أثنى قادة عالميون على شمعون بيرس، الرئيس التاسع لدولة إسرائيل، باعتباره رجل سلام ولمساهمته للعيش المشترك ونضاله الدؤوب لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. في الوقت نفسه، كان بلا شك رجل دفاع وأمن، حيث أنه كان مسؤولا عن وضع الجزء الأكبر من الأصول العسكرية والإستراتيجية لدولة إسرائيل.

إرثه شمل الأمرين، مما يمثل ارتباطا عميقا مع ماضي إسرائيل، بالإضافة إلى التوق للمساعدة في مواجهات تحديات المستقبل. بهذه الطريقة تم تذكر بيرس، رئيس سابق ورئيس وزراء لمرتين، الأربعاء والخميس في إطار سلسلة من الأحداث لأحياء مرور عام على وفاته في 30 سبتمبر، 2016، عن عمر يناهز 93 عاما.

بعد وفاة بيرس في العام الماضي تدفقت كلمات الثناء والتكريم من قادة من حول العالم، حضر عدد كبير منهم أيضا جنازة الرجل الحائز على جائزة نوبل للسلام في القدس.

يوم الخميس، متحدثا في مراسم رسمية لإحياء ذكرى بيرس في جبل هرتسل في القدس، حيث تم دفنه هناك في قسم “عظماء الأمة”، تحدث رئيس الدولة رؤوفين ريفلين عن سلفه واصفا إياه بأنه حالم من دون توقف وقائد عاقد العزم.

رئيس الدولة رؤةفين ريفلين خلال مراسم لإحياء ذكرى مرور عام على وفاة رئيس الدولة السابق شمعون بيرس في مقبرة ’جبل هرتسل’ في القدس، 14 سبتمبر، 2017. (Yonatan Sindel/Flash90)

رئيس الدولة رؤةفين ريفلين خلال مراسم لإحياء ذكرى مرور عام على وفاة رئيس الدولة السابق شمعون بيرس في مقبرة ’جبل هرتسل’ في القدس، 14 سبتمبر، 2017. (Yonatan Sindel/Flash90)

وقال ريفلين “لم تتخلى أبدا عن معتقداتك الجريئة وإيمانك في الجرأء”. وتابع قائلا “هذه الكلمات – الإيمان والجرأة – تصف رسالتك لنا جميعا بأن التاريخ يُكتب من قبل الأشخاص الذين يعرفون كيفية تصور آفاق جديدة، حتى من داخل حدود غرفة مغلقة”.

بالنسبة للكثيرين، فإن بيرس هو اسم مرادف لاتفاقية أوسلو التي تم التوقيع عليها عام 1993، والتي تم منحه بسببها جائزة نوبل للسلام، ومركز السلام الذي يحمل اسمه، والذي يعزز الحوار والفرص لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين.

وقال ريفلين إن بيرس قد يكون لم ينجح في رؤية حمله بالسلام يتحقق خلال حياته، لكن التفاني والتصميم اللذان عمل من خلالهما من أجل السلام يواصلان إلهام الإسرائيليين.

وقال ريفلين مشددا “ما زال أمامنا الكثير لنقوم به، ولكن الطريق التي مهدتها، الحلم الذي حاربت من أجل تحقيقه، والآمال التي كنت عازما على تحقيقها وإيمانك بها – ستبقى مع هذه الأمة لأجيال قادمة وسوف تستمر لتكون مصدر إلهام لنا جميعا”.

قبل ثلاثة أشهر من وفاته، انضم بيرس إلى الرئيس ريفلين ورئيس الوزراء بينيامين نتنياهو لوضع حجر الأساس لإنشاء مركز ابتكار إسرائيلي، من المقرر افتتاحه في “مركز بيرس” في عام 2018.

الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيرس في حدث لإحياء الذكرى الأربعين ل’عملية إنتيبي’، التي أقيمت في ’مركز بيرس للسلام’ في تل أبيب. 7 مساقرين، الذين تراوحت أعمارهم بين 3-16 عند احتجازهم كرهائن في الطائرة، شاركوا في الحدث، 27 يونيو، 2016. (Ben Kelmer/Flash90)

الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيرس في حدث لإحياء الذكرى الأربعين ل’عملية إنتيبي’، التي أقيمت في ’مركز بيرس للسلام’ في تل أبيب. 7 مساقرين، الذين تراوحت أعمارهم بين 3-16 عند احتجازهم كرهائن في الطائرة، شاركوا في الحدث، 27 يونيو، 2016. (Ben Kelmer/Flash90)

صباح الأربعاء، افتتح ريفلين الأحداث التذكارية بخطاب رئيسي في مؤتمر “القيادة والابتكار” في ذكرى بيرس.

ودعا ريفلين قادة الصناعة إلى دمج عرب ويهود حريديم في قطاع الهايتك الإسرائيلي المزدهر، وهو ما يساعد في تحقيق حلم بيرس لهذه البلاد.

وقال ريفلين “كل من يجلس هنا اليوم يتحمل مسؤولية التأكد من أن تواصل صناعة الابتكار الإسرائيلية في أن تكون عامود نار يضيء الطريق – هذا هو حلم صديقي شمعون بيرس. كان هذا إيمانه، والآن يتعلق الأمر بنا”.

يوم الخميس، مشيرا إلى مساهمة بيرس في قدرات إسرائيل العسكرية، قال ريفلين إنه بالإضافة إلى التزام بيرس بالسلام والعيش المشترك، فإن تراث الرئيس الراحل يجب أن يذكّر الإسرائيليين أيضا بأن “الأمن والسلام هما وجهان لعملة واحدة”.

في مسيرة استمرت لأكثر من سبعة عقود، شغل بيرس تقريبا كل منصب رئيسي في الحكومة، حيث شغل مرتين منصب رئيس الوزراء وفي النهاية كان رئيسا للدولة من 2007 وحتى 2014. قبل فترة طويلة من الدور الذي لعبه في مفاوضات أوسلو، عُرف عن بيرس أيضا أنه مهندس المشروع النووي الإسرائيلي، حيث يُعتقد الآن أن إسرائيل هي البلد الوحيد في الشرق الأوسط الذي يملك أسلحة نووية، على الرغم من أن الدولة اليهودية لم تقر بذلك قط.

وقال ريفلين “حتى من لحظة إقامة دولة إسرائيل، أدركت بحكمتك أننا بحاجة إلى أن نكون مستعدين لأي شيء”، وأضاف “لا يوجد هناك إسرائيلي لا يدين لك بالامتنان على مساهمتك في الأمن القومي وفوق كل شيء، إنشاء معهد الأبحاث في ديمونا، الذي يحمل اسمك اليوم”.

بعد وقت قصير من وفاة بيرس، أعلن رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو عن إعادة تسمية منشأة ديمونا النووية لتحمل اسم رئيس الدولة الراحل.

عندما كان لا يزال في سنوات الثلاثين من عمره، خلال سنوات الخمسينات، لعب بيرس دورا كبير في سعي إسرائيل إلى الحصول على قدرة نووية بعد أن حض رئيس الوزراء الأول لدولة إسرائيل، دافيد بن غوريون. وتوصل الى اتفاق سري مع فرنسا أدى إلى بناء مفاعل نووي في ديمونا، والذي بدأ العمل في عام 1962.

اليوم تشير تقديرات إلى أن إسرائيل أنتجت ما يكفي من البلوتونيوم المستخدم في صناعة الأسلحة في ديمونا لتسليح ما بين 100 و200 رأس نووي، بحسب منظمة “مبادرة التهديد النووي” التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها.

شمعون بيرس، وسط الصورة، وحيمي بيرس، من المين، يحتفلان بعيد حيمي في عام 1962. (Courtesy: GPO)

شمعون بيرس، وسط الصورة، وحيمي بيرس، من المين، يحتفلان بعيد حيمي في عام 1962. (Courtesy: GPO)

حيمي بيرس، نجل الراحل شمعون بيرس ورئيس “مركز بيرس”، قال إنه لا يوجد هناك تناقض بين مساعي والده من أجل السلام ومساهمته في أصول إسرائيل العسكرية.

وقال حيمي بيرس خلال المراسم التذكارية “في حين أنه حارب من أجل بناء البرنامج النووي في ديمونا، لكنه حارب أيضا ضد جبال وشياطين لجعل المستحيل ممكنا. تطلب الأمر شجاعة للحلم، وشجاعة أكثر لتحقيق الحلم ورؤيته يتحول إلى حقيقة”.

قبل نحو عام شارك عشرات القادة من حول العالم في جنازة بيرس، من ضمنهم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس والرئيسين الأمريكيين باراك أوباما وبيل كلينتون، إلى جانب وفد أمريكي ضم 33 مسؤولا وصلوا في زيارة استمرت لست ساعات إلى إسرائيل للمشاركة خصيصا في مراسم الجنازة.

هذا الأسبوع، انضم إلى المراسم التذكارية رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، الذي شغل منصب المبعوث الخاص للجنة الرباعية للسلام في الشرق الاوسط (والتي تضم أربع دول وكيانات مشاركة في التوسط في عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية) عندما كان بيرس رئيسا، ووزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنينجر.

وقال بلير في المراسم إن البلاد التي أراد بيرس أن يخلقها “كان من شأنها أن تكون هدية للعالم”.

من اليسار إلى اليمين: رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، وهنري كيسينجر ويوني بيرس في الذكرى السنوي الأولى لوفاة بيرس في ’جبل هرتسل’ في القدس، 14 سبتبمر، 2017. (Josef Avi Yair Engel)

من اليسار إلى اليمين: رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، وهنري كيسينجر ويوني بيرس في الذكرى السنوي الأولى لوفاة بيرس في ’جبل هرتسل’ في القدس، 14 سبتبمر، 2017. (Josef Avi Yair Engel)

وقال “لقد استندت على أفضل ما في الطابع اليهودي الذي تطور على مر العصور، واستمر عبر المذابح والاضطهاد والمحرقة، وتعرض غالبا للضرب لكنه لم يهدأ أبدا. هذه الروح هي روح السعي”، وأضاف رئيس الوزراء البريطاني الأسبق “لقد استوعب تماما الإمكانيات الإستثنائية التي كانت ستكون لو عملت إسرائيل والمنطقة معا، ليس على الأمن فحسب، ولكن على التقدم الاقتصادي والانجاز التكنولوجي والمصالحة الثقافية”.

في مراسم تذكارية منفصلة أجريت مساء الأربعاء، وصف كيسينجر بيرس بأنه شخص “برغماتي ومتفائل. جندي وشاعر”.

متحدثا عن ذكرياته مع بيرس، قال كيسينجر، الذي شغل مناصب في إدارتي الرئيسين ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد في سنوات السبعينات عندما كان بيرس وزيرا للدفاع، إنه وبيرس كانا “رفيقين في رحلة اتسمت بالأمل والنوايا، لحظات من الإنتشاء والتدرجية على طريق فض الاشتباكات – الاتفاقيات مع مصر وسوريا، واتفاقيات السلام مع مصر والأردن”.

غلاف السيرة الذاتية لرئيس الدولة ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شمعون بيرس ’لا مكان للأحلام الصغيرة: الشجاعة والخيال وبناء إسرائيل الحديثة’ (Harper Collins)

غلاف السيرة الذاتية لرئيس الدولة ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شمعون بيرس ’لا مكان للأحلام الصغيرة: الشجاعة والخيال وبناء إسرائيل الحديثة’
(Harper Collins)

ولم يتمكن رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو، الذي يتواجد حاليا في أمريكا اللاتينية في إطار زيارة تستمر لعشرة أيام إلى الأرجنتين وكولومبيا ومن ثم الولايات المتحدة  ليكون أول رئيس وزراء إسرائيلي في منصبه يقوم بزيارة أمريكا الجنوبية، من المشاركة في المراسم التذكارية.

مختتما مراسم يوم الخميس، اقتبس حيمي بيرس من الفصل الأخير من السيرة الذاتية  لوالده “لا مكان للأحلام الصغيرة: الشجاعة والخيال وبناء إسرائيل الحديثة”، الذي أنهى كتابته قبل أسابيع قليلة فقط من وفاته وتم إصداره هذا الأسبوع.

وقرأ “مُنحت حوالي ملياري ونص مليار ثانية وقررت استغلال كل واحدة منها من أجل إحداث فارق”.

وكتب شمعون بيرس “لست نادما على أي من أحلامي”، وأضاف “ندمي الوحيد أنني لم أحلم أكثر”.

ساهمت في هذا التقرير وكالة فرانس برس.