ميونيخ، ألمانيا- خلال تجولي في وسط مدينة ميونيخ في الأيام الثلاثة الماضية، لم أستطع منع نفسي عن التفكير أنه إذا أراد الألمان، على سبيل المثال، غزو النمسا، فسيكون بإمكانهم فعل ذلك من دون أية صعوبات في غضون ساعات. قامت المئات من عربات الشرطة والجيش بدوريات في الشوارع، وبعضها أتت من ولايات ألمانية بعيدة، وتجول عدد لا يحصى من الرجال والنساء وهم مجهزين بوسائل مكافحة الشغب، من أجل حماية المشاركين في مؤتمر ميونيخ الخامس للأمن.

في حين أن المنطقة خارج فندق بايرسخر هوف تبدو كساحة معارك، في الداخل قد اجتمعت الشخصيات المؤثرة والقوية في العالم في محاولة لجعل العالم أكثر أمنًا.

تجمع نحو عشرون شخصية من رؤساء الدول والحكومات، وأكثر من خمسين وزير خارجية ودفاع- بما في ذلك وزيرين كبيرين من إسرائيل ووزير خارجية إيران- في عاصمة الجنوب الألمانية لحضور أكبر مؤتمر أمني في العالم في يوبيله الفضي.

كنت أبحث عن بعض القصص ما وراء العناوين، وعن إجراء بعض الاتصالات الشخصية مع وفود من بلدان لا تربطها عادة بإسرائيل أية علاقات. ولقد لاحظت ودية الممثلين من الدول السنية واستعدادهم للتحدث بشكل إيجابي عن الإسرائيليين واليهود، على الرغم من عدم رغبتهم إجراء حوار مع وسيلة إعلام إسرائيلية.

قدم لي وزير خارجية قطر، خالد بن محمد العطية، على سبيل المثال، مصافحة دافئة وطويلة، والتي استمرت حتى بعد أن عرف أنني من إسرائيل. قلت له “أنا سعيد بردة فعلك هذه.”

وأجاب هو، “بالطبع، نحن أخوة.”

ولكن عندما سألته عن استعداده لمناقشة القضايا الجوهرية، قام بالاعتذار بسرعة، قائلًا أنه لن يكون قادرًا على التحدث في الوقت الحالي. وطلب من مساعدته الحصول على بطاقة العمل خاصتي؛ ستقوم بالاتصال بي وتحديد موعد “حتى نستطيع مناقشة هذه المسألة بعمق أكثر،” وتابع، “تق بكلامي، ستقوم بالاتصال بك.” وعدني بابتسامة وأسرع تاركًا المكان.

عزيزي وزير الخارجية بن عطية، إذا كنت تقرأ ذلك، فأنا بانتظار اتصالك.

أهم حدث في المؤتمر، من وجهة نظر إسرائيلية، كانت حلقة حوار مساء يوم الجمعة قام خلالها كل من وزيرة العدل وكبيرة المفاوضين تسيبي لفني ونظيرها الفلسطيني صائب عريقات بمناقشة الجهود الحالية التي ترعاها الولايات المتحدة لإنهاء الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.

وبشكل غير متوقع، خلال الحدث، قام الأمير السعودي تركي بن فيصل آل سعود، رئيس الاستخبارات السابق وسفير سابق، بالوقوف في الصف الأمامي وبمدح الوزيرة الإسرائيلية.

قمت بالاقتراب من الأمير تركي يوم الأحد على أمل أن يقوم بتوضيح إعجابه بليفني، ورغم أنه كان ودودًا ولكن أبدى بأدب رفضه التعليق على أي شيء متعلق بعملية السلام. وقال “لن أعطي أية مقابلات حتى أستطيع دعوتكم إلى الرياض.”

ربما بعد رحلتي إلى قطر؟

بدى ممثلو هذه الدول السنية مرتاحون تمامًا برؤيتهم مع إسرائيلي وان لم يكن هذا بالتحدث معه. على النقيض من ذلك، مندوب شاب من لبنان-دولة بغالبية شيعية- والذي يعمل في مركز أبحاث في واحدة من دول الخليج، صافحني ومازحني في البداية، ولكن عندما أردت مناقشة الشؤون الإقليمية، أصبح فجأة جديًا وقال أنه من الأفضل في الواقع أن لا نقترب من بعضنا.

وقال، “أنا مواطن لبناني. هذا مخالف للقانون.” وأضاف، “أنا أعارض القانون، ولكن ما زال هذا قانونًا.” وأضاف أنه لا ينبغي أن أفكر حتى بالاتصال به من رقم هاتف إسرائيلي منعًا للمشاكل، وتابع، “توصلوا إلى سلام مع الفلسطينيين وعندها سيكون بإمكاننا التحدث.”

وبدى أن الإيرانيين بدوا أكثر حذرًا في الظهور برفقة إسرائيلي.

ليلة السبت، تم دعوة حوالي 120 من حضور المؤتمر إلى “عشاء بافاري تقليدي” للتعرف على بعضهم البعض. لم تكن هناك لوحات تحمل أسماء عند دخولنا القاعة لذلك جلس الحضور في أي مكان شاغر وجدوه. وبطريقة ما شاءت الصدفة أن يجد ثلاثة إسرائيليون نفسهم يتقاسمون الطاولة مع المدير العام لوزارة الخارجية الأفغانية، وصحفي تركي واثنين ألمان… ومسؤول من وزارة الخارجية الألمانية.

أبدى الرجل الإيراني، في سنوات الثلاثين الأولى من عمره، عدم ارتياح واضح بوجود ثلاثة إسرائيليين- حضرتي، ومسؤول في وزارة الدفاع، لرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ومستشار الأمن القومي لرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو يوسي كوهين. قمت بمصافحته وبتقديم نفسي وأعربت عن سعادتي لاجتماعنا هنا، على أرض محايدة، حتى نستطيع التحدث قليلًا. بدا عليه الرعب ولكن يقل شيئًا. حاول الإسرائيليون الآخرون بدء محادثة ولكن من دون جدوى. بعد حوالي 15 دقيقة ترك الدبلوماسي الإيراني الطاولة ولاذ بالفرار، ووجد مقعدًا آخر على طاولة خالية من الصهاينة على ما يبدو.

ولقد أسرع في الهروب لدرجة انه ترك من ورائه بعض الأوراق وجهاز كمبيوتر محمول على كرسيه. وبينما كنت ألقي نظرة على كتابات بالفارسية، كنت أتساءل إذا ما كنت قد حصلت على خطط لبرنامج السلاح النووي الإيراني. واستخلصت بيني وبين نفسي بان هذا الاحتمال غير وارد، وتركت الأوراق في مكانها. أعتقد أنه قام باسترجاع أشياءه في وقت لاحق، وأتمنى أن لا يكون رئيس التحرير قد وصل في قراءته إلى هذه الفقرة.

حتى أن كبار المسؤولين الإسرائيليين تعاملوا بلطف مع الإيرانيين. صباح الأحد بقي وزير الدفاع موشيه يعالون والمندوبون الإسرائيليون الآخرون الذين بقوا في ميونيخ (غادر كل من ليفني وكوهين المؤتمر في وقت سابق) في مقاعدهم عندما اعتلى وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف المنصة.

قبل أربعة أشهر فقط، أمر نتنياهو الوفد الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة بالانسحاب خلال خطاب الرئيس الايراني حسن روحاني أمام الجمعية العامة. وقال نتنياهو آنذاك، “عندما يقوم قادة إيران بالتوقف عن إنكار محرقة شعب يهودي، وعن الدعوة لتدمير الدولة اليهودية والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، فسيحضر الوفد الإسرائيلي خطاباتهم في الجمعية العامة.”

هذه المرة لم ينسحب الإسرائيليون- يعالون والسفير الاسرائيلي إلى الأمم المتحدة رون بروسر والسفير الإسرائيلي لألمانيا يعكوف هداس-هندلسمان، والعديد من كبار المسؤولين الآخرين (على الرغم من أنهم حاولوا اظهار عدم اهتمامهم). وتابع عدد من أعضاء الطاقم الإسرائيلي الثانويين أقوال ظريف من شرفة في الطابق الثاني- وهم يجلسون جنبًا إلى جنب مع أعضاء طاقم إيرانيين ثانويين. بحسب ما رأيت خلال الجلسة التي استمرت ساعة ونصف استطاع الإسرائيليون والإيرانيون من الامتناع عن النظر لبعضهم البعض.

وقال لي أوميد توريبور، نائب ألماني إيراني الأصل، في وقت لاحق، “من الرائع بقاء الإسرائيليين في القاعة، أشعرني ذلك بالسعادة.” وأضاف، ” لمدة عشر سنوات لم نحقق أي شيء، والآن لدينا فرصة سانحة”، وقال نوريبور، الذي يشغل منصب المتحدث باسم السياسة الخارجية لحزب الخضر. “لا يمكننا معرفة ما إذا كان الإيرانيون جادين [حول الرغبة المعلنة لإنهاء المواجهة النووية مع الغرب] إذا لم نتحدث معهم. كل هذا يتوقف على ما إذا كان الإيرانيون مستعدون لذلك.”

على النقيض من ذلك، بعد أن أنهى ظريف حديثه، وكان يعالون على وشك اعتلاء منصة الجلسة الختامية للمؤتمر، قام الإيرانيون بترك القاعة.

وقمت في وقت لاحق بسؤال دبلوماسي ايراني متمركز في ميونيخ حول الانسحاب، فيعالون حضر جلسة ظريف، حتى لو كان قد اختار عدم المخاطرة بمصافحته. في البداية بدا الدبلوماسي مترددًا في التحدث إلى صحفي إسرائيلي ، ولكن عندما ضغطت عليه قال ان الايرانيين سارعوا باللحاق بطائرتهم إلى برلين.

وأخيرًا، وافق إيراني على التحدث معي! مع أنه حرص على أن يقول بسرعة أنه غير مخول بالتحدث مع الإسرائيليين، لكنه قال، “ولكن على المستوى الشخصي، أنا سعيد بمقابلتك. فرغم كل شيء جميعنا بشر، ” قال ذلك بطريقة غريبة بعض الشيء، ثم انسحب سريعًا تاركًا ورائه الأوراق.