من الصعب تتبع عدد المرات التي كانت فيها حماس وفتح على وشك المصالحة، ومن الأصعب أكثر تتبع عدد الكلمات وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية التي كتبها كبار الشخصيات من الحركتين حول ضرورة المصالحة الوطنية التي ستحقق الوحدة بين غزة والضفة الغربية.

ومن جديد عادت الوحدة الفلسطينية مرة أخرى إلى تصدر عناوين الصحف. يوم الخميس، سيصل وفد كبير يضم 460 شخصا من السلطة الفلسطينية في رام الله برئاسة رامي حمداالله، يرافقه المسؤولين والخبراء الأمنيين وخبراء في مجال المياه والكهرباء وغيرها، الى غزة يوم الاثنين من أجل “عودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع”. بعض أعضاء الوفد البارزين وصلوا إلى غزة كانوا قد وصلوا يوم الخميس إلى القطاع.

بعد أكثر من عشر سنوات من الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة والانقلاب الدموي، تعود السلطة الفلسطينية إلى غزة. يبدو وكأننا أمام لحظة تاريخية. الوفد، الذي قام بحجز غرف في بعض الفنادق في غزة، يعتزم إجراء محادثات، بالأساس من أجل البروتوكول والكاميرات، على الأقل لإظهار منظر المصالحة.

رئيس حكومة السلطة الفلسطينية رامي الحمد الله يتحدث خلال مؤتمر صحفي في مدينة رام الله في الضفة الغربية، 16 يناير، 2017. (Flash90)

رئيس حكومة السلطة الفلسطينية رامي الحمد الله يتحدث خلال مؤتمر صحفي في مدينة رام الله في الضفة الغربية، 16 يناير، 2017. (Flash90)

ومع ذلك، لا يمكن للمرء أن يتجاهل الشعور بأننا كنا في سيناريو مماثل في أبريل 2014 عندما تم تشكيل  حكومة الوفاق الوطنية التي لم ينتج عنها أي شيء. على عكس التوقعات، بعد إنشاء تشكيل الوفاق، رفض رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بحزم تمويل رواتب موظفي حماس في غزة، وبعد ذلك جاءت عملية اختطاف اوقتل الفتية الإسرائيليين الثلاثة ومن ثم أتت الحرب بين إسرائيل وحماس على شكل عملية “الجرف الصامد”.

فما الذي تغير هذه المرة؟ قد لا يكون تغير أي شيء على الإطلاق. إن تفاصيل التفاهمات بين الجانبين ليست واضحة، ومن الصعب أن نرى أحد الطرفين يتخلى عن القضايا الجوهرية – مثل أسلحة حماس وسيطرتها على الحدود، قد نشر مرة أخرى تكرارا لنمط معروف: مهرجان الوحدة الذي تليه صعوبات في المفاوضات، وفي النهاية اتساع في الصدع وتفاقل الخصومة بين الجانبين.

ولكن بعض الأمور تغيرت حقا.

أولا، تغيرت قيادة حماس في الأشهر الأخيرة. لم يعد خالد مشعل والبعض من الذين يعيشون في الخارج في الصورة. يقود المنظمة حاليا اثنان من سكان قطاع غزة الذين ولدوا في مخيمات اللاجئين وهما إسماعيل هنية، من مخيم الشاطئ وهو رئيس الجناح العسكري للحركة،  ويحيى السنوار، رئيس حركة حماس في قطاع غزة، والذي ولد في مخيم خان يونس للاجئين.

أعلن هنية والسنوار تأييدهما للوحدة الفلسطينية، على الرغم من أنه لم يتضح حتى الآم ما الذي يدور في بالهما. كلاهما يتحدثان باستمرار  عن الحاجة إلى الوحدة ويحاولان اتخاذ الكثير من الإجراءات لبناء الثقة مع حركة فتح وزعيمها عباس. وقد تحدث عباس عدة مرات مع هنية في الأسابيع الأخيرة؛ وتم فتح قناة حوار.

رئيس المكتب السياسي لحركة ’حماس’، اسماعيل هنية، وسط الصورة، يتحدث مع قائد الحركة في غزة يحيى السنوار، من اليسار، بعد وصوله إلى الجانب الفلسطينية من معبر رفح، في جنوب قطاع غزة، 19 سبتمبر، 2017. (AFP/Said Khatib)

رئيس المكتب السياسي لحركة ’حماس’، اسماعيل هنية، وسط الصورة، يتحدث مع قائد الحركة في غزة يحيى السنوار، من اليسار، بعد وصوله إلى الجانب الفلسطينية من معبر رفح، في جنوب قطاع غزة، 19 سبتمبر، 2017. (AFP/Said Khatib)

هناك حوار أيضا بين المسؤولين عن الأجهزة الأمنية في الطرفين، كبداية حول  التنسيق لوصول الوفد الضخم يوم الاثنين. وقد أعلن مسؤولون في  حماس عن تفكيك “اللجنة الإدارية” التي شكلتها الحركة في قطاع غزة لتحل محل حكومة الحمد االله، دون شروط مسبقة، على الرغم من أن حماس في الماضي قامت بوضع مجموعة لا بأس بها من الشروط ، وبالأخص رفع عقوبات السلطة عن غزة.

ومن المستحيل تجاهل الأشياء غير المعتادة التي قام بها يحيى سنوار في الفترة الأخيرة، وهو الأكثر تطرفا من قادة حماس، عندما ظهر أمام مجموعة من الشبيية في غزة.

وقال السنوار “سوف أكسر رقبة كل من يعارض المصالحة، سواء كان من حماس أو من أي فصيل آخر”،  وأضاف، “إن قرار إنهاء الانقسام هو قرار استراتيجى، ولا سبيل الى العودة منه، علينا ان ننهيه”.

يحيى السنوار (وسط الصورة)، قائد ’حماس’ في غزة، يشارك في لقاء مع شبيبة الحركة في مدينة غزة في 28 سبتمبر، 2017. (AFP PHOTO / MOHAMMED ABED)

يحيى السنوار (وسط الصورة)، قائد ’حماس’ في غزة، يشارك في لقاء مع شبيبة الحركة في مدينة غزة في 28 سبتمبر، 2017. (AFP PHOTO / MOHAMMED ABED)

وقال أيضا إن قائد كتائب عز الدين القسام محمد ضيف يؤيد هذا التحرك. حسب قوله، “على قادة السلطة الفلسطينية إنهاء فترة الانقسام والانتقال الى المستقبل من اجل بناء خطة وطنية”، مضيفا أن “حماس ستقدم  تنازلات مؤلمة. سيكون كل تنازل اكثر صعوبة من سابقه، من أجل تحقيق المصالحة”.

محمد ضيف (courtesy)

محمد ضيف (courtesy)

والتوتة التي تزين كل ذلك: ” قاكت حماس بتفكيك اللجنة الإدارية حتى قبل ظهور أبو مازن للتحدث أمام [الجمعية العامة] في الأمم المتحدة [في الأسبوع الماضي]، لأن الحركة تعتقد أن رئيس قوي هو في صالح الشعب والفلسطينيين”.

بحسب السنوار، فإن حماس تحافظ على التنسيق الكامل مع جميع الفصائل في قطاع غزة و”نأمل ان ندمج الجميع في الجيش الوطني الفلسطيني”.

إن التغيير في الشخصيات وفي النغمة في قيادات حماس مرتبط بالواقع غير المريح الذي تواجهه الحركة: فلقد اضطرت حماس إلى الإعتراف بفشلها في الحكم على المستولا المدني – الحياة في غزة كئيبة باستمرار تحت حكمها – وما يترتب على ذلك من خطر أن يثور سكان قطاع غزة احتجاجا على ذلك.

إن الرغبة في تفكيك اللجنة الإدارية دون قيد أو شرط، والاستعداد لتسليم المفاتيح المدنية في غزة إلى حكومة الحمد االله – هو بمثابة اعتراف بالفشل.

لقد حاولت حماس بكل وسيلة ممكنة لعقد من الزمن عدم الانفصال إحكام سيطرتها على قطاع غزة، لكنها تظهر الآن علامات على رغبتها في التنحي جانبا، على الأقل في المجال المدني.

مشاكل الكهرباء الملحة (يحصل سكان غزة على خمس ساعات فقط يوميا من الكهرباء)، والمشاكل في توفير المياه، وبطء إعادة تأهيل قطاع غزة، والإغلاق المصري على معبر رفح، كل ذلك دفع حماس، وفي الأخص السنوار وهنية، إلى إعادة التفكير في مسألة السيطرة على القطاع.

أطفال فلسطينيون في منازلهم يقرؤون الكتب على ضوء الشموع بسبب نقص الكهرباء في مدينة غزة، 11 سبتمبر 2017 (AFP Photo/Mahmud Hams)

أطفال فلسطينيون في منازلهم يقرؤون الكتب على ضوء الشموع بسبب نقص الكهرباء في مدينة غزة، 11 سبتمبر 2017 (AFP Photo/Mahmud Hams)

على هذا المستوى، نتحدث عن دراما الحقيقية، وليس أقل من ذلك. حماس، التي جاءت من رحم “الإخوان المسلمين”، والتي كانت دليلا ظاهريا على أن “الإسلام هو الحل”، تعترف هي أيضا بمحدوديتها. على غرار حركة النهضة التونسية، التي أدركت أنها لا يمكن أن تكون صاحبة السيادة أو أن تكون هي حكومة وفضلت الجلوس في المعارضة. ومع ذلك، قد تكون حماس تفضل النموذج اللبناني: أي أن تعتمد إلى أقصى حد ممكن على الطريقة التي تعمل بها منظمة حزب الله.

عمال فلسطينيون يعلمون في منصع للأسمنت، خلال الساعات القليلة التي يحصل فيها سكان غزة على الكهرباء، في مخيم رفح في جنوب قطاع غزة. 24 سبتمبر، 2017. (AFP PHOTO / SAID KHATIB)

عمال فلسطينيون يعلمون في منصع للأسمنت، خلال الساعات القليلة التي يحصل فيها سكان غزة على الكهرباء، في مخيم رفح في جنوب قطاع غزة. 24 سبتمبر، 2017. (AFP PHOTO / SAID KHATIB)

الفكرة بسيطة، على الأقل على الورق: السماح للسلطة الفلسطينية بإدارة الشؤون اليومية لقطاع غزة: الكهرباء والمياه والصرف الصحي والرفاه والبطالة وما إلى ذلك، مع ضمان محافظة الجناح العسكري لحركة حماس يحافظ على كل أسلحته.

تساء يلوحن بأعلام لبنانية وأعلام ’حزب الله’ أمام صور للمرشد العام الإيراني آية الله علي خامنئي (من اليسار) والأمن العام ل’حزب الله’، حسن نصر الله، في مدينة بنت جبيل في جنوب لبنان، 13 أغسطس، 2016. (AFP Photo/Mahmoud Zayyat)

تساء يلوحن بأعلام لبنانية وأعلام ’حزب الله’ أمام صور للمرشد العام الإيراني آية الله علي خامنئي (من اليسار) والأمن العام ل’حزب الله’، حسن نصر الله، في مدينة بنت جبيل في جنوب لبنان، 13 أغسطس، 2016. (AFP Photo/Mahmoud Zayyat)

وبالتالي فإن حماس ستظل “المسيطرة” على الأرض في قطاع غزة، في حين أن السلطة الفلسطينية يجب أن تتعامل مع الشؤون اليومية الكئيبة التي لا مجد لها. في هذا الصدد، أوضحت حماس أنها لا تنوي التخلي عن “سلاح المقاومة”، وهو نفس المصطلح الذي يستخدمه حزب الله في لبنان.

وهناك عدة جوانب يمكن فيها التوصل إلى اتفاق بين الطرفين. فيمكن التوصل إلى حل في مشكلة موظفي حكومة حماس، حوالي 45،000. إذا أراد الجانبان ذلك، يمكن إيجاد آلية (ربما مثل “النموذج السويسري” الذي كان قد اقترحه دبلوماسي سويسري زار غزة أكثر من مرة)، والتي تحدد ما يجب فعله مع عشرات آلاف موظفي حماس الذي استلموا وظائفهم بعد انقلاب عام 2007. منهم ما يقارب 20000 من أفراد الشرطة المدنية والدفاع المدني والأقسام التي تهتم بالأمن الشخصي لسكان غزة. بإمكان السلطة الفلسطينية توظيفهم في أجهزتها الرسمية، على الرغم من أنها تعاني أصلا من تضخم.

ولكن يجب أخذ عامل آخر في عين الاعتبار: رد فعل المجتمع الدولي. أن المصالحة مع حماس وموافقة السلطة الفلسطينية على دفع رواتب 16،000 إلى 20،000 من موظفي قوات الأمن الذين كانوا موظفين حماس قبل لحظات، من المتوقع أن يؤدي إلى مشاكل في تحويل المساعدات الى السلطة الفلسطينية.

في شهر ديسمبر من المتوقع أن يتم تمرير قانون “تايلور فورس” في الكونغرس والذي من شأنه أن يحد من مدى المساعدات الأمريكية للسلطة في ضوء تمويلها لأسر منفذي الهجمات. قد يكون قانون “تايلور فورس” أحد العوامل في تسريع عباس للتحرك في اتجاه المصالحة مع حماس.

عقدت جامعة فاندربيلت خدمة تذكارية في الحرم الجامعي لتايلور فورس، أعلاه، في 18 مارس 2016. (Facebook)

عقدت جامعة فاندربيلت خدمة تذكارية في الحرم الجامعي لتايلور فورس، أعلاه، في 18 مارس 2016. (Facebook)

وثمة نقطة أخرى التي يبدو حلها ممكنا – هي وجود السلطة في المعابر. وفقا لتلميحات كبار الشخصيات في حماس، فإنهم سيوافقون على أن تسيطر أجهزة السلطة الفلسطينية على المعابر الحدودية، بل وربما على نشرها على طول الحدود مع إسرائيل ومصر. سيؤدي ذلك إلى فتح معبر رفح بشكل دائم وإلى تحسن فوري في الوضع الاقتصادي في قطاع غزة. ستُقابل هذه الخطوة بدعم كبير في واشنطن وربما، إلى حد معين، في إسرائيل أيضا.

خلال زيارة قام بها مؤخرا إلى الحدود مع غزة، لرافقه فيها نتسق أنشطة الحكومة في إسرائيل الميجر جنرال يوآف مردخاي، قال المبعوث الأمريكي للسلام في الشرق الأوسط جيسون غرينبلات إن على السلطة الفلسطينية العودة إلى المعابر.

ومع ذلك، فإن السؤال الحاسم الذي سيتعين على إسرائيل أن تتعامل معه في المستقبل – والذي سيحدد أيضا جديّة اتفاق المصالحة المحتملة – هو مستقبل الجناح العسكري لحماس.

يدرك عباس جيدا الطبيعة الإشكالية في اتفاق يبقي على الجناح العسكري لحركة حماس – بالنسبة لإسرائيل وللمجتمع الدولي، ولمصالحه هو أيضا. ومن الصعب القول في هذه المرحلة ما إذا كان سيوافق على ذلك. في الماضي، جعل عباس من نزع سلاح حماس شرطا مسبقا ثابتا لأي اتفاق وحدة.

ويُعرف عن عباس أيضا بأنه رجل لا يغفر بسرعه لخصومه. يقول مسؤولون كبار في السلطة الفلسطينية بأنه ليس على عجلة في أمره من احتضان حماس في غزة. لا تزال هناك شكوك عميقة بين فتح وحماس، بالإضافة إلى مشاعر العدائية لدى سكان الضفة الغربية وغزة تجاه الفصيلين.

لكن قد يدفعه تدني مستوى شعبيته كما تظهر استطلاعات الرأي التي تم إجراؤها في الضفة الغربية، إلى جانب شبه الإحباط بشأن تحقيق أي تقدم في العملية السلمية، اليأس كم اسرائيل، والتحركات الامريكية من اجل “دفع عملية السلام”، إلى الموافقة على الإبقاء على سلاح كتائب عز الدين القسام.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو، من اليمين، يصافح صائب عريقات في القدس، أبريل 2012، مساعد نتنياهو يتسحاق مولخو يقف إلى يساره، ورئيس المخابرات العامة في السلطة الفلسطينية، ماجد فرج، الثاني من اليسار. (Amos Ben Gershom /GPO/Flash90)

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو، من اليمين، يصافح صائب عريقات في القدس، أبريل 2012، مساعد نتنياهو يتسحاق مولخو يقف إلى يساره، ورئيس المخابرات العامة في السلطة الفلسطينية، ماجد فرج، الثاني من اليسار. (Amos Ben Gershom /GPO/Flash90)

إحدى النقاط التي تشير إلى أن عباس جدي هذه المرة بشأ، الوحدة هي الوفد الذي سيقوم بإرساله إلى غزة، والذي يضم ساعده الأيمن ورجل المخابرات ماجد فرج. وهذا الاخير هو مزيج فلسطيني لموظّف نتانياهو السري يتسحاق مولخو ورئيس الموساد يوسي كوهين. ومن المعروف أيضا أن فرج الذي قاد سياسة صعبة لا هوادة فيها تجاه حماس، من المفترض أن يقود عملية المصالحة في غزة.

في النهاية، سيرغب عباس في معرفة ما الذي تعرضه حماس، ولن يسارع في التوصل إلى اتفاق مع الحركة قبل أن يعرف بالضبط ما ستكون عليه مبادرة السلام الأمريكية. إذا تم التوصل بالفعل إلى مصالحة حقيقية، فستكون هذه عملية تدريجية، ومن ثم، فإن المصالحة، إذا أريد لها أن تحدث، لا يتوقع أن تؤتي ثمارها الّا بعد شهور من المناقشات حول تفاصيل العديد من القضايا الخلافية. الشيطان،

وكما نعلم جميعا، فإن الشيطان في التفاصيل.