اليسار الاسرائيلي بحالة من الفوضى. في الجيل السابق, قد قدم الادعاء – امكانية مثيرة آنذاك – ان اسرائيل يمكن ان تحقق السلام مع مجاوريها, بما يتضمن اقربهم, الفلسطينيين, بالمقابل للأراضي التي تم الاستيلاء علها في الحرب.

هذا كان اكثر من خطة سياسية؛ هذا كان بمثابة هوية. داعمين معادلة اوسلو الارض-مقابل-السلام ساروا سوية, غنوا الاغاني الخاصة سوية, صوتوا سوية, احتفلوا بأبطالهم سوية وتبادلوا التحذيرات الخطيرة بخصوص اليمين الاسرائيلي المعارض والتوسيعي, العدو الذي هدد هدم حلم السلام في وقتنا بنزواته الشوفينية.

في تجمعات يسارية في سنوات التسعين, كان الحديث عن العقائديين ضيقين الافق من اليمين اسهل من الحديث عن الدلائل المقلقة والتناقضات في خطاب واعمال الشريك ياسر عرفات.

وهذا اليسار فاز بالانتخابات. في عام 1992, انتخب اسحق رابين في هدف ايجاد مخرج من الصراع مع الفلسطينيين. في عام 1999, مع زوال بعض مجد اوسلو ولكن مع ناخبين الذين ما زالوا يطوقون للحل, فاز ايهود باراك بالرئاسة واندف الى مفاوضات السلام كرجل الذي لديه ما يثبت.

الان, حزب العمل, لعقود الغوريلا العملاقة في السياسة الاسرائيلية, هي ثالث اكبر حزب في الكنيست, والرابع في العديد من الاستطلاعات. لم تفوز بالانتخابات منذ 15 عاما.

استطلاعان كبيران اللذان عقدا في الآونة الاخيرة, استطلاع صحيفة مكور ريشون في 5 سبتمبر واستطلاع قناة الكنيست في 11 سبتمبر, يدعون ان هذا الوضع لن يتغير في المستقل القريب. كتلة اليمين المتشدد المكونة من الليكود, يسرائيل بيتينو, والبيت اليهودي حصلت على 57 و56 مقعدا برلمانيا في الاستطلاعين على التوالي, ما يقارب نصف المقاعد في الكنيست التي عددها 120 مقعد. بينما حزب العمل وحزب ميريتس اللذان يعرفان انفسهما كيساريين حصلوا على 17 مقعد مشترك في الاستطلاع الاول, و25 في الثاني.

الاستطلاعات تتغير, الاحزاب تقوم وتقع, القواد تتخذ سياسات او تعقد ائتلافات مفاجئة, وحقا, ممكن ان تكون ارقام اليمين قد تضخمت بسبب الحرب مع حماس, ولكن كل هذا يحصل في الهوامش. 15 عام من التقلبات السياسية لم تغير الوقائع الاساسية. فرق 40 مقعد هو تقدم سياسي ساحق. فرق 40 مقعد الذي مستمر لمدة جيل من السلطة السياسية اليمينية قد يكون بمثابة تغيير تاريخي.

المحللة السياسية تال شنايدر, مدونة سياسية وصحفية بصحيفة معريف سابقا والتي تميل سياسيا الى اليسار-وسط, تعبر عن احباطها.

“الشعب الاسرائيلي الان يصوت على الوضع الأمن الدبلوماسي,” قالت لتايمز اوف اسرائيل في الاسبوع الماضي. “المشاعر الوطنية والقومية بحالة ارتفاع, ويستمر تسلط مسألة الدفاع والجيش على الاجندة العامة. لهذا, حتى لو حاول اليسار نصب مرآة [امام المجتمع الاسرائيلي] وتقديم حلول, ابداء المرونة الدبلوماسية والوصول الى الاتفاقيات مع الفلسطينيين – لا احد يستمع.”

سلائف حزب العمل, الماباي والمعراخ, حكما اسرائيل لأول 29 عام, بدون ان يخسرا بأي انتخابات. فقط في عام 1977, عندما هزم حزب الليكود الخاص بمناخام بيغن حزب المعراخ الخاص بشمعون بيريتس, فقد اليسار هيمنته على الحياة السياسية الاسرائيلية. مع اندلاع الانتفاضة الثانية في عام 2000, هذا النفوذ المنزلق تحول الى صرخة مدوية من قاعات السلطة.

الان, بعد 14 عاما في المعارضة, مع انقطاع سنتين (2009-2011) التي كان بها شريك صغير في حكومة الليكود, علينا ان نسأل: هل حان اوان ضياع اليسار لجيل او اكثر في الصحراء السياسية؟ ام هل هناك طريقة لعودته للسلطة في المستقبل القريب؟

المركز المتشدد

لا يمكن فهم انهيار اليسار بدون النظر الى الصورة الاوسع: انهيار الثوابت الفكرية التي حددت الهوية السياسية الاسرائيلية في سنوات التسعين على مدار العقد الاخير.

دان شويفتان, العالم السياسي من جامعة حيفا, يصف هذا التغيير المستمر منذ عقد هكذا: “الرأي العام الاسرائيلي السائد تبنى اهم المباني الفكرية من اليمين, واهمها من اليسار, وهذا ما اطلق عليه اسم ’المركز.’ اهم المباني الفكرية لليمين هي, ’لا يمكنك الوثوق من العرب.’ يمكن ان تصل لاتفاقيات جيدة مع دولة عربية, ولكنها مبنية بالأساس على الردع, وليس على السلام او المودة. واهم المباني الفكرية لليسار هي انه يتوجب علينا ان لا نتحكم بأغلبية الفلسطينيين وانه لذلك علنا ان ننسحب من اغلبية المناطق التي استولينا عليها في عام 1967 حيث يسكن الفلسطينيين. دمج المباني الفكرية هذه هو اين يقع اغلب الناخبين الاسرائيليين.”

نشطاء سياسيون يساريون يتظاهرون ضد الحرب في غزة  في ساحة رابين, تل ابيب 26 يوليو 2014  Thomas Coex/AFP

نشطاء سياسيون يساريون يتظاهرون ضد الحرب في غزة في ساحة رابين, تل ابيب 26 يوليو 2014 Thomas Coex/AFP

وصف شويفتان لهذا المركز لديه اهمية اضافية. مدير مركز دراسات الأمن القومي في جامعة حيفا, شويفتان هو احد المخططين لهذه النماذج السياسية المتقلبة. ابحاثه, وبالأخص كتابه الصادر عام 1999 “الانفصال – اسرائيل والكيان الفلسطيني,” كان لها أثر كبير على تكوين هذه الوسطية الاسرائيلية الجديدة, على الاقل بقرب صانعي القرارات. شويفتان احيانا يلقب بمتشدد دفاعي, ولكن صياغته قبل 15 عام لقضية بعض الانسحابات الارضية الاسرائيلية من الناحية الأمنية والاقتصادية جعلته لأحد الاباء الفكريين لانسحاب عام 2005 من غزة.

في نظر شويفتان, احد الاسباب لكون تبني الناخبين للمباني الفكرية من الطرفين قد ساعدت احزاب اليمين في الانتخابات هو امر بسيط: اليمين يطبق سياسات المركز.

“هذا ما وضع ما يلقب ’باليمين الاسرائيلي’ في مركز مهيمن عند الراي العام الاسرائيلي,” يقول. “انا استعمل عبارة ’ما يلقب’ لأنه بينما اعضاء حزب الليكود قد يكونوا منغرسين في اليمين, وبالبعض منهم هم من اليمين المتطرف, لكنهم سيكونون غير قابلين للانتخاب اذ كانت سياساتهم سياسات يمينية. سيكونون غير قابلين للانتخاب بدون [رئيس الوزراء بنيامين] نتنياهو, ونتنياهو لا يعانق سياسات اليمين. عندما يقول [نتنياهو] ’دولتين لشعبين,’ هو مدرك بان هذا التوجه المحتاجة له اسرائيل في التحليل النهائي, والناخبون الاسرائيليون يتقبلون هذا. الناخب الاسرائيلي لن يتقبل توجه ’دولة اسرائيل العظمى,’ ولا توجه ’لنعطي السلام فرصة.’”

انه امر ملفت للنظر كيف يتم تكرير تام لهذا الوصف للجو الاسرائيلي السياسي, الاتي من متشدد امن معروف, من قبل صحفي اسرائيلي يساري.

كاتبا باسم “السبعين بالمائة الصامتة من المركز الاسرائيلي,” الصحفي اري شافيت من صحيفة هآرتس كتب في الاسبوع الماضي:

“سئمنا من المؤمنين بكامل ارض اسرائيل, الذين لا يفهمون انه بدون تقسيم الارض, لن تكون هناك دولة, وسئمنا ايضا من المؤمنين بالسلام الكامل, نحن لا نفهم حماس والدولة الاسلامية ولا نعلم اين يعيشون,”

قد تم كسر الاسرائيليون, يكتب. “لقد تم كسرنا من قبل خطابات القوة الفظة واعمدة الدخان, وايضا من قبل خطابات مبادرة السلام العربية الفارغة, امل محمود عباس ووعود السلام في وقتنا.”

شعبية هذا التوجه, الذي لا يعتمد على صلابة اليمين او على ليونة اليسار, قد اثبتت في عدو استطلاعات ودراسات للإسرائيليين. ربما اكثر مثال حديث هو مؤشر الحرب والسلام لمعهد الديمقراطية الاسرائيلي التابع لجامعة تل ابيب, والذي سأل اسرائيليون في اعقاب حرب غزة كيف يتوجب على اسرائيل التعامل مع “التحديات التي تشكلها حماس” – عن طريق “التوجه العسكري,” “التوجه السياسي-دبلوماسي,” او دمج الاثنين. ربع الاسرائيليون اليهود (25.7%) عكسوا توجه القواد المتشددين مثل وزير الاقتصاد نفتالي بينيت واختاروا الحل العسكري فقط, 7.1% اختاروا الحل الدبلوماسي, واغلبية وسطية تعد 65.6% اختارت دمج الاثنين. حيث لا يمكن الثقة بالطرف الاخر, الدبلوماسية تعتمد على القوة, وحيث لا يمكن ان يختفي الطرف الاخر بقوة الامنيات, القوة العسكرية لوحدا لا تكفي لحل اي وجه من اوجه النزاع.

الاحزاب اليمينية قد تبدوا حاكمة في الاستطلاعات, ولكن اغلبية ناخبيهم يعتنقون الفكر الوسطي, كما يدل مصير هذه الاحزاب المتقلب في السنوات الاخيرة. في نهاية عام 2005, عندما اخذ رئيس الوزراء ارئيل شارون وسطيو الليكود معه لإنشاء حزب كديما, هذا الخروج كان السبب الاساسي لسقوط حزب الليكود الذي تلاه في انتخابات عام 2006 من 38 مقعدا الى 12.

بشكل مشابه, حصل البيت اليهودي على 3 مقاعد في الحكومة السابقة, وحصل على 12 في الحالية, ويمكن ان يفوز 19 في الانتخابات المقبلة. ولكن استطلاعان اللذان نشرا في صحيفة هآرتس في العام الماضي, واللذان حصلوا بدعم من قبل مركز س. دانييل ابرهام للسلام في واشنطن , يدلان على انه ما يعادل نصف الاصوات في الانتخابات السابقة لحزب البيت اليهودي, حزب ملتزم لضم الضفة الغربية لإسرائيل, جاءت من قبل ناخبين الذين لا يعارضون انسحاب اسرائيل من اقسام كبيرة من الضفة الغربية بشكل مبدئي.

الصورة, اذا, ليست بتلك البساطة. لم يفوز اليمين بمنافسة ايدلوجية ضد اليسار. انه فاز فقط بثقة المركز المليء بالشكوك.

عن الفوضى والقيادة

موت الايدولوجيا السياسية لم يقضي على اليسار فحسب. كان له ضحية اخرى: الحزب الكبير الذي يحدد الاجندة. الحزب الحاكم, الليكود, يتحكم باقل من سدس البرلمان, مع نفس عدد المقاعد (19) الذي حصل عليه شريكه “الصغير” يش عتيد. وبينما حصل حزب البيت اليهودي على 12 مقعد فقط, ولكن الاستطلاعات الاخير تدل على انه سيفوز بنفس عدد المقاعد التسعة عشر.

الائتلافات الحاكمة لم تعد مكونة من حزب واحد كبير يميل الى المركز-يمين او المركز-يسار وبعض الاحزاب الصغيرة, المعادلة السائدة منذ عام 1948 وحتى اخر التسعينات. الائتلافات الان مكونة من احزاب متوسطة الحجم المرتبطة بصفقات مقايضة معقدة التي تعكس العدد المتزايد من الدوائر الانتخابية التي لديها مقاعد برلمانية مخصصة.

وزير الاقتصاد نفتالي بينيت مع رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو في الكنيست 22 ابريل 2013 (بعدسة ميريام اليستير/ فلاش 90)

وزير الاقتصاد نفتالي بينيت مع رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو في الكنيست 22 ابريل 2013 (بعدسة ميريام اليستير/ فلاش 90)

مع هذا, بينما الاسرائيليين منقسمين بموضوع الاحزاب, لديهم افضليات واضحة لرؤساء الاحزاب. اقوى المقومات السياسية لليمين قد يكون, بحسب الاستطلاعات, رئيس الوزراء نتنياهو بذاته.

في استطلاع لقناة الكنيست الذي عقد في 1 سبتمبر والذي سأل اي قائد من اليمين “يمثل بأكثر شكل صحيح اراء اليمين الاسرائيلي”, لم يعطي الجمهور المكان الاول لنتنياهو, بل لوزير الاقتصاد نفتالي بينيت (39%). الربع فقط (28%) صوت نتنياهو, ينما 20% صوتوا لوزير الخارجية افيغادور ليبرمان.

نتنياهو قد يقود حكومة يمينية, ولكن كما لاحظ شويفتان, معظم الاسرائيليون لا يروه كمعتنق تام لأيدولوجيا اليمين كما يدعوا معارضيه.

وهذا مصدر قوته. في الاستطلاعات التي تسال الاسرائيليين اي سياسي هو “الانسب ليكون رئيس الوزراء,” نتنياهو دائما يكون ثابتا في المقدمة. في استطلاع قناة الكنيست هذا الشهر, فاز نتنياهو في المكان الاول مع 30% من الاصوات, بينيت الثاني مع 13% ورئيس حزب العمل اسحق هرتسوغ الثالث مع 10% فقط. استطلاع من شهر مايو في صحيفة غلوبز رأى نتنياهو يحصل على 32% من الاصوات, بينما تلاه هرتسوغ في المكان الثاني مع 13%. وقبل هذا, في فبراير, نتنياهو قاد تصويت مع 40% بينما هرتسوغ كان في المكان الثاني البعيد مع 14%.

احسن فرصة لعودة اليسار الى الساحة السياسة قد تكون مع انهيار سياسة الاحزاب الكبيرة. حزب العمل لا يحتاج استعادة مجده السابق في الحصول على اكثر من 40 مقعد للعودة الى منصب القوة, يكفي نموه الى حجم كاف حتى يصبح شريك مرغوب للأحزاب المتوسطة الاخرى لتشكيل اغلبية برلمانية.

“الفرصة الوحيدة المتاحة امام حزب العمل هي احداث المشاكل,” قال معلق يميني مهم هذا الاسبوع. لاستعادة قوته, “عليه احداث توترات في الائتلاف, وعندها قد يتمكن من جذب [الاحزاب الوسطية] بعيدا عن اليمين. يمكن محاولة اظهار اليمين كمعاد للسلام [أي معاد للانفصال عن الفلسطينيين], ولكن احتمال نجاحه اكبر ان خلق التوترات حول مسائل اقتصادية.”

ولكن, كما يعلم شركاء نتنياهو في الائتلاف, لا يمكن لحزب العمل جذب المركز بدون ترشيح رئيس ذو شعبية اكبر من الحزب. في الانتخابات الاخيرة, حزبي يش عتيد والبيت اليهودي في عدة لحظات خلال حملتهم الانتخابية دعموا نتنياهو علنا, حتى اذ سعوا وراء اصوات الليكود. نتنياهو فاز بتلك الانتخابات قبل يوم الاقتراع بكثير. التصويت كان حول تركيبة الائتلاف, وليس رئيسه.

ان يأمل حزب العمل قيادة المركز, اي قيادة الدولة, فهو محتاج لنتنياهو خاص به, قائد الذي يبدو لأقسام كبيرة من غير داعمي حزب العمل كوسطي قادر. هل يستطيع هرتسوغ ان يكون مرشح كهذا؟ وان لم يكن هرتسوغ, اذن من؟

استراتيجية هرتسوغ

التقى بعض نشطاء اليسار يوم الثلاثاء في الحانة التل أبيبيه الفاخرة كاسا فيراندا في جادة روتشيلد الانيقة لمساء هادف للبحث في “كيفية تحويل اليسار الى ماركة فائزة.”

ممكن تلخيص المشاعر السائدة عند ناشطي اليسار عن طريق صفحة الفيسبوك المروجة للحدث بصورة احسن من اي ناقد:

“هل سئمتم من تحويل ’اليسار’ لشتيمة ولكبش فداء؟ هل سئمتم من سماع انه لا يوجد كيف تغيروا الوضع هذا؟ … السؤال هو, ما نفعل؟ كيف نغير الواقع؟ الماركة؟ كيف نبقى على ما نحن – يساريون – وبنفس الوقت نعود لمقدمة الخارطة السياسية والنقاش العام؟”

ولكن الحدث قد يكون قد كشف مشاكل نخبة اليسار بدلا من بحث كيفية تغيير مصيره.

كما علق احد المدعوون ساخرا, المؤتمر اثبت النظرة التي حسبها اليسار نخبوي, وتضمن متحدثين المرتبطون بفشل الماضي اكثر من المستقبل الزاهر.

“اندعيت الى مؤتمر حول ’كيفية تحويل اليسار الى ماركة فائزة.’ اين عقد المؤتمر؟ في جادة روتشيلد. من المتحدثون؟ ليؤر خورف (من اتباع [ارئيل] شارون)… وديدي سوسا (من اتباع ايهود باراك). ولم يتواجد, طبعا, العرب في المؤتمر. من يمثل النساء؟ مستشارة [شمعون] بيريتس السابقة, بهيرا بردوغو. باختصار, لتسعدوا بالعديد من السنوات في المعارضة قبل ان يقوموا نتنياهو وبينيت بكتابة اخر اسطر هذه الحلقة المسماة بدولة اسرائيل.”

بحسب مخططين استراتيجيين سياسيين مخضرمين, التحدي الحقيقي لحزب العمل يقع بتحويله لجواب للوسطيين خائبي الامل, الذين يفوقوا بشكل كبير على اليسار عددا.

العدو الحقيقي لهرتسوغ هو “ليس بيبي [نتنياهو],” يقول الاستراتيجي السياسي المخضرم والسكرتير البرلماني السابق اسرائيل ميمون. “عليه شق طرق الى الوسط, ليأخذ من يئير [لبيد] وتسيبي [ليفني].”

هرتسوغ يواجه “حرب مضاعفة. عليه جلب الاصوات من ميريتس ومن المركز,” قال تال اشكينازي, شخصية معروفة في الاعلانات السياسية, الاسبوع الماضي على قناة الكنيست. “عليه التحدث من خلال صوتين, ولكن بحكمة.”

وفعلا, هرتسوغ حاول كثيرا في العام الماضي جذب المركز بدون ابعاد داعميه القليلين من اليسار. الشعار كان بسيط: حزب العمل يوافق عامة مع اليمين حول احتياجات اسرائيل الامنية, ولمن فقط حزب العمل يستطيع توفير الوجه الاخر, وهو نهاية سلطة اسرائيل على الفلسطينيين.

تعطيل اليمين لمفاوضات السلام, قال هرتسوغ, لا يفر شيء من هذا: بدلا من جعل اسرائيل مكان امن اكثر, اليمين اكد استمرار القتال واستمرار التشابك مع الفلسطينيين.

“في كل لحظة قرار على مر 5 السنوات الاخيرة, “قال رئيس حزب العمل في مقابلة للقناة الاسرائيلية الثانية في الشهر الماضي, “[نتنياهو] اتخذ قرار الضي قوى حماس في نهاية الامر, بدلا من تقوية ابو مازن [رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس] … انا اعتقد ان بعد هذه العملية [في غزة], سيتوجب على الاسرائيليين اتخاذ قرار واضح. في نهاية الامر, على الناخب الاسرائيلي الاختيار, ان كان يرى مستقبل فيه دولتان على هذه الارض ام لا.”

وفي مقابلة للقناة العاشرة في الشهر الماضي, قال, “بعد ان تهدأ الامور [بعد الحرب], سيبدأ العمل الدبلوماسي للسياسة الاسرائيلية – وفجأة سنكتشف بانه غير موجود.”

من الصعب ايجاد الوعود بالسلام الثقة والتعايش او التسامح في خطاب هرتسوغ العام. هرتسوغ يركز بدل ذلك على رغبة ابسط واكثر شعبية: الانفصال. اليمين, يفسر, يستطيع محاربة كل الحروب الذي يريدها, ولكنه لا يستطيع توفير الانفصال للمدى البعيد.

حيليك بار, عضو في حزب العمل والنائب العام للحزب, هو احد اكثر المتحدثين في الحزب عن هذه الاستراتيجية الوسطية.

“افتراض اليمين بان اليسار اصبح ضعيفا هو افتراض مغلوط. ان لم يكن اليمين قوي بما فيه الكفاية ليقضي على حماس, ولا يستطيع توفير ما نحتاجه دبلوماسيا, اذا لما نحتاج اليمين؟” سأل.

“الناخبين سيختارون اليسار ان قدم اليسار اجندته الحقيقية, ما كان اليسار في السابق – غير متنازل عن الامن, وغير مستعد للتخلي عن [عقد الاتفاق مع] الفلسطينيين.”

احدى الطرق لجذب الاصوات, يؤمن بار, قد تكون عن طريق توضيح الارباح الممكنة من صفقة السلام للإسرائيليين. “على اليسار الكف عن الكلام عن التانغو بين اسرائيل وفلسطين والبدء برقص الرقصات الجماعية مع مصر, الاردن, السعودية, قوات اساسية في العالم العربي والاسلامي. ان ينجح اليسار بتقديم هذا الطرح, سيقتنع الشعب بأفضلية المسار الدبلوماسي على دائرة الحرب المتكررة كل سنتين حيث نضعف العدو بدون ان نهزمه. وعندها لن يكون لليمين اي فرصة” عند قدوم وقت الانتخابات.

اليمين اليوم, يقول, “متطرف. انه ليس نفس الليكود الخاص [بالوزراء السابقين] بيني بيغن ودان مريدور, ولكم ذاك الخاص بأعضاء الكنيست موشيه فيغلن وداني دانون. وانه حتى لا يوفر الامان.”

ومن الجدير بالذكر بان حزب العمل هو ليس القسم الوحيد من اليسار المنشغل بجذب المركز. حتى في مبادرة جينيف, محاولة من نشطاء اسرائيليين وفلسطينيين لتطوير اتفاقية سلام المبنية على مفاوضات اوسلو, هدفت اولا لجمهور المركز, او حتى المركز-يمين.

“الاغلبية التي تدعم وضع الحدود بننا وبين الفلسطينيين في جوار خطوط 67 قائمة, ولكن يجب تفعيلها,” يقول جادي بالتيانسكي, الدير العام لمبادرة جينيف – اسرائيل. “صحيح ان الشعب يريد قائد يميني ليطبق سياسات اليسار, ولكنه ايضا صحيح ان الخارطة السياسية بدأت تميل الى اليسار. ’دولتين لشعبين’ مانت مرة من المرات شعار [حزب] حاداش المتطرف. حزب العمل لم يدعو له ابدا [خلال مفاوضات اوسلو]. الان هذا الشعار يذكر من قبل رئيس الليكود, حتى لو انه لا يفعل شيئا لتحقيقه.”

وايضا, كان من الممكن لبالتيانسكي ان يضيف, بان الانسحاب الاحادي الجانب من النوع الذي طرحه شويفتان قد تم تبنيه من قبل اليسار في عام 2002, عندما نشر المفاوض الرئيسي لباراك جلعاد شير ورئيس المخابرات للجيش الاسرائيلي اوري شاجي منشور سياسي في معهد فان لير, منادون فيه “المبادرة بالانسحاب, الذي سيمكن العودة للمفاوضات مع الفلسطينيين في المستقبل.” كانت خطة التي بناها مخططين يساريين, نشرها مفكرين يساريين, ولكن التي لقيت اكبر دعم عند رئيس الليكود اريئيل شارون.

وهكذا المستقبل, يقول بالتيانسكي, تابع لليسار, مهما تقول الاستطلاعات.

“بعد الحرب في غزة, نرى اشخاص من المركز, من شاس, الليكود, بعض الذين صوتوا لليبرمان. انهم يقعون في معضلة, انهم مرتبكون. [انهم يقولون] ’اعتقدنا بانه ان لم نفعل شيئا, لن يحدث شيئا. لم يكن هناك سلام, ولكنه كان سلام نسبي, الاقتصاد كان بخير.’ لا يمتلك هؤلاء الاشخاص الاجابات الان. لا يقولون ’حسنا, سندعم اتفاق جينيف غدا صباحا.’ ولكنهم يسألون انفسهم, ’هل ننتصر في الحرب المقبلة, ام نمنعها؟”

احزاب وقواد اليسار يفشلون فشلا ذريعا في الاستطلاعات, ولكن سياسات اليسار الانتخابية تتغير. انه يسعى وراء جمهور جديد ويحاول – بدون جدوى, حتى الان – بوضع رؤيا التي ممكن ان تخاطب هذا الجمهور. وانه يأمل بان الفشل سينبت النجاح.