قد تكون مجموعة من العلماء قد توصلت إلى الكشف عن جزء من الغموض الذي يحيط التاريخ والنسب الغامض للطائفة الدرزية.

بحث وراثي عن الدروز في إسرائيل تم نشره في مجلة “ساينتيفيك ريبورتس أوف نيتشر” في الأسبوع الماضي قد يساعد في تسليط الضوء على تاريخ ونسب الطائفة الدينية الغامض. حيث قام الباحثون بدراسة عينة من الجينات الخاصة بأبناء الطائفة الدرزية في إسرائيل والذين يصل عددهم إلى 130 ألفا في محاولة لفهم أصول هذه المجموعة بشكل أفضل.

يشكل الدروز أقلية صغيرة، حيث تصل نسبتهم إلى أقل من 10% من عدد المواطنين العرب في إسرائيل. نحو 138 ألفا من أبناء الطائفة الدرزية في العالم الذين يقدر عددهم بحوالي 2.3 مليون والذين يعتبرون إسرائيل وطنا لهم؛ وسوريا هي وطن لنصف مليون منهم وتضم لبنان 250 ألفا من أبناء الطائفة.

إسرائيل تعترف بالدروز كأقلية طائفية منذ عام 1956. منذ ذلك الحين، يُلزم الشبان الدروز بالخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي.

انفصلت هذه الطائفة عن الإسلام الشيعي في أواخر القرن العاشر ميلادي وانتشرت في الشام في القرن الذي تلا ذلك. يحافظ أبناء الطائفة على معتقداتهم وطقوسهم الدينية طي الكتمان، ولكن مصدر المبادئ الدينية للطائفة ينبع من الإسلام واليهودية والزرادشتية والمسيحية وعدد من النظم الدينية الأخرى. أحد جوانب الديانة الدرزية حتى قبل وقت قصير كان زواج الأقارب الصارم – الزواج داخل العشيرة – وهي ممارسة بدأت حوالي القرن الثاني عشر.

بحسب كُتاب دروز كتبوا في قرون لاحقة، دفع اضطهاد أبناء الطائفة بين الأعوام 1021-1042 الدروز إلى الفرار بحثا عن ملجأ لهم من مدن الشام إلى جبال لبنان وسوريا وشمال إسرائيل التي يقيمون فيها اليوم.

في عام 1992 كتب المؤرخ قيس فيرو من جامعة حيفا في كتابه “تاريخ الدروز” أن “الأصول العرقية للدروز كانت موضع الكثير من التكهنات على مدى السنين”. النظريات تراوحت بين “الغريبة والمسلية” وصولا إلى “الساذجة والغريبة”، بما في ذلك “آراميون وعرب وسامريون وقورشيون وحويون وأرمن وفرس وأتراك، والأغرب من ذلك فرنسيون وبريطانيون، وحتى تبتيون”.

الدراسة الجديدة، التي أشرف عليها عالم الوراثة السكانية في جامعة شيفيلد، عيران الحايك، سعت إلى تفنيد بعض النظريات المشكوك فيها من خلال إستخدام أداة التركيبة السكانية الجغرافية (GPS)، وهي خوارزمية تحاول تحديد أصول السكان بالإستناد على الشفرة الوراثية الخاصة بهم. ويقول الحايك إن التقنية “تعمل بصورة مشابهة لجهاز الملاحة عبر الأقمار الصناعية في سيارتك”، لكنها تجد النسب بدلا من الطريق.

هذا الطريقة تنطوي على إعادة تكوين مجمعات جينات قديمة من حول العالم، ومقارنتها بعد ذلك ببصمات جينية لأفراد لإيجاد قطاع سكان مطابق. من خلال تحليل الحمض النووي للدروز في إسرائيل واختباره على مجموعات سكانية مختلفة من حول الشرق الأوسط، حاول الحايك وزملائه تحديد أصول هذه المجموعة السكانية.

طريقة GPS التي استخدمها الحايك لا تخلو من الجدل. في وقت سابق من هذا العام رفض بعض العلماء دراسة أجراها الحايك أشارت إلى أن اليهود الإشكناز ينحدرون في الأصل من ما يُعرف اليوم بتركيا، داعما نظرية مثيرة للجدل كذلك حول أصول اللغة اليديشية.

نتائج الدراسة الجديدة تشير إلى أن الدروز أكثر ارتباطا بجيرانهم العرب في سوريا ولبنان والمناطق الفلسطينية، وللأرمن. ولكن معطيات التركيبة السكانية الجغرافية أظهرت أن “الدروز الأوائل ظهروا من القبائل الأرمنية-التركية التي أقامت في زغروس والجبال المحيط بها، قبل نهاية الألفية الأولى ميلادي”، الذين اختلطوا في وقت لاحق مع شعوب سوريا عند هجرتهم إلى الشام.

وافترض الباحثون أن السكان الأتراك-الأرمن في سلسلة الجبال على طول الحدود التركية-العراقية في العصر الحديث توجهوا جنوب غرب باتجاه معقلهم في ما هو اليوم سوريا ولبنان وإسرائيل إلى جانب الأتراك السلاجقة بعد معركة ملاذكرد في عام 1071.

وقال الباحثون: “على الرغم من عدم التشجيع الفعال من قبل السلطات الدينية، تظهر سجلات تاريخية حديثة، إلى جانب إستنتاجتنا الجينية أنه من المرجح جدا أنه سُمح للبعض بإعتناق الديانة الدرزية بعد القرن ال11 ميلادي”. وأضافوا أن “جهود التحويل (إلى الديانة الدرزية) قد تكون استمرت على مستوى أقل حتى لفتت هذه العمليات الإقليمية إنتباها غير مرغوب به للحكومات المحلية، ما اضطُر القادة الدروز إلى وقف جهود التحويل (إلى الديانة الدرزية)”.

في مقال حول بحثه نُشر في الأسبوع الماضي في موقع “Scroll.in”، قال الحايك إن القرب الجيني بين اليهود الأشكناز والدروز مدعم من دراستين أجراهما هذا العام تشيران إلى الأصول التركية لكلا الشعبين.

وكتب الحايك إن “نتائجنا تفسر قصة طويلة تمتد لألف سنة لشعبين عاشا جنبا إلى جنب في هذه الأرض”. وقال أن اليهود الأشكناز انتقلوا إلى الشمال والغرب، والدروز إنتقلوا إلى الجنوب، “ليجتمع الشعبين مرة أخرى بعد مئات السنين” في إسرائيل الحديثة.

وأضاف: “وعلى الرغم أنه في ذلك الوقت لم يذكر أي منهما جذورهما المشتركة، احتفظ كلاهما بالأدلة في جيناته”.