الإندماج بشكل أفضل في المجتمع الإسرائيلي – عارضوا الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة بسبب الخطر الكبير الذي تشكله على الفلسطينيين هناك، وأظهر إستطلاع رأي أجراه “المعهد الديمقراطي الإسرائيلي” في 11 و12 أغسطس أن 62% من عرب إسرائيل عارضوا الحرب، مقابل 24% من أولئك الذين قالوا أنهم يدعمونها.

وقال ثابت أبو راس، المدير التنفيذي المشارك ل”مبادرات صندوق إبراهيم”، التي تعمل على تعزيز التعايش العربي الإسرائيلي، بعد يوم من إنتهاء الصراع أن عرب إسرائيل “ليسوا بوطنيين بما فيه الكفاية بالنسبة للإسرائيليين، ولكن في الوقت نفسه يوصفون بأنهم خونة من قبل أبناء شعبهم لأنهم لا ينضمون إلى الصراع ضد إسرائيل”.

طوال فترة الحرب، واجه عرب إسرائيل تمييزاً ضدهم من الشارع، حيث هتف متظاهرون يهود “الموت للعرب”، ومن أروقة الكنيست: دعا وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان إلى مقاطعة المصالح التجارية التي يملكها عرب إسرائيليون شاركوا في إضراب ليوم واحد للإحتجاج على الحرب. ودعا بعض أعضاء الكنيست إلى معاقبة عضو الكنيست من حزب “التجمع”، حنين زعبي، التي تم إبعادها عن النشاط البرلماني لمدة ستة أشهر، بصورة أشد قصوة بعد إطلاقها عدة تصريحات وصفوها بالمحرضة. وفي الشهر الماضي، قدم عدد من أعضاء الكنيست من اليمين مشروع قانون يدعو إلى إلغاء اللغة العربية كلغة رسمية في إسرائيل.

في إستطلاع رأي أجري العام الماضي، وجد “المعهد الديمقراطي الإسرائيلي” أن حوالي نصف اليهود الإسرائيليين يعتقدون أنه يجب أن تكون لليهود حقوق أكثر من العرب في إسرائيل، وأن حوالي النصف لا يرغب بالسكن إلى جانب عائلة عربية. بعد نشر الإستطلاع، قالت تمار هرمان، التي أجرت الدراسة: أنه “بدلاً من التركيز على المواطنة والإسرائيلية، يجد اليهود الإسرائيليون أنه من الأسهل التركيز أكثر على يهوديتهم”.

تصدر سيد قشوع، وهو كاتب عربي إسرائيلي معروف يكتب باللغة العبرية، العناوين هذا الصيف عندما قرر الإنتقال من إسرائيل إلى إيلينوي، وكتب قشوع عن هذا الإنتقال في مقال في صحيفة “ذا غارديان” تحت عنوان “لماذا علي ترك إسرائيل”، وصف فيه مخاوفه على عائلته.

وكتب، “بعد مقالاتي الأخيرة دعا بعض القراء إلى إبعادي إلى غزة، وهددوا بكسر ساقاي، وإختطاف أولادي”، وأضاف: “أنا أعيش في القدس، ولدي بعض الجيران اليهود الرائعين، والأصدقاء، ولكن ما زلت لا أستطيع أخذ أطفالي إلى مخيمات أو إلى حدائق مع أصدقائهم اليهود. إحتجت إبنتي بغضب وقالت أنه لن يعرف أي شخص بأنها عربية بسبب لغتها العبرية الممتازة ولكنني لم أصغ لها، أغلقت على نفسها باب الغرفة وأجهشت بالبكاء”.

بالنسبة لعرب إسرائيل، إزداد مناخ الخوف والعداء حتى قبل الصراع الأخير في غزة. في وقت سابق من هذا العام، إجتاحت موجة ما يوصف باعتداءات “دفع الثمن” بلداتهم، التي قام بإرتكابها متطرفون يهود من اليمين الإسرائيلي رداً على ما إعتبروه سياسات معادية للإستيطان. وتراوحت الهجمات من رسم عبارات على جدران المساجد والمصالح التجارية إلى إتلاف إطارات لمركبات يملكها مواطنون عرب.

وإرتفعت حدة التوتر عندما إختطف متطرفون يهود الفتى الفلسطيني محمد أبو خضير، وقاموا بحرقه حياً في 2 يوليو في هجوم إنتقامي في أعقاب إختطاف وقتل ثلاثة فتية إسرائيليين في شهر يونيو. للتعبير عن غضبهم جراء هذا الحادث، إحتشد عرب إسرائيليون في مظاهرات حاشدة في القدس وشمال إسرائيل، وقام المتظاهرون بإغلاق الطرق وحرق الإطارات، وإلحاق أضرار بمحطات القطار الخفيف في الجزء الشرقي من مدينة القدس، وتواصلت المظاهرات في جميع أنحاء إسرائيل خلال الحرب.

تجدر الإشارة إلى أن الآلاف من اليهود الإسرائيليين قاموا بالتظاهر إلى جانب زملائهم العرب خلال الحرب – وتم إعتقال عدد من هؤلاء المتظاهرين اليهود.

ويقول جعفر فرح، مدير مركز “مساواة” أن “المزيد من الشبان يشعرون بأن طرق الصراع الديمقراطية التي تبناها القادة السياسيون للمجتمع العربي لم تكن فعالة”، ويضيف: “سيخاطر المزيد والمزيد من الأشخاص بإستخدام وسائل غير قانونية” مثل أعمال الشغب والعنف ضد الممتلكات.

في أعقاب مظاهرة نظمها عرب إسرائيليون إحتفالاً ب”نصر غزة” الفلسطيني، قال ليبرمان أن على الدولة التعامل مع المتظاهرين “على أنهم خونة ومؤيدون لمنظمات إرهابية، وتقديمهم للقضاء ومنحهم ’حق’ الوقوف لحظة صمت، كما فعلوا خلال المظاهرة، في خلايا السجن”.

خسرت طالبة التكنولوجيا الحيوية آلاء طه (25 عاما)، وظيفتها كمراقبة جودة في مصنع للبلاستيك بعد وقت قصير من إعتقالها في مظاهرة في 18 يوليو. ويقول رؤساؤها في العمل أنهم قاموا بإقالتها بسبب خطأ قامت به قبل عدة أشهر، ولكن طه تقول أنها تشك في هذه الرواية. فضلاً عن ذلك، تقول أنها لم تتلق حتى الآن الدفعة الأخيرة من راتبها أو رسالة إنهاء عمل تسمح لها بالحصول على إستحقاقات بطالة.

وتقول آلاء: “لا أعرف ما الذي علي قوله، ولكن هذه عنصرية”، وتابعت: “لقد ذهبت لمظاهرة، لم أفعل أي شيء، لقد هتفنا فقط وهذا هو كل شيء، هذه دولة ديمقراطية، أين الديمقراطية؟”.

يرى رون غيرليتز، المدير التنفيذي المشارك في “سيكوي”، وهي منظمة إسرائيلية غير حكومية تهدف إلى تعزيز المساواة لعرب إسرائيل، أن هناك حرب شد وجذب بين القوى الديمقراطية والقوى الغير ديمقراطية.

ويقول: “تحارب القوى الديمقراطية الآن ضد الإعتداءات ضد العرب”، ويضيف: “هل سينجحون في هذا الصراع؟ لا أعرف. لقد ذهب الجمهور إلى أماكن صعبة جداً وآمل أن ذلك يعني أنه لا يمكنه أن يكون صامتا”.

ويقول عوايشة أنه خلال التحقيق معه سُئل عن سبب دعوته في الفيسبوك إلى العنف من خلال ما نشره (وهو يقول أن ذلك غير صحيح). بعد أن تم تقييده إلى الكرسي، حسبما قال، بدأ ضابط من الشاباك الإسرائيلي بإستجوابه. عندما حاول عوايشة النوم على الكرسي بعد التحقيق، قال له ضابط شرطة، حسب قوله: “هذا ليس بنزل”.

تم إطلاق سراحه في الصباح التالي -ووضع رهن الحبس المنزلي لمدة أسبوع.

ويتذكر عوايشة، وهو طالب علوم سياسية والذي تم إيقافه في العام الماضي أيضاً لإحتجاجه على مخطط حكومي لتنظيم إسكان البدو في النقب، “بدأوا يقولون: ’نحن نعلم أين يعمل والدك، وأين تعمل والدتك، نحن نعلم بأنك طالب”، وأضاف: “طلبوا مني العمل معهم، لن يحصلوا على ما أرادوه”.