أ ف ب – بعدما كانت رحلة التنقل بين شطري مدينة حلب تستغرق خلال السنوات الأربع الماضية نحو عشر ساعات عدا عن المخاطر المحيطة بها، انطلقت أولى الباصات من الأحياء الغربية الى تلك الشرقية التي استعادها الجيش السوري مؤخرا.

وتوجه المئات من الأهالي السبت الى موقف الرازي لباصات النقل الداخلي الحكومي في حي الجميلية غرب المدينة، بعد إعادة تسيير الباصات في رحلة لا تتخطى النصف ساعة الى مساكن هنانو، أول حي سيطر الجيش عليه قبل أسبوع بعد طرد الفصائل المسلحة منه.

وتقول هلا حسن فارس لوكالة فرانس برس أثناء توجهها مع زوجها وابنها على متن إحدى الحافلات الى شرق حلب: “لم أر منزلي منذ سنواتّ، قبل أن تضيف: “منزلنا محروق لكنني ذاهبة لرؤية والدي البالغ من العمر ثمانين عاما، ويقيم مع أشقائي وأقربائنا في حي الحيدرية”.

وتوضح السيدة التي انتقلت مع عائلتها للإقامة في غرب حلب منذ اندلاع النزاع: “دفعت 75 ليرة سورية (0,15 دولار) ثمن تذكرة الباص”. مضيفة: “صحيح أن الحفر كثيرة في الطريق ومعدتي تؤلمني جراء ذلك، لكنني أشعر كما لو أنني أسير على ريش النعام”.

واستأنفت الباصات التي رفعت على عدد منها صور الرئيس السوري بشار الأسد الى جانب العلمين السوري والروسي عملها، بعد أيام من سيطرة الجيش على اكثر من ستين في المئة من الأحياء الشرقية التي كانت تحت سيطرة الفصائل المقاتلة منذ العام 2012.

وتكتظ الباصات الخضراء اللون التي كان قد انطلق عشرة منها خلال ثلاث ساعات صباحا، بالركاب الذين لم يجد بعضهم كرسيا يجلس عليه واضطروا الى الوقوف خلال الرحلة.

حفر ودمار

على طول الطريق المملوءة بالحفر، كان الركاب يلصقون وجوههم بزجاج النوافذ في محاولة لإستطلاع حال الأبنية المتهدمة على جانبي الطريق في شرق حلب.

ويشير بعضهم بين الحين والآخر الى منزل صديق هنا وقريب هناك ويتحسرون على حجم الدمار. وكان يمكن رؤية ابنية شبه مدمرة وأخرى تصدعت واجهاتها عدا عن السواتر الترابية وبعض الحافلات المحروقة والمقلوبة والكثير من الركام.

ومنذ صيف عام 2012، شكلت حلب، ثاني أكبر مدن سوريا، مسرحا لمعارك مستمرة بين الجيش الذي يسيطر على الأحياء الغربية والفصائل المسلحة التي تمكنت حينها من السيطرة على كامل الأحياء الشرقية.

واثر انقسام المدينة، بقي التنقل متاحا بين شطري المدينة عبر حي بستان القصر الذي تسيطر عليه الفصائل والمتاخم لمناطق سيطرة الجيش، على رغم توقف الباصات الحكومية عن العمل.

إلا أن الوضع تبدل في عام 2014 مع اغلاق هذه الطريق جراء كثرة تعرضها لرصاص القنص. وبات التنقل بين شطري المدينة محصورا بطريق يمتد على مسافة 400 كيلومتر، يمر في ريف حماة (وسط) ثم في مدينة الباب التي يسيطر عليها تنظيم “داعش” في ريف حلب الشرقي وصولا الى شرق حلب، والعكس كذلك نحو غرب المدينة.

وكانت الرحلة تستغرق عشر ساعات وتتطلب المرور في مناطق تحت سيطرة الجيش والجهاديين والفصائل المسلحة.

ويعرب عبد الله العلي وهو سائق حكومي منذ عشر سنوات، عن سعادته للتوجه في اول باص الى شرق حلب منذ أربع سنوات.

ويقول أثناء قيادته في الطريق الى مساكن هنانو: “سعيد لجميع أهالينا الذين يعودون الى مناطقهم. شعرت بفرحة كل شخص منهم (…) هم متشوقون للصعود الى الباص، سواء جلسوا ام وقفوا، وللعودة بهدف رؤية منازلهم”.

وخلال الطريق، تمر الحافلة على نقاط أمنية عدة، ويخضع الركاب عند المرور على أول حاجز وكذلك عند الحاجز الأخير قبل مساكن هنانو، لتفتيش من قبل الجيش وتدقيق في الهويات للتأكد من الوضع القانوني للركاب.

وفي مساكن هنانو، يمكن سماع دوي القصف في الأحياء القريبة مع مواصلة الجيش هجومه لإستعادة السيطرة على كامل مدينة حلب.

’علبة سردين مكبوسة’

يوضح المدير العام للشركة العامة للنقل الداخلي في حلب حسين سليمان ردا على اسئلة للصحافيين، أن الباصات التي خرجت من مدينة حلب الى حي مساكن هنانو، ستنطلق يوميا من الساعة 07:00 حتى الساعة 17:00 ويتسع كل منها لمئة راكب جلوسا ووقوفا.

وتروي أم يحيى (55 عاما)، أنها اضطرت الى الوقوف خلال الرحلة من موقف الباصات الى مساكن هنانو. وتقول: “الزحمة كبيرة داخل الباص، الواقفون أكتر من الجالسين”، قبل أن يقاطعها أحدهم قائلا: “جلسنا فوق بعضنا كما لو أننا علبة سردين مكبوسة”.

وفيما كانت أم يحيى تنتظر برفقة زوجها وشقيقها وصول الباص لمغادرة مساكن هنانو بعد تفقدهم منزلهم، كانت تحمل معها كيسا وضعت فيه بعض الحاجيات التي تمكنت من احضارها.

وتوضح: “جلبت معي صورة ابنة أخي لأنها غالية، وأحضرت المصحف الذي وجدته في المنزل وبعض الأغراض الأخرى”.

وتضيف بحسرة: “بيتنا تعرض للضرب (…) فيه بعض الأغراض الأخرى لكن يجب رميها”.