تطل آيتان من التوراة من جدار قاعة الإجتماعات في “ريغافيم”، وهي منظمة غير حكومية إسرائيلية تعمل على مراقبة البناء العربي غير مرخص والإبلاغ عنه في إسرائيل والضفة الغربية.

الآية الأولى مأخوذة من سفر التكوين، تلخص دافع المنظمة، بكلمات الله لإبراهيم: “لأن جميع الأرض التي أنت ترى لك أعطيها ولنسلك إلى الأبد”، والثاني، تجسد طريقة عمل “ريغافيم”، وهي إقتباس من الإصحاح الأول من أشعياء: “صهيون تُفدى بالحق”.

تم تأسيس “ريغافيم – صندوق إستقلال إسرائيل” عام 2006 على يد عضو الكنيست المنتخب حديثا عن “البيت اليهودي” بتسالئل سموتريتش كرد على قضية قدمتها منظمة “سلام الآن” للمحكمة العليا في سبتمبر 2005 ضد البؤرة الإستيطانية الغير قانونية “هاراشا” في الضفة الغربية. اليوم، مع طاقم مكون من 10 موظفين يعمل من مكاتب المنظمة في المنطقة الصناعية في “شاعر بينيامين” جنوب شرق رام الله، تعرف “ريغافيم” مهمتها بأنها “وضع أجندة صهيونية لدولة إسرائيل، مع التشديد على الأرض وإدارتها والمحافظة عليها”. من الناحية العملية، يعني ذلك نشر عشرات المتطوعين في الميدان واستخدام وسائل تصوير متطورة من الجو لرصد مخالفات بناء عند العرب.

مؤخرا، اختارت المجموعة التركيز على الإتحاد الأوروبي وتمويلة الهائل للبناء البدوي الغير مرخص في مناطق شرقي القدس، المعروفة بـE-1. بحسب تقرير نُشر في شهر يناير تحت عنوان “البناء الغير قانوني للإتحاد الأوروبي في منطقة أدوميم”، على مدى العامين الماضيين ساعد الإتحاد الأوروبي في إقامة مئات المباني الغير مرخصة في منطقة C في الضفة الغربية، التي تسيطر عليها إسرائيل إداريا، في انتهاك لقوانين البناء الإسرائيلية.

وجاء في مقدمة التقرير، “لا يمكن لأحد أن يتصور أن ألمانيا ستقوم بتمويل آلاف الأماكن السكنية الغير قانونية في ضواحي باريس كـ’حل دائم’ للرومان الذين يعيشون في فرنسا، على النقيض تماما من سياسة وقوانين فرنسا”.

ما وراء قلقه الحقيقي لرفاه أفقر السكان الفلسطينيين، تقف وراء نشاط الإتحاد الأوروبي أيضا دوافع سياسية لترسيخ البدو الجهالين على مساحات إستراتيجية من الأرض التي يستقرون فيها في الوقت الحالي، من أجل الحفاظ على تواصل عربي بين شمال وجنوب الضفة الغربية، كما تدعي “ريغافيم”. ولكن مشكلة المنظمة ليست فقط مع الإتحاد الأوروبي، ولكن أيضا مع البيروقراطية الإسرائيلية والنظام القضائي اللذين يسمحان للوضع بالإستمرار دون رادع.

يقول آري بيغز، مدير العلاقات الدولية في “ريغافيم”، “قررت أوروبا التصرف من تلقاء ذاتها، وإسرائيل قررت السماح بذلك”.

ولم يقدم الإتحاد الأوروبي ردا على اتهامات “ريغافيم” عند نشر التقرير.

أنابيب المياه من فرنسا، الألواح الشمسية من الإتحاد الأوروبي

في تل عرار التي يسكن فيها بدو جهالين، قبالة الطريق السريع رقم 1 الذي يصل بين القدس والبحر الميت، تتدفق مياه الصرف الصحي بين أكواخ صفيح مؤقتة وحظائر حيوانات. يوم الثلاثاء، ظهرت على العديد من هذه البيوت وغيرها من المباني ملصقات بارزة للإتحاد الأوروبي. هاجر الجهالين من منطقة عراد جنوبي النقب بعد طردهم من قبل إسرائيل في بداية سنوات الـ 50.

يقول ضيف الله (65 عاما) وهو راعي ومن زعماء الجهالين، أن في حين أنه يستمر فرض القيود الإسرائيلية على البناء الجديد، فقد أنهى خط مياه تبرعت منظمة “Action Against Hunger” الغير حكومية الفرنسية به قبل عامين حاجة السفر لمسافات طويلة لمحطات تعبئة المياه. يتم توفير المياه مجانا من قبل السلطة الفلسطينية، التي تدفع لشركة المياة الإسرائيلية “مكوروت”، قبل ستة أشهر، زودت منظمة “أريج” الفلسطينية ألواحا شمسية لجميع أبناء التجمع، ملبية بذلك اجتياجاتهم من الطاقة. يقول ضيف الله أن الإتحاد الأوروبي هو الذي تبرع بالألواح.

ويقول لتايمز أوف إسرائيل، “الهدف هو جعل الحياة أسهل للطلاب الذين يدرسون في الليل”. ويضيف: “يحصل كل منزل أو منزلان على لوح”.

الرابط العادي الوحيد بين القبيلة البدوية والسلطة الفلسطينية، كما يقول ضيف الله، هو حافلة المدرسة التي تصل يوميا لنقل الطلاب الذين يدرسون في القدس.

بدأت كرد ساخر على اليسار وسرعان ما تحولت إلى الجدية

في روتينها اليومي، “ريغافيم” هي انعكاس للمنظمات الإسرائيلية الغير حكومية من اليسار مثل “سلام الآن”، “عير عاميم” و”بيمكوم”، التي تعمل منذ سنوات على توثيق البناء اليهودي الغير قانوني في الضفة الغربية وتقدم نتائجها إلى المحكمة العليا الإسرائيلية للنظر فيها. هذه مقارنة لا يشعر مئير دويتش، مدير السياسات والعلاقات الحكومية في “ريغافيم”، بالراحة معها.

يقول دويتش، “نحن نتفاعل مع الواقع، وليس مع منظمات أو أشخاص آخرين”، ولكنه يقر بأن “ريغافيم” اعتمدت طرق عمل اليسار. “قد يذهب اليسار إلى المحكمة ويرسم صورة وكأن كل البناء الغير قانوني في إسرائيل يقوم به اليهود في البؤر الغير قانونية في يهودا والسامرة. تم إنشاء ’ريغافيم’ لعرض الصورة كاملة، ولنقول ’لنتحدث عن البناء الغير قانوني’. لنتحدث عن 70,000 مبنى غير قانوني في الجنوب، لنتحدث عن 40,000 مبنى غير قانوني في الشمال. بحسب إحصاءات ’سلام الآن’، هناك نحو 3,000 مبنى غير قانوني في البؤر [الإستطيانية اليهودية]. لذلك دعونا نضع الأمور في نصابها”.

يقول دويتش أن “ريغافيم” ظهرت مع الإدراك بأن المحاكم الإسرائيلية تحدد بشكل متزايد السياسات بشأن قضايا أساسية لوجود إسرائيل بدلا من تفسيرها. “لا يهم ما الذي تضعه في صندوق الإقتراع، يتم تحديد الواقع في المحكمة” كما يقول ويتابع، “توقفت المحكمة العليا عن لعب الدور القضائي وأصبحت السلطة التنفيذية أيضا”.

على الرغم من أنه تم إنشاء “ريغافيم” لتسليط الضوء على ما تعتبره انحياز المحاكم لليسار في قضايا الأرض، فسرعان ما بدأت بالتعامل مع نتائج تقاريرها بجدية أكبر.

“بداية، ذهبنا إلى الجنوب كوسيلة لمساعدة الإستيطان اليهودي في يهودا والسامرة، لنقول ’أنظروا ما الذي يفعلونه هناك’. ولكن سرعان ما أدركنا أن هناك مشكلة حقيقية تحتاح إلى حل. هناك قضايا إستراتيجية على المحك، بغض النظر عن البؤر [الإستيطانية اليهودية]. لقد غيرنا تفكيرنا؛ الآن نؤمن بأنه يجب التعامل مع كل شيء غير قانوني”.

تستخدم “ريغافيم” في نهجها هذا وسائل متطورة جدا. لدى المنظمة إطلاع على قاعدة بيانات الإدارة المدنية، وتتبع بانتظام البناء الغير قانوني من خلال إستخدام خرائط مفصلة توفرها لها الحكومة على أقراص مدمجة. تملك المنظمة طائرة صغيرة بدون طيار مجهزة بكاميرا “غو برو” التي تحلق فوق البلدات والتجمعات العربية في البلاد بشكل يومي، وتقوم بتوثيق التغييرات على الأرض. علاوة على ذلك، تقوم “ريغافيم” بصورة دورية بشراء صور جوية عالية الدقة من شركة تجارية إسرائيلية.

يقول عوفاد أراد، مدير العمليات الميدانية في “ريغافيم”، “نحن لسنا هنا لنحل محل الدولة، بل لجلبها إلى الأماكن التي ترفض الذهاب إليها. نريد وضع مرآة أمامها وأن نقول لها ’هذا هو الوضع’”.