العادات القديمة لا تموت بسهولة، لكنها في بعض الأحيان تموت، وقد أظهرت الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الأسبوع أنه مع وجود إرادة سياسية قوية ومجموعة مناسبة من الظروف، من الممكن حتى التخلي عن قناعات دبلوماسية راسخة بعمق.

لعقود من الزمان، استخدمت الإمارات العربية المتحدة والبحرين منصة الأمم المتحدة لانتقاد إسرائيل بلا هوادة ومناصرة القضية الفلسطينية. حتى في السنوات الأخيرة، تضمن كل خطاب في “تيرتل باي” إدانة للدولة اليهودية والتأكيد على أن الاستقرار الإقليمي سيظل بعيد المنال حتى إنشاء دولة فلسطينية على أساس خطوط عام 1967.

في عام 2010، على سبيل المثال، خصص وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان 563 كلمة ضخمة للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وقال إن بلاده ترى أن السلام بين الطرفين “مركزي وحيوي” للمنطقة بأسرها.

“ولا يمكن تحقيق ذلك دون إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة والأراضي العربية الأخرى وانسحابها إلى خط الرابع من حزيران / يونيو 1967، بما في ذلك القدس الشرقية ومرتفعات الجولان السورية وما تبقى من الأراضي المحتلة في جنوب لبنان”.

وتابع آل نهيان حديثه بالقول أن أبو ظبي تقف إلى جانب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وتشيد به على جهوده في استعادة حقوق شعبه.

وصرح “إن التزامنا بتحقيق السلام كخيار استراتيجي يحتم علينا إدانة الممارسات الإسرائيلية المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني، بما في ذلك سياسة العقاب الجماعي والحصار اللاإنساني المفروض على الشعب الفلسطيني في غزة، وانتهاكاتها الصارخة ضد الشعب الفلسطيني، والقانون الدولي ومبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة والقانون الإنساني الدولي”.

وتابع الوزير “نؤكد في هذا السياق أن استمرار الاستيطان الإسرائيلي ومصادرة وتهويد الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة يتعارض مع السعي لتحقيق السلام”، مضيفا “إما أن تختاروا السعي وراء السلام أو أن تصروا على استمرار المستوطنات. الجمع بين الاثنين يتعارض مع السلام”.

كما دعا إلى إنهاء “الحصار الفظيع” الذي تفرضه إسرائيل على غزة، وأدان “العدوان الإسرائيلي” على السفينة “مافي مرمرة” التي حاولت كسر الحصار البحري على غزة. (في وقت سابق من ذلك العام، صعد قوات الكوماندوز الإسرائيليون على متن السفينة، حيث قوبلت بهجوم عنيف من قبل نشطاء أتراك مسلحين بالهراوات والقضبان المعدنية، وقتلت 10 منهم).

تم إلقاء هذا الخطاب منذ وقت طويل. ولكن حتى بعد نصف عقد، في عام 2015 ، قال عبد الله بن زايد نفسه – المعروف باسم ABZ – أمام الجمعية العامة أن القضية الفلسطينية “لا تزال في صميم الصراع في منطقتنا، وأحد التهديدات الرئيسية لأمنها واستقرارها”.

وقال في ذلك الوقت إن “مشاعر الظلم والإحباط الناتجة عن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان التي ترتكبها قوات الاحتلال، تتيح للجماعات المتطرفة فرصة استغلال هذه الظروف الإنسانية الخطيرة ونشر تفكيرها الراديكالي وتحريض الشباب المحبط لتنفيذ أجندتها المدمرة”.

وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان يستعد لإلقاء كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، 22 سبتمبر 2017. (Aliza Eliazarov / UN Photo) (Cia Pak / UN Photo)

في خطاب العام الماضي، صرح مرة أخرى أن المحنة الفلسطينية تظل “القضية المركزية” في العالم العربي.

وقال في الدورة السنوية للجمعية العامة لعام 2019، “لا يمكن تحقيق الاستقرار في منطقتنا دون التوصل إلى حل عادل ودائم وشامل يمكّن الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس”.

“إن الانتهاكات التي ترتكبها دولة الاحتلال ضد الفلسطينيين، بما في ذلك خلق ’حقائق جديدة على الأرض’ في القدس، ستمكن الجماعات المتطرفة من استغلال معاناة الشعب الفلسطيني”.

وأي فرق يمكن أن يحدثه عام واحد.

من اليسار إلى اليمين: رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان يشاركون في مراسم التوقيع على ’اتفاقية إبراهيم’ في البيت الأبيض، 15 سبتمبر، 2020. (SAUL LOEB / AFP)

لا تزال إسرائيل “قوة محتلة” ولم يتم إنشاء دولة فلسطينية عاصمتها القدس، لكن كلمات ABZ بدت مختلفة تماما يوم الثلاثاء – بالضبط بعد أسبوعين من توقيعه اتفاقية السلام بين إسرائيل والإمارات في البيت الأبيض – عندما ألقى بخطابه (المسجل مسبقا) في الأمم المتحدة.

وقال الوزير “و تبقى الدعوة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية بما يتوافق مع القرارات الدولية ذات الصلة ويتماشى مع الإجماع العربي والدولي مطلبا ثابتا”.

وأضاف “قد بذلت بلادي جهودا حثيثة عبر استخدام كافة الوسائل الدبلوماسية المتاحة للتأكيد على رفضنا التام لضم أراض فلسطينية والتحذير من تداعياته على كافة الأطراف وأمن المنطقة”.

وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، 29 سبتمبر، 2020. (screen grab)

وتابع قائلا إن معاهدة السلام  ال”تاريخية مع إسرائيل” فتحت “آفاقا واسعة لتحقيق سلام شامل في المنطقة. نأمل أن توفر المعاهدة فرصة للفلسطينيين والإسرائيليين لإعادة الانخراط في المفاوضات لتحقيق السلام”.

بكلمات أخرى: ما زلنا نؤيد حل الدولتين، من حيث المبدأ، لكننا نكتفي في الوقت الحالي بالوقف المؤقت لخطة إسرائيل لضم أجزاء من الضفة الغربية من جانب واحد. لا كلمة عن الانتهاكات الإسرائيلية، ولا ذكر لأي احتلال. وإدانة التوسعات الاستيطانية؟ رثاء معاناة الفلسطينيين؟ البكاء على تهويد الأراضي العربية المحتلة؟ ليس بعد الآن.

’أعمال إسرائيل الاستفزازية تثير غضب المسلمين في جميع أنحاء العالم’

البحرين أيضا غيرت من خطابها بشكل دراماتيكي في ضوء “اتفاقية إبراهيم”.

في عام 2013، قال وزير خارجيتها حينذاك خالد بن أحمد آل خليفة للجمعية العامة، “نتطلع إلى وقف اضطهاد الفلسطينيين ورفع الحصار عن غزة وإنهاء بناء المستوطنات لتوفير بيئة مواتية لإنجاح هذه الحلول”.

كما أعرب عن “دعمه الكامل” لعباس وقال “إنه أحد أفضل القادة الذين أنتجتهم فلسطين على الإطلاق، ويستحق دعمنا في كل خطوة يقوم بها نحو تحقيق السلام المنشود”.

بعد أربع سنوات، كرر آل خليفة أن القضية الفلسطينية تتصدر أولويات السياسة الخارجية للبحرين، وقال إن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني “قضية احتلال إقليمي يجب أن تنتهي”.

“ينبغي إعادة الحقوق المصادرة إلى أصحابها، وهذا بالضبط ما يجب أن تفهمه إسرائيل، على الرغم من كل مخاوفها الأمنية ، لأنها ستحقق السلام لشعبها ولنفسها فقط عندما تتخلى عن جميع أشكال العنف ضد الفلسطينيين”.

وزير الخارجية البحريني خالد بن أحمد آل خليفة يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، 28 سبتمبر، 2007.(Marco Castro/UN Photo)

وأضاف أن على القدس أن توقف نشاطها الاستيطاني و ”توقف انتهاك حرمة الأماكن الدينية، لا سيما ما يحدث في المسجد الأقصى من اعتداءات متكررة وأعمال استفزازية تغضب المسلمين في جميع أنحاء العالم وتعيق استئناف عملية السلام وجميع المبادرات الإقليمية والدولية الداعمة”.

وفي الدورة السنوية الأخيرة للجمعية العامة العام الماضي، التي انعقدت بعد أن استضافت البحرين مؤتمرا لطرح الجزء الأول من خطة الإدارة الأمريكية للسلام في الشرق الأوسط ذات الشقين، قال آل خليفة إن المجتمع الدولي يجب أن يجبر إسرائيل على “وقف سياسات الضم الجائرة وانتهاكاتها الدولية، التي تعيق كل الجهود الهادفة للتوصل إلى حل عادل ومستدام للقضية الفلسطينية “.

يوم الأربعاء، دعا الملك حمد بن عيسى آل خليفة، في كلمة مسجلة للأمم المتحدة، إلى “تكثيف الجهود لإنهاء الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي وفقا لحل الدولتين”، وحض على إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967، تكون عاصمتها القدس الشرقية.

لكنه امتنع عن أي هجوم على إسرائيل، وبدلا من ذلك، أشاد بتطبيع بلاده للعلاقات مع إسرائيل باعتباره “تجسيدا لنهجنا الراسخ في الانفتاح والتعايش مع الجميع”.