ظهر يوم الاثنين رد قوي من اليمين الإسرائيلي على قرار المحكمة العليا بمنع مرشح قومي متطرف من الترشح في الانتخابات التي ستجري في إبريل المقبل، حيث كثف المشرعون الذين يسعون إلى إعادة الانتخاب من الخطاب ضد المحكمة والجهود المبذولة للحد من سلطاتها بشكل كبير.

بعد ساعات قليلة من استبعاد المحكمة ليلة الأحد لمرشح إتحاد الأحزاب اليمينية ميخائيل بن آري بسبب أيديولوجيته المعادية للعرب والتحريض، طرحت عدة أحزاب من اليمين الإسرائيلي إجراءات واسعة النطاق تتراوح من مشروع قانون يعكس القرار إلى تغيير شامل لأعلى سلطة قانونية في البلاد. وأيضا أصبح الخطاب ضد المحكمة أكثر حدة.

في أكثر الخطط شمولا وتطورا، وعدت وزيرة العدل أيليت شاكيد بأنه إذا بقي حزب “اليمين الجديد” بقيادتها في الحكومة، فسوف تقوم “بثورة قانونية” لتفكيك الرقابة القضائية للمحكمة العليا على البرلمان، وفي الوقت نفسه، إعطاء الكنيست السلطة الكاملة لتعيين القضاة.

في خطاب لاذع في مؤتمر اتحاد الطلاب الوطني، وصفت شاكيد المحكمة بأنها “أقوى عامل سياسي في إسرائيل”، وقالت إن قضاتها قادوا “انقلابا” ضد كل من الديمقراطية والشعب.

إدعت شاكيد أنه منذ أن فقد اليسار “قبضته على السياسة” بفوز الليكود على حزب العمل عام 1977، سعى إلى السيطرة على الأجندة العامة من خلال تحويل المحكمة العليا إلى “حكومة عظمى”. في إشارة إلى “الثورة” القانونية، في تذكير للشعار الذي استخدم لأول مرة للدلالة على إنتشار شعبية الليكود قبل 42 عاما، قالت شاكيد إن خطتها ستكمِل أخيرا هذا النصر التاريخي لليمين.

وزيرة العدل أييليت شاكيد، من اليمين، مع رئيسة المحكمة العليا ميريام ناؤور في وزارة العدل في القدس، 22 فبراير، 2017. (Yonatan Sindel/Flash 90)

“لقد أصبحت الانتخابات بلا معنى تقريبا، وتم استبدال الجمهور ’بالمستنيرين‘”، قالت، متهمة المحكمة بتقويض المشرعين المنتخَبين والتصرف “دون أي اعتبار لإرادة الشعب”.

بناء على الحملة الانتخابية الجديدة لحزب “اليمين الجديد” التي تعد بأن “شاكيد ستهزم محكمة العدل العليا”، تعهدت وزيرة العدل بتمرير حزمة سياسة شاملة لإصلاح المحكمة في غضون المائة يوم الأولى من الحكومة الجديدة، التي من المحتمل أن تؤدي اليمين بحلول نهاية يونيو.

في أول مشروع في قائمة مكونة من خمسة مشاريع قانون مثيرة للجدل، قالت شاكد إنها ستقدم اقتراحا لاستئصال لجنة التعيينات القضائية بالكامل، التي تختار حاليا قضاة إسرائيل. تتكون اللجنة حاليا من ثلاثة قضاة بالمحكمة العليا، وزير العدل، وزير آخر، ممثل عن الكنيست من الائتلاف والمعارضة، وممثلين قانونيين – غالبية أعضائها ينتمون إلى المجتمع القانوني في إسرائيل.

بالنسبة لليمين الإسرائيلي، تمثل المحكمة العليا النخبة السياسية ذات الميول اليسارية القديمة، وهي هيئة تضم شخصيات متشابهة في التفكير، لذلك فإن اليمين مصمم على استبدالها.

على الرغم من ضمان تعيين ثلاثة قضاة محافظين وغير ناشطين من بين أربعة تعيينات جديدة في المحكمة العليا في عام 2017، مما أدى إلى تراجع كبير في ما ينظر إليه على أنه هيئة يهيمن عليها الليبراليون، تريد شاكيد مزيدا من السلطة على التعيينات.

وفقا لخطتها، التي تشبه النظام المستخدم في الولايات المتحدة، “سيحضر وزير العدل مرشحا للموافقة عليه من قبل الحكومة والكنيست”. وبالتالي، فإن تصويت الأغلبية في البرلمان سيكون كافيا لتعيين قاض جديد.

في خطوة أخرى لإعطاء المشرعين سلطة على القضاة، تريد شاكيد من القضاة “أن يكونوا قادرين على مواجهة جلسة علنية في الكنيست”.

في إطار هذا السلب المحتمل والأكثر خطورة لصلاحيات المحكمة، قالت شاكيد إنها سوف تمرر ما يسمى بـ”بند التجاوز”، والذي سيمنح الكنيست، بتصويت 61 نائبا (من 120)، القدرة على نقض قرارات المحكمة العليا بإلغاء تشريعات الكنيست باعتبارها غير دستورية.

على الرغم من إقرار التصويت الوزاري الرئيسي خلال الحكومة الأخيرة، فقد تعثر تقدم مشروع القانون بسبب الخلافات بين شركاء الائتلاف. حينها، اتهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الزعيم المشارك في حزب شاكيد “اليمين الجديد”، نفتالي بينيت، بأنه قام “بدفع بند التجاوز إلى القمامة” بالمطالبة بالمضي قدما فورا دون دعم ائتلافي كامل.

كان النهج التدخّلي للمحكمة العليا – بتأكيده القوي على حماية حقوق الأقليات – رائدا على يد أهارون باراك، الذي شغل منصب رئيس المحكمة (الموازي الإسرائيلي لرئيس المحكمة العليا) بين عامي 1995-2006. بشكل مثير للجدل، باراك إعترض على مبدأ “القلم الأزرق” الذي بموجبه يملك القضاة حق النقض (الفيتو) ضد أسطر معينة من التشريع ويمكنهم إسقاط البنود أو الكلمات الفردية.

قاضي المحكمة العليا السابق أهارون باراك يتحدث في مؤتمر في المركز متعدد التخصصات في هرتسليا في 2 يناير 2018. (FLASH90)

منذ ذلك الحين، أيدت المحكمة تقليدا من النشاط القضائي، حيث بقيت في مركز النقاش العام الإسرائيلي وأصبحت فريسة لمنتقدي الجناح اليميني.

يقول المدافعون عن المحكمة إنه في المجتمع الإسرائيلي المنقسم، حيث يتهرب الكنيست بشكل متكرر من مسؤوليته في حماية التعددية الدينية والحريات المدنية وحقوق الفلسطينيين، ليس أمام المحكمة خيار سوى ملء الفراغ الأخلاقي والقانوني. يقولون إن الحفاظ على سلطة قضائية مستقلة هو بمثابة قوة معاكسة لخطر “طغيان الأغلبية” الذي يدوس على حقوق أولئك الذين لا يمثلهم النظام السياسي بشكل صحيح.

غير أن منع بن آري من الترشح، إلى جانب الموافقة على مرشح يهودي يساري متطرف وحزب عربي إسرائيلي عبر عن دعمه لأعداء إسرائيل، يُنظر إليه من البعض في اليمين على أنه تجاهل لحقوقهم.

كان هذا الحكم بمثابة المرة الأولى التي يُمنع فيها فرد، وليس حزب أو فصيل، من الترشح للكنيست.

كان لعضو الكنيست يتسلئيل سموتريتش، الذي يحتل المرتبة الثانية في قائمة “إتحاد أحزاب اليمين”، حلا أبسط ومباشر أكثر مقارنة بخطة شاكيد بعيدة المدى، حيث اقترح ببساطة محو البند الذي يمنح المحكمة العليا سلطة استبعاد المرشحين من القانون. ومن ثم تطبيقه بأثر رجعي على “أي مرشح أو حزب مُنع من الترشح في الانتخابات للكنيست الحادية والعشرين”.

تحظر قوانين الانتخابات الإسرائيلية أي شخص يدعم علنا النزاع المسلح ضد إسرائيل أو يحرض على العنصرية من الترشح للكنيست. في حين أن لجنة الانتخابات المركزية، المؤلفة أساسا من ممثلي أحزاب الكنيست الحالية، حكمت بالسماح لبن آري بالترشح، لم تمنح المحكمة العليا تفويضها المطلوب لهذه الخطوة.

تدعي مقدمة توضيحية لمشروع قانون سموتريتش بأن المحكمة العليا قد استخدمت القانون “لاستبعاد المرشحين اليهود واليمينيين مرارا، بدعوى التحريض على العنصرية أو الادعاء بإلحاق الضرر بالطابع الديمقراطي للدولة، لكنها لم تستبعد المرشحين الذين يهاجمون الهوية اليهودية للدولة ويدعمون المنظمات الإرهابية المشاركة في الكفاح المسلح ضد دولة إسرائيل”.

إلى جانب استبعاد بن آري من خلال نقض قرار لجنة الانتخابات المركزية، قضى القضاة بأن عوفر كاسيف وحزب “بلد-القائمة العربية المشتركة” قد يترشحان في انتخابات 9 أبريل. كاسيف هو المرشح اليهودي الوحيد في قائمة “الجبهة-العربية للتغيير”، وتم استبعاده من قبل لجنة الانتخابات المركزية بسبب تصريحاته السابقة المثيرة للجدل، بما في ذلك البيان الذي وصف فيه شاكيد بأنها “حثالة النازيين الجدد”.

زعيم حزب ’عوتسما يهوديت’، ميخائيل بن آري، يحضر جلسة في لمحكمة العليا في القدس في 14 مارس، 2019، بشأن السماح له بخوض الإنتخابات للكنيست. ( GIL COHEN-MAGEN / AFP)

وقال سموتريتش إن منع بن آري من الترشح يجعل دولة إسرائيل تتماشى مع دول مثل إيران، حيث يوجد مجلس حكماء “مخولون بتحديد الأشخاص الذين يستطيعون أو لا يستطيعون الترشح للبرلمان”.

مع إقتراب الانتخابات على بعد ثلاثة أسابيع فقط، قال سموتريتش إنه سيعمل مع شركاء التحالف لتمرير مشروع القانون قبل 9 أبريل، على الرغم من أن الكنيست لا يجتمع حاليا. من الممكن أن تبدأ مناقشة مثل هذا التشريع في جلسة استثنائية، ولكن لم تكن هناك أي إشارة فورية إلى أي نية من هذا القبيل.

في تقبل لحقيقة أن بن آري فقد قدرته على الترشيح، قال رئيس حزب “إسرائيل بيتنا” أفيغدور ليبرمان إن التشريع بحاجة إلى الانتظار حتى بعد الانتخابات، لكنه وعد أنه بنفسه سيقوم بتقديم مشروع قانون “يحرم محكمة العدل العليا من سلطة التدخل في أي من قرارات لجنة الانتخابات المركزية”.

إذا نجح ليبرمان، يمكن منع المحكمة العليا نفسها من التدخل في الانتخابات المقبلة. في الوقت الحالي، أصبحت المحكمة ليست مجرد لاعب، بل أصبحت هدفا أيضا.