مثل اليوم قبل شهر، في الساعات الأولى من يوم الجمعة، 31 من يوليو، قام ملثمان بتحطيم زجاج النوافذ وإلقاء زجاجات حارقة داخل منزل عائلة دوابشة في قرية دوما في الضفة الغربية، مشعلين النار فيه. قاموا أيضا بكتابة عبارات غرافيتي بالعبرية في الموقع. علي دوابشة، البالغ من العمر 18 شهرا، احترق حتى الموت في هذا الحريق. والده سعد توفي متأثرا بإصابته بعد أسبوع من ذلك. والدته رهام لا تزال ترقد في المستشفى في حالة حرجة. شقيقة إبن ال4 أعوام، أحمد، يرقد هو أيضا في المستشفى، يتعافى ببطء من دون أن يدرك حتى الآن حجم المأساة التي حلت به وبعائلته.

في أعقاب الهجوم، أعلنت المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية أن إرهابيين يهود يقفون وراء الهجوم. نقلت تقارير إعلامية عن مصادر أمنية قولها أن منفذي الهجوم فروا سيرا على الأقدام بإتجاه مستوطنات وبؤر إستيطانية قريبة. تم وضع أمر حظر نشر على التحقيق، وهذا الأمر لا يزال ساري المفعول.

القيادة السياسية الإسرائيلية أعربت بوضوح عن إعتقادها بأن المسؤولين عن هذا الهجوم يهود. الرئيس رؤوفين ريفلين عبر عن أسفه بأن الإرهابيين جاءوا “من شعبه”. وزير الأمن العام غلعاد إردان أعلن عن أن “المؤشرات تدل على أن منفذي الهجوم يهود. أمة احترق أطفالها في المحرقة بحاجة إلى القيام بمراجعة نفسها إذا ولدت أشخاصا يحرقون بشرا”. رئيس الوزراء بينيامين نتنياه وعد ب”الوحدة ضد المجرمين بين أبناء شعبنا”، وتعهد ب”عدم التسامح” مع جرائم كهذه.

مئير اتنغير، حفيد الحاخام المتطرف مئير كهانا، في المحكمة المركزية في الناصرة، 4 اغسطس 2015 (Basel Awidat/Flash90)

مئير اتنغير، حفيد الحاخام المتطرف مئير كهانا، في المحكمة المركزية في الناصرة، 4 اغسطس 2015 (Basel Awidat/Flash90)

في الأيام التي تلت الهجوم، تماشيا مع هذا التعهد، صوتت الحكومة الإسرائيلية على منح الأجهزة الأمنية والقضائية كل الوسائل التي يحتاجون إليها لحل القضية ومنع جرائم قتل شبيهة. للمرة الأولى، مُنح المحققون صلاحية سجن مشتبه بهم يهود من دون محاكمة – إعتقال إداري، إجراء اقتصر قبل ذلك على المشتبه بهم العرب بالإرهاب.

المشتبه بهم

تم سجن ثلاثة مشتبه بهم متطرفين من خلال هذا الإجراء منذ ذلك الوقت: مئير إتينغر، حفيد الحاخام العنصري الذي تم منعه عن الترشح للكنيست قبل أن يتم إغتياله، مئير كهانا؛ إيفيتار سلونيم؛ وموشيه أورباخ. بحسب مصادر أمنية، إتينغر هو القائد، أو أحد القادة، لنوع من المجموعات السرية اليهودية المرتجلة، التي يقدر عددها ببضعة عشرات، وتضم شبانا يجتمعون في خلايا إرهابية صغيرة عاقدة العزم على تدمير دولة إسرائيل. هؤلاء الشبان – معظمهم طلاب متسربين من المدارس الثانوية وليسوا جميعهم بأي شكل من الأشكال من المستوطنين – يعيشون في البرية بالضفة الغربية، ويخططون لتنفيذ هجمات ضد كنائس ومساجد ومنازل فلسطينيين بهدف مؤقت لتصعيد التوترات بين اليهود والعرب بشكل كبير، أما الهدف النهائي فهو إسقاط دولة إسرائيل لتحل محلها سيادة يهودية “أصيلة”.

تم العثور بحوزة أورباخ، على دليل التعليمات الخاص بهم، وتحدثت تقارير عن أنه المؤلف أيضا، تحت عنوان “مملكة الشر”، وهو نص مرعب يعرض نصائح مفصلة ل”تقديس اسم الله” من خلال هجمات ضد غير يهود، بما في ذلك جرائم قتل: “إحيانا يسأم المرء من مهاجمة الممتلكات فقط… ويرغب بإشعال النار بمنازل مع المقيمين بها في الداخل… هنا نتحدث عن حرق متعمد وربما محاولة قتل، وهي أخطر بكثير من وجهة نظر الصهاينة… إذا قررتم فعل ذلك فافعلوه”.

في عام 2013، ورد أن إتينغر كتب وثيقة إرشادية بعنوان “بيان الثائر” دعا فيه إلى دمار الدولة الصهيونية: “فكرة التمرد بسيطة جدا. لإسرائيل الكثير من نقاط الضعف، الكثير من القضايا التي تتعامل معها من خلال السير على قشر البيض حتى لا تلفت الإنتباه. ما سنقوم به ببساطة هو إشعال براميل البارود هذه… الهدف هو إسقاط الدولة، إسقاط مبناها وقدرتها على السيطرة، وبناء نظام جديد”.

فكرة أن بضع عشرات من الشبان المنعزلين قد ينجحون في احتضان تمرد ضد دولة إسرائيل القوية تبدو سخيفة. بإستثناء أنه لا توجد هناك حاجة إلى الكثير لإشعال عاصفة نارية في هذا الجزء من العالم. وجرائمهم المزعومة بحرق كنائس ومساجد، خاصة في العامين الأخيرين، نجحت في الواقع بتصعيد التوتر بين اليهود وغير اليهود بين النهر والبحر. الهجوم الإجرامي في دوما – وبالمناسبة، لم تكن هذه المرة الأولى التي يتم فيها إشعال منزل فلسطيني مع سكانه النائمين في داخله – يمثل إختبارا حاسما لقدرة المؤسسة الإسرائيلية على كبح جماح الجماعة المتطرفة ومنع المزيد من التدهور إلى صراع بين الأديان.

بدى يوفال ديسكين، رئيس سابق للشين بيت ورجل يعرف ما يقوله، مثل إرميا العصر الحديث في الأسابيع التي تلت جريمة القتل في دوما، مؤكدا بمرارة على أنه جهازه والقيادة السياسية سمحا للمتطرفين بالإزدهار لمدة طويلة لن تمكنهما من النجاح في إيقافهم الآن. يقول أن جهاز الشين بيت لم يعط الأولوية للحرب ضد الإرهاب اليهودي، وبأن للمؤسسة السياسية لم تكن النية أبدا للقيام بذلك، ويعود جزء من ذلك إلى لامبالتها النسبية لإستهداف الفلسطينيين. التطرف، كما يؤكد ديسكين، وضع له جذورا عميقة في الضفة الغربية، وتعاطف قيادة التيار السائد وحتى تسامحها سهل من ذلك. “في ’دولة يهودا’ هناك معايير مختلفة، نظم قيم مختلفة، مقاربات مختلفة للديمقراطية”، كما كتب ديسكين على موقع فيسبوك بعد جريمة القتل في دوما، “وهناك نظامين قضائيين. أحدهما يحاكم اليهود (القانون الإسرائيلي) والآخر يحاكم الفلسطينيين (القانون العسكري)”.

كلمات ريفلين لم تكن مختلفة في اليوم الذي تلا هجوم دوما. “لأسفي الشديد، حتى الآن يبدو أن هناك تراخ في تعاملنا مع ظهاهرة الإرهاب اليهودي”، كما قال. “ربما لم نستوعب بأننا نواجه مجموعة أيديولوجية عاقدة العزم وخطيرة، تهدف إلى تدمير الجسور الهشة التي نعمل بلا كلل لبنائها”.

وقال في مسيرة في اليوم التالي أن ألهبة الكراهية والعنف و”المعتقدات الخاطئة والمشوهة والملتوية تنتشر في الأرض”، وتابع قائلا، “هذه النيران، التي تلتهمنا جميعا، لا يمكن إطفاؤها بإدانات ضعيفة [من قبل السياسيين]. هذه النيران لا يمكن إطفاؤها بمسيرات تضامنية… التحريض والسخرية والرعونة والتراخي والغطرسة لا يمكنها إطفاء النار، ولكن ستستمح لها فقط بالإشتعال بشكل أقوى، بحماس، لتنتشر في كل الإتجاهات، وتتخلل كل مناحي الحياة”، وأضاف ريفلين قائلا، “علينا أن نكون دقيقين وواضحين؛ بدءا من جهاز التعليم، وصولا إلى من يفرض القانون، عبر قيادة الشعب والدولة. علينا إطفاء النيران والتحريض، قبل أن تدمرنا جميعا”.

معالجة الإرهاب اليهودي

خلفاء ديسكين في الشين بيت يؤكدون على أن الحرب ضد التطرف هي ليست حربا خاسرة.

تقر مصادر أمنية بأن هناك تصعيد في الهجمات الخطيرة ضد أهداف عربية في العامين المنصرمين. يتحدثون عن إبتعاد عن جرائم الكراهية “الإنتقامية” التي يتم تنفيذها في أعقاب ما ينُظر إليه كإلحاق ضرر بالمشروع الإستيطاني، باتجاه هجمات لا هوادة فيها ومن دون إستفزاز تهدف إلى إثارة الفوضى. يشيرون إلى أن هذه المجموعات المتطرفة – بضعة عشرات من بين بضعة مئات من ما يُسمى ب”شبان التلال” – أصبحت متطرفة إلى درجة تخطت تأثير أكثر القيادات الحاخامية تطرفا. أعضاء هذه المجموعات لا يصغون لأي سلطة. البعض منهم مستعد ليقتل وليدخل السجن مدى الحياة وليُقتل إذا كان ذلك ضروريا، دعما لمناصرة مختلة للأرض وما ينظر إليها كأولوية دينية أهم من الحياة.

أضافت المصادر الأمنية كذلك أن أعضاء هذه الخلايا الإرهابية اليهودية المتطرفة تقوم بشن هجماتها بحذر شديد من دون أن تترك ورائها أدلة تجرمها، وبأنه من الصعب تعقبها لأن تنظيمها غير مضبوط، وأنه تقريبا ومن دون إستثناء، عندما يتم إعتقالهم، لا يقولون أي كلمة خلال التحقيق. لذلك فإن جمع أدلة كافية لتوجيه إتهامات ضدهم هي مهمة صعبة للغاية.

مع ذلك، تؤكد المصادر الأمنية على أنه في نهاية المطاف يتم تعقب المشتبه بهم والإمساك بهم. تم إعتقال خمسة رجال – جميعهم رجال تقريبا – بتهمة التورط في هجوم إشعال نار في شهر يونيو في كنيسة “الخبز والسمك” في الطابغة، على ضفاف بحيرة طبريا؛ تم توجيه لوائح إتهام ضد ثلاثة منهم ووضع قيود على حركة إثنين آخرين. تم القبض على الرجال الذين قاموا بتخريب مدرسة “ماكس راين يدا بيد” – المدرسة ثنائية اللغة العربية والعبرية في جنوب القدس – ومحاكمتم وسجنهم. إتينغر، الذي يُزعم أنه لعب دورا موجها في الهجوم على كنيسة “الخبز والسمك”، وُضع رهن الإعتقال الإداري.

وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعالون خلال كلمة ألقاها في مؤتمر السايبر الدولي في جامعة تل أبيب، 24 يونيو، 2015. (Ariel Hermoni/Ministry of Defense))

وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعالون خلال كلمة ألقاها في مؤتمر السايبر الدولي في جامعة تل أبيب، 24 يونيو، 2015. (Ariel Hermoni/Ministry of Defense))

تقول المصادر أن لديها الآن كل الوسائل والموارد والقوى البشرية اللازمة لمحاربة الإرهاب اليهودي، وأن هذه المسألة هي على رأس سلم الأولويات 24 ساعة وسبعة أيام في الأسبوع. ترفض هذه المصادر الفكرة التي ترى أنه بما إنهم لم يقوموا بنشر الجنود في المستوطنات القريبة للإمساك بالمشتبه بهم بعد هجوم دوما، كما كانوا سيفعلون في القرى والبلدان الفلسطينية في أعقاب هجوم إرهابي ضد يهود، فإن نهجهم يبدو متراخيا وأقل جدية، ويقولون أنه يتم إستخدام الإجراءات الضرورية.

مع ذلك فهم ينتقدون العقوبات التي تفرض على أولئك الذين يتم الإمساك بهم والتي لا تناسب دائما حجم جريمتهم، وبالتالي لا تنجح بردع منفذي هجمات في المستقبل. تم إشعال الحريق في مدرسة “ماكس راين يدا بيد” على يد يتسحاق غاباي والأخوين ناحمان وشلومو تويتو، وهو أعضاء في منظمة “لهافا”، التي تعمل على منع الزواج المختلط والعيش المشترك بين اليهود والعرب في إسرائيل. اعترف الأخوان تويتو بإشعال النار وكتابة العبارات العنصرية مثل “لا تعايش مع السرطان”، “الموت للعرب” و”كهانا كان محقا”. تم سجنهم لعامين ونصف العام؛ الدولة طلبت سجنهم لأربعة أعوام ونصف العام. في شهر يونيو تعرضت المدرسة لهجوم آخر.

احد الصفوف في مدرسة "يد بيد" التي تم تخريبها في 28 نوفمبر 2014  (Yonatan Sindel/Flash90/JTA)

احد الصفوف في مدرسة “يد بيد” التي تم تخريبها في 28 نوفمبر 2014 (Yonatan Sindel/Flash90/JTA)

هل فات الأوان؟

بسبب أمر حظر النشر، تمتنع المصادر الأمنية عن مناقشة هجوم دوما، ولكنها تصر على أنه كان إرهابا يهوديا – “هذا هو المكان الذي تشير إليه كل الدلائل، ولا توجد دلائل تشير إلى أنهم لم يكونوا يهودا”، كما قيل لي.

من غير الواضح ما إذا كانوا يعتقدون أنهم لو كانوا قادرين على إعتقال إتينغر والآخرين إعتقالا إداريا في وقت سابق – لو كانت الحكومة وافقت على طلبات الشين بيت على هذا الإجراء لمحاربة الإرهاب اليهودي في وقت سابق – فكان من الممكن منع جريمة القتل. الربط المباشر الأقرب لهؤلاء المعتقلين الإداريين الثلاثة بهجوم دوما جاء على لسان وزير الدفاع موشيه يعالون خلال مقابلة أدلى بها للقناة 10 قبل عشرة أيام. عن سؤال حول ما إذا كان الأشخاص المعتقلين مرتبطين بجريمة حرق المنزل رد يعالون، “في نهاية المطاف نعم، وإلا لما كنا قمنا بذلك”، إن الإعتقال الإداري، كما قال، “هو خطوة متطرفة… ولكن علينا حماية ديمقراطيتنا”. لو لم تتم هذه الإعتقالات، تابع يعالون قائلا، “لكنا سنشهد سلسلة من الهجمات الخطيرة ضد العرب. رأينا عائلة تحترق. لا شك لدي بأن أولئك المحتجزين في الإعتقال الإداري هم الأشخاص الصحيحون”.

بقدر ما أن هذا إدعاء بالنجاح، فهو يبدو كاعتراف بالفشل. هؤلاء الأفراد اعتبرتهم السلطات الأمنية خطرين وقادرين على ارتكاب جرائم مروعة. ومع ذلك تم إعتقالهم بعد تدهور جديد وفظاعة جديدة.

احمد دوابشة البالغ خمس سنوات يرقد في سريره في مركز شيبا الطبي في تال هاشومير (Eric Cortellessa/Times of Israel)

احمد دوابشة البالغ خمس سنوات يرقد في سريره في مركز شيبا الطبي في تال هاشومير (Eric Cortellessa/Times of Israel)

نظرا لوصف المصادر الأمنية لأساليب عمل الإرهابيين اليهود – عدم وجود تسلسل هرمي سهل الإختراق؛ طريقة تنظيمهم بخلايا محكمة تضم 3 إلى 5 أعضاء؛ واللامبالاة الوحشية بقيمة الحياة التي تجلت في العقيدة التي توجههم – فإن تأكيد يعالون على أنه تم منع هجمات خطيرة يبدو في أحسن الحالات مشكوك به وغير مجرب.

أشار رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو في نهاية الأسبوع الذي تلا هجوم دوما بأن “في كل مجتمع هناك متطرفين ومجرمين على الهامش”، ولكن إمتحان المجتمع هو كيفية تعامل “المركز والقيادة” مع هذا التطرف.

بعد شهر من جريمة إحراق منزل عائلة دوابشة في دوما، لا تزال السلطات تبحث عن إجابة .