محمود عباس في ال-79 من عمره، وسيطرته على الشعب الفلسطيني هشة. فالمؤسسة التي يحكمها من مجمع المقاطعة المتداعي في رام الله هي دكتاتورية تُدار بشكل سيء. وهو في السنة التاسعة من ولاية رئاسية من المفترض أن تستمر لأربعة أعوام، ويشرف على نظام يعتقل شبان فلسطينيين ينتقدونه على موقع فيسبوك.

مع ذلك، كل ما ذُكر أعلاه يُعتبر ثانويا مقارنة بالإهانة الصارخة لحكمه: فهو يحافظ على وجوده في السلطة ليس بسبب فطنته السياسية أو حتى بسبب قوة الشرطة، ولكن بسبب قمع إسرائيل الفعال لمعارضية، خاصة حماس، في الضفة الغربية.

تمثل هذه الحقيقة واقع إستراتيجي أكبر يعيشه الفلسطينيون. على عكس الشعوب العربية التي قد تستفيد من السلام مع إسرائيل، ولكنها لا تحتاج في الواقع إلى إسرائيل، فالفلسطينيون قريبون جدا، وضعفاء جدا، ومقسمون من قبل الدولة اليهودية إلى منطقتين لا يمكن الدفاع عنهما. ما دام الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، يمكن تجاهل هذه الحقيقة الصارخة. الإستقلال من إسرائيل يضع إعتبارات أخرى على سلم أولويات السياسة الفلسطينية. مع ذلك، كل خطة لإستقلال فلسطيني قابل للحياة لا تأخذ هذه الحقيقة بالحسبان ستترك الفلسطينيين، حتى وإن كانوا منتصرين، محرومين ومتعلقين بغيرهم بدلا من أن يكونوا في دولة حرة ومزدهرة.

في الواقع، حتى قبل النظر في قدرة دولة فلطسينية مستقلة على الإزدهار، فهناك واقع آخر على الفلسطينيين مواجهته. وهي ببساطة أنه لا يوجد مسار واضح نحو إستقلال فلسطيني لا يمر من خلال السياسة الإسرائيلية.

إغلاق الباب
يوم الجمعة، 26 ستمبر، في الكلمة التي ألقاها أمام الأمم المتحدة، أعلن محمود عباس أنه يشعر باليأس من مسار المحادثات الثنائية مع إسرائيل، وبأنه سيضع كل جهوده في أيامه الأخيرة في إستراتيجية التدويل.

كعرض للقوة، في إشارة إلى الضرر الذي يخطط أن يتسبب به من خلال هذه الجهود، أعلن عباس- في الجملة الأولى من خطابه – أنه “في هذا العام، الذي أعلنته الجمعية العامة للأمم المتحدو عام التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني، إختارت إسرائيل جعله عام حرب إبادة جماعية تُرتكب ضد الشعب الفلسطيني”.

حددت هذه الجملة لهجة الخطاب. حرص عباس على تكرار الإتهام “بإبادة جماعية” مرتين أخرتين. على الفور أصبح هذا الخطاب بين الإسرائيليين معروف “بخطاب الإبادة الجماعية”، وأثار موجة من الإنتقادات الشديدة من اليمين وجو من الإحباط المؤلم في اليسار.

تصريحات اليمين كانت متوقعة. كلهم قالوا، مع اختلافات بسيطة: “قلنا لكم، عباس لا يسعى إلى السلام”.

لكن قلق اليسار كانت معبرا أكثر، حيث أتى من الإدراك من أن آماله في إستقلال فلسطيني ستضيع إذا تخلى الفلسطينيون علنا عن التظاهر على الأقل بأنهم مستعدون للتسوية.

قالت وزيرة العدل تسيبي ليفني، كبيرة المفاوضين الإسرائيليين ومتحدثة صريحة ضد بناء الستوطنات في الضفة الغربية وضد بعظ شركائها من اليمين في الحكومة، لروبرت سيغل من شبكة NPR في 30 سبتمبر، كما قالت في بيان بالعبرية بعد المقابلة: أن “أبو مازن [عباس] سيضيع وقتا ثمينا، بدلا من التمسك بمسار المفاوضات الذي من شأنه أن يمكن من إقامة دولة فلسطينية، سيقوم أبو مازن الآن بتضييع سنوات لا داعي لها مع طلب تحديد موعد في الأمم المتحدة لإقامة الدولة”.

حتى في عمق اليسار الإسرائيلي، الذي يلقي باللوم على نتنياهو في فشل محادثات السلام، إعترفوا ببهتان إتهامات الإبادة الجماعية – ولكنهم ربطوا ذلك بفشل السياسية الإسرائيلية.

وإعترفت عضو الكنيست ميراف ميخائيلي، وهي واحدة من أشد المنتقدين لنتنياهو في كثير من القضايا: بأن “أبو مازن قال أكاذيب بعيدة المدى في الأمم المتحدة عشية العيد [رأس السنة اليهودية]”، ولكنها ألقت باللوم على التلكأ والجمود الإسرائيلي في الإحباط الذي دفع إلى ثورة الهيجان هذه.

الكتابة عميرا هاس من صحيفة “هآرتس”، ربما واحدة من أكثر المؤيدين للرواية الفلسطينية في الصحافة العبرية، فسرت أن إستخدام المصطلح “إبادة جماعية” هو بمثابة “صرخة” – حيث أن الإسرائيليين يرفضون الإصغاء عندما يتم إستخدام نغمات أكثر هدوءا. في هذه الأثناء، قال لاري ديرفنر، من مجلة 972+ باللغة الإنجليزية أن تصريحات عباس كانت “إنتحارا سياسيا، وخاصة لأنها غير صحيحة على الإطلاق”، وعملت فقط على إغلاق آذان الإسرائيليين للحقائق المهمة التي عرضها عباس في خطابه.

سواء قام معسكر اليسار بالتعبير عن أسفة، أو تبريره أو إنتقاده لهذا التصريح، يبدو أن هناك إجماع بين المحللين اليساريين على أن خطاب عباس لم يساعد القضية الفلسطينية في النقاش العام الإسرائيلي.

وهنا تكمن أهمية ذلك. تم التخلي عن النقاش العام الإسرائيلي، الذي تمكن قادة فلسطينيون قلائل من الإنخراط فيه، بضربة ساحقة.

’العدو يتحرك أيضا’
كمجند شاب في وحدة النخبة في يالجيش الإسرائيلي “سايريت ماتكال”، تعلم نتنياهو، الذي أطلق عليه آنذاك ويُطلق عليه اليوم إسم “بيبي”، درسا قويا من شقيقه يوني، الذي فاقه رتبة في الوحدة ليصبح واحدأ من أكثر قادتها شهرة.

اخذ الأخ الأكبر، يوني، رئيس الوزراء المستقبلي إلى قمة تلة خلال تدريبات في قاعدة عسكرية وسأله عن الطريقة التي سيحتل فيها التلة خلال معركة. عرض بيبي خطة للهجوم، على الأرجح عرض عقيدة المعركة التي علمها الجيش الإسرائيلي لكل جندي في وحدة المشاة على مدى العقود الستة الماضية: نشر قوة مرافقة مع توفير تغطية من خلال إطلاق النار والمبادرة بالتقدم لإغلاق المسافة على العدو المحصن.

ولكن هذه الإجابة لم تعجب يوني. المشكلة في خطة بيبي، كما شرح له القائد المخضرم، هي أن العدو يتحرك أيضا. أنه لخطأ فادح أن يقوم قائد عسكري ببناء إسترتيجيته على إفتراض أن العدو لن يتفاعل ويفاجئ ويسعى إلى عرقلة خطة الهجوم. في الوقت الذي تكون فيه القوات قد وصلت إلى موقع العدو، قد يكون العدو قد أحاط بطابور بيبي المتحرك.

حفظ نتنياهو هذا الدرس عن ظهر قلب. بينما يخطط خصومه غالبا لعدو ثابت لا يتحرك، يفتخر نتنياهو بقدرته على المناورة.

في أعقاب خطاب محمود عباس، بدأ نتنياهو بالتحرك من جديد.

فسر الكثير من القادة الإسرائيليين خطاب “الإبادة الجماعية” كصافرة الإنطلاق لحملة دولية شاملة لتحقيق ما لم يستطع المفاوضون الفلسطيينون تحقيقه على طاولة المفاوضات في الأمم المتحدة وفي المحكمة الجنائية الدولية: تنازاات إسرائيلية في أكثر القضايا تعقيدا، كقضية اللاجئين والحدود والقدس.

بالنسبة لإسرائيل، يعرض الفلسطينيون حاليا خيارين، على أمل تقييد إسرائيل بهذين الخيارين: حرب حماس الدائمة أو مطالب عباس التي يصر عليها (بحسب النظرة الإسرائيلية) والمدعومة بعزلة دولية. ردا على “خطة الهجوم” الفلسطينية هذه، بدأ نتنياهو بإسترتيجيتة خفية – يتم فيها التطرق إلى محاولة التدويل في الطرف الآخر مع نسخته الخاصة.

حيث قال للرئيس أوباما يوم الأربعاء في البيت الأبيض: “أعتقد أن هناك فرص. والفرص، كما قلت أنت، هي شيء متغير في الشرق الأوسط، بسبب الوضع الحالي، نتجت عن ذلك مصالح مشتركة بين إسرائيل ودول عربية رائدة”، وأضاف قائلا: “أعتقد أن علينا العمل بجدية معا لإنتهاز هذه المصالح المشتركة وبناء برنامج إيجابي للتقدم نحو شرق أوسط أكثر أمنا وأكثر إزدهارا وأكثر سلما”.

إذا قرر الفلسطينيون عدم التفاوض، قستقوم إسرائيل بأخذ القضية الفلسطينية إلى الشرق الأوسط الكبير – حيث لا يوجد هناك، كما يعتقد نتنياهو، وخاصة بعد التجربة المصرية في غزة، أكثر من التعاطف الخطابي مع قضيتهم.

جملته التالية تظهر مدى جديته في نهجه الجديد.

“لا أزال ملتزما برؤية السلام دولتين لشعبين على أساس الإعتراف المتبادل وترتيبات أمنية قوية على الأرض”، كما أعلن – ولم يكن يوجه حديثه للآذان الفلسطينية، ولا حتى لمضيفيه الأمريكيين، ولكن للقادة العرب الذي يأمل بأن ينتبهوا إلى عرضه الجديد، كما وضح على الفور: “وأنا أعتقد أن علينا إستغلال الفرص الجديدة، التفكير خارج الصندوق، أن نرى كيف يمكننا تجنيد الدول العربية لدفع هذه الأجندة المفعمة بالأمل. وأنا أتطلع إلى مناقشاتنا حول ذلك وحول مواضيع أخرى كثيرة”.

قبول على مضض
من الصعب رؤية إمكانية إحياء المحادثات الثنائية من الماضي نظرا للتغيرات الداراماتيكية في الأيام القليلة الماضية. لقد تسلق عباس إلى أعلى شجرة التدويل لدرجة لا يمكنه النزول عنها من دون نتائج، وإسرائيل ملتزمة بحرمانه هذه النتائج، مما يعني نكسات كبيرة للموقف التفاوضي الإسرائيلي.

في الوقت ذاته، يئس القادة الإسرائيليين، الذين يدعمهم الرأي العام الإسرائيلي بشكل كبير، من إيجاد أرضية مشتركة مع القيادة الفلسطينية الحالية ويخشون من “حمسنة” الضفة الغربية، ومن شأن ذلك أن يضع مناطق كبيرة في إسرائيل عرضة للأسلحة والتكتيكات الفلسطيينة التي لا يستطيع أية نظام دفاعي صاروخي إعتراضها حتى الآن، وخاصة قذائف الهاون والأنفاق.

واجه نتنياهو موجة من الإنتقادات فورا بسبب التحول الذي قام به هذه الأسبوع. يشكك المنتقدون فيما إذا كانت المصالح المشتركة للدول العربية وإسرائيل قوية بما فيه الكفاية لتخطي عقبة العداء الإسرائيلي-الفلسطيني.

ولكن في نفس اللحظة التي عبر فيها بعض القادة العرب عن شكوكهم، أظهروا تعاملا جديا مع الإقتراج.

أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد الثاني، الممول والراعي الرئيس لحماس في الصراع الأخير خلال الصيف، قال لشبكة “سي ان ان” أن بلاده منفتحة على إحياء العلاقات مع إسرائيل (تم إغلاق مكتب دبلوماسي منخفض المستوى عام 2009 خلال الصراع في غزة) – “طالما أنهم جادون في صنع السلام وتوفير احتياجات الشعب الفلسطيني وحمايته”.

في الواقع، جاء الرفض الأقوى للفكرة من الأطراف المنخرطة فيها أصلا. حيث قال سامح سيف اليزل، بحسب وكالة أسوشيتد برس، مسؤول مخابرات مصري سابق ومقرب من الرئيس عبد الفتاح السيسي، “فرص حصول تحالف كهذا (مع إسرائيل) غير موجود تقريبا” – كلمات قوية من دولة لديها اتفاق سلام رسمي مع إسرائيل، وتنسيق أمني مكثف، وتاسعد إسرائيل بشغف في حصارها على غزة التي تسيطر عليها حماس.

وقد تغير الولايات المتحدة أيضا من موقفها على ضوء الواقع الجديد.

بحسب القناة العاشرة، يخطط وزير الخارجية الأمريكي جون كيري لعقد محادثات سلام مكثفة تحت إشراف القوى الإقليمية العربية. وورد أن كيري يرغب بأن تستمر هذه الإتصالات لمدة شهرين وأن تضم دولا كمصر والسعودية والإمارات وقطر.

هذه الجهود الجديدة، التي من شأنها تقديم دعم أمريكي لتوجه نتنياهو الجديد، لن تكون مجانية، بحسب التقرير. سيطلب الأمريكيون من نتنياهو أن يعلن موقفا إيجابي من مبادرة السلام العربية من عام 2002 – إن لم يكن ذلك بمالصادقة عليها بالكامل، فعلى الأقل الترحيب بمحتواها بشكل عام.

في الوقت ذاته، سيطلب المسؤولون الأمريكيون من عباس تعليق مطالبه لإصدار قرار لتحديد نوفمبر 2016 كموعد نهائي لإنسحاب إسرائيلي في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لأشهر قليلة- مصدر ضغظ جديد على عباس لا يحمل في طياته فقط عدم الرضا الأمريكي (كما قال عباس هذا الأسبوع، قد تقوم الولايات المتحدة بإستخدام المعونات التي تحتاجها السلطة الفلسطينية حاجة ماسة كتهديد لإجباره على العودة إلى طاولة المفاوضات)، ولكن أيضا الشرعية التي تضمنها مشاركة دول عربية أخرى.

لا تزال الفجوة بين إسرائيل والفلسطينيين واسعة جدا. فالإحتياجات الأمنية الإسرائيلية تمنع بكل تأكيد سيادة فلسطينية كاملة عندما يتعلق الأمر بالدفاع. في هذه الأثناء، يحتاج الفلسطينيون إلى اتفاق سلام يعالج ويعكس إلى حد ما رواية السلب والنكبة الفلسطيينة التي تقول أنه لا يمكن لأي زعيم فلسطيني الموافقة على فلسطين من دون الحرم القدسي وبيان إسرائيلي واضح يعلن مسؤوليته عما حدث للاجئين – وهو مطلب لا يستطيع أي زعيم إسرائيلي الموافقة عليه.

مع ذلك هذه الفجوات لا تغير من الواقع المرير، العلقم الذي تواجهه السياسة الفلسطينية: أن اليهود هم عدوهم وفي نفس الوقت مستقبلهم الذي لا يمكن تجنبه.

لسنوات كثيرة، إحتل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي حيزا كبيرا في خطاب السياسة الخارجية في واشنطن وفي عواصم غربية أخرى. وتوصل أصحاب المدرسة الواقعية في السياسة الخارجية إلى نظرية “الرابط”، وهي أن التحديات التي يواجهها الشرق الأوسط مرتبطة إرتباطا وثيقا بما يحدث في القدس ورام الله.

يقول دنيس روس وديفيد ماكوفسكي، الذي يبثحان في كتابهمت “الأساطير والأهام والسلام” في عام 2009 هذه النظرية، أنه “من كل أساطير السياسة التي منعتنا من تحقيق تقدم حقيقي في الشرق الأوسط، نظرية واحدة تبرز بتأثيرها وطول عمرها: الفكرة أنه إذا تم حل الصراع الفلسطيني، فستذوب كل الصراعات الأخرى في الشرق الأوسط”.

فقدت هذه النظرية من مصداقيتها في أعقاب الربيع العربي، الذي كشف عن توترات كبيرة وعمليات جارية في المنطقة لا علاقة لها بما يحصل في مساحة الأرض الصغيرة على ساحل البحر المتوسط الذي يتشارك الفلسطينيون واليهود العيش فيها.

يبدو الآن أن نظرية الرابط عادت لتظهر من جديد – ولكن بشكل معاكس. إن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني ليس هو المفتاح لمشكل المنطقة، ولكن ربما ستجد هذه المنطقة المضطربة سببا جديدا لإنهاء هذا الإلهاء، الذي يقف في طريق تحالف غير مسبوق يسعى بشدة إلى وقف العنف والفوضى التي تجتاح المنطقة مع كل عام يمضي.

على الأقل، هذا ما يأمل به نتنياهو.