ليس من المتوقع أن يدخل خطاب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الأربعاء صفحات التاريخ الفلسطيني. على الرغم من التوقعات بشأن تصريح كبير لعباس (وهي توقعات كان عباس بنفسه مسؤولا عنها بعد أن تعهد في إحدى المقابلات التي أدلى بها لوسائل إعلام عربية بأنه سيلقي “قنبلة” خلال الخطاب) فإن الرأي العام الفلسطيني رفض الإنضمام للعرض. على الرغم من وصول بعض المئات من سكان رام الله مساء الأربعاء لميدان “أبو عمار” لمشاهدة الخطاب وحفل رفع العلم الفلسطيني في مبنى الأمم المتحدة، ولكن كلمات أبو مازن لم تترك عندهم شعورا بالتغيير أو حتى الأمل.

قال لي أحد المشاركين، “كانت هنا خيبة أمل كبيرة. تمنى الناس حدوث تغيير، شيئ يبشر بطريق جديدة ولكن أبو مازن عاد على أمور كنا قد سمعناها منه في الماضي”.

بالنسبة لهم فإن لرفع العلم الفلسطيني في نيويورك كان هناك معنى أكبر. وفي هذه الأيام المجنونة، بالنسبة لسكان الضفة الغربية فإن علما يرفرف هناك هو مصدر للفخر. محمد (46 عاما)، من سكان مخيم “الجلزون” للاجئين يحاول تفسير هذا المنطق: “لقد شاركت في الإنتفاضة الأولى. في هذه الفترة، أنتم، الإسرائيليون، كنتم تقومون بإعتقال كل فلسطيني يحاول رفع علمنا. اليوم هذا العلم مرفوع في الأمم المتحدة. فنعم، بالنسبة لي هذه لحظة مؤثرة”.

في الساعة التي سبقت الخطاب أيضا كان من الصعب رؤية أجواء إحتفاليه في المدينة. أجاب شابان كانا يقفان بالقرب من ميدان “أبو عمار” على سؤالي إذا كان هناك تخطيط لحدث بمناسبة الخطاب، بالنفي القاطع. واصلت المدينة حياتها اليومية كالمعتاد، وفقط صورة عباس على واحدة من اليافطات الإلكترونية وإلى جانبها شعار الأمم المتحدة وكلمة “فلطسين” عليها، دلت على الخطاب المتوقع في ساعات المساء. بدا الجمهور الفلسطيني في رام الله متحيرا، ما بين اللامبالاة واليأس من الوضع الحالي ومن القيادة الفلسطينية. زيارة لثلاث مخيمات لاجئين في رام الله ومحيطها، تدل على مدى إختفاء اللامبالاة في هذه الأماكن، على عكس المدينة، ليهيمن مكانها اليأس.

قلنديا

أبو راتب، أحد سكان قلنديا، يبدو متفائلا للحظة. “نحن نعيش الأمل. الأمل بالعودة إلى بيوتنا في أراضي 48، للحرية. الأمل موجود دائما”.

في الجهة المقابلة للمكتب الذي نجلس فيه هناك جدار كبير يصور المسلحين الذين يقاتلون “الإحتلال”. على بعد بضعة مئات الأمتار من هناك يقف الجدار الفاصل والقذارة التي تميز حاجز قلنديا. أقرب ما يمكن من القدس وأبعد ما يمكن عنها. إنه أحد أكثر المناطق فقرا في الضفة، حيث لا يوجد قانون ونظام، ولا يوجد أمل.

لا يُسمح للسلطة الفلسطينية العمل في أرض المخيم لأنه لا يقع في منطقة (A)، ولكن شرطة إسرائيل أيضا تمتننع تقريبا عن العمل هنا أيضا، ربما لعدم وجود إهتمام وربما بسبب الخطر على القوات المقاتلة. هذا المكان يعتبر جنة عدن للعناصر الجنائية وتجار المخدرات وطبعا لنشطاء المنظمات الفلسطينية. في السنوات الأخيرة وقع هنا عدد لا يحصى من الحوادث بين قوات الجيش الإسرائيلي وشبان من المخيم، التي جاءت بالمزيد من المصابين والقتلى. أتساءل عن مكان تواجد الشبان في ساعة مبكرة من ساعات الظهيرة ويرد علي أحدهم: “جزء منهم في المدرسة، من لديه عمل في عمله، آخرون في السجن أو في المقبرة”.

أحاول أن أسأل أبو راتب عن المكان الذي يريد العودة إليه، حيث أن القرية التي ولدت عائلته فيها لم تعد موجودة، فيتدخل صديقه محمد قائلا: “عائلتي في الأصل من دير نعيم، حيث تتواجد مكابيم اليوم. ولن أوافق على أي حل سوى العودة تعويضا على السنوات التي لم نكن فيها في بيوتنا”.

– ولكن أبو مازن بنفسه قال كرئيس بأنه لا يريد العودة إلى بيته في صفد.

“صحيح. وكيف رد الإسرائيليون على ذلك؟ زادوا هجماتهم ضدنا. لم نعد نؤمن بأن الجمهور الإسرائيلي يرغب بالسلام. لقد إتخذ قراره في الإنتخابات الأخيرة عندما صوت لحكومة لا ترغب بالسلام مع الفلسطينيين. العالم؟ لا أحد يهمه أمرنا. الرئيس أوباما لم يتمكن من التفوه بكلمة “فلسطينيون’ خلال خطابه في الأمم المتحدة وحتى العرب غير مبالين. الشعوب في المنطقة اليوم في وضع ’الموت أو الإستسلام’ وكذلك نحن الفلسطينيون. مثلما إختفى البريطانيون والعثمانيون من هنا، ستختفون أنتم أيضا في النهاية. إذا ذهب الفرعون، فستذهبون أنتم أيضا”.

– هل تثقون بأبو مازن؟

“حاول أن يقوم بكل شيء وما زال يحاول التفاوض معكم. ولكن ما الذي حصلنا عليه؟ لا يوجد أفق سياسي، ولا يوجد حل عسكري. أجهزة السلطة تضمن ألا تكون هناك هجمات ضد الإسرائيليين وحتى أنهم يسلمونكم جنودا دخلوا إلى منطقة السلطة الفلسطينية عن طريق الخطأ. هناك خيبة أمل من فكرة أبو مازن. قام وقال ’أريد السلام’ ولم يمد أحد في إسرائيل يده إليه. وإذا خاض الإنتخابات اليوم، بسبب إسرائيل، سيسقط. حكومتكم تقدم الدعم لعصابة ’دفع الثمن’. هل يحاولون إعتقال المستوطنين في تلال الخليل الذين يقومون يوميا بمهاجمة الفلسطينيين؟ هل اعتقلوا قتلة عائلة دوابشة في دوما؟”.

أبو راتب: “يقولون لنا أن هناك إعتقالات إدارية في صفوف اليهود. إذا كان عندنا شخص مشتبه به بأنه قام بحرق عائلة يهودية، كانوا سيقومون بتدمير بيته وإطلاق النار على والدته ووالده. فما هو الإعتقال الإداري هذا؟ 21 عاما من المفاوضات بيننا وبين إسرائيل. ما الذي حصلنا عليه؟ لا شيء. فقط المزيد من القتلى والمزيد من المستوطنات”.

الأمعري

يقع مخيم “الأمعري” للاجئين في قلب مدينة رام الله. مثل شوكة في الحلق. من غربه يقع حي “ميسون” الفخم ومن جنوبه الشارع الرئيسي الذي يصل بين القدس ونابلس. أمجد، صاحب نادي بلياردو يعرض علي لائحة إتهام تم إرسالها إلى منزله قبل بضعة أيام. تم إعتقال شقيقه بعد أن ألقى حجارة على جنود وسيتم تقديمه للمحاكمة. يدرك أحمد أن عائلته ستلزم بدفع غرامة مالية تصل قيمتها إلى آلاف الشواقل على هذا العمل، ولكن بالنسبة للعائلة فإن هذا المبلغ خيالي ولا يمكن تأمينه.

– ما رأيك بخطاب عباس الليلة؟

“عالفاضي”، من دون جدوى. “سيتحدث ولكن ذلك لن يغير شيئا. لا قنبلة ولا بطيخ. ما الذي يستطيع فعله. نحن على أبواب إنتفاضة ثالثة. العرب يتجاهلوننا، والإسرائيليون والأمريكيون. الجميع. في النهاية سيؤدي ذلك إلى إنفجار. هناك خيبة أمل كبيرة من أبو مازن. لم تنجح السلطة الفلسطينية بتحقيق أي شيء. الناس هنا يبحثون عن الخبز. حتى موظفي السلطة الذي يحصلون على رواتب لا ينجحون في إنهاء الشهر. عليهم دفع الرهن العقاري والوقود للسيارة ومع راتب 2,000 شيكل، لا يبقى لهم شيكل واحد”. في هذه الأثناء انشغل شابان بمباراة بلياردو بينهما. رفعت (17 عاما) يقول أنه لم يكن يعلم أن هناك خطاب اليوم. “ولكن إسأل عدي، هو يفهم في هذه الأمور”.

عدي (17 عاما)، طالب في الصف الثاني عشر. “صحيح، الشبان هنا لا يعرفون أن هناك خطابا لعباس. هو والسلطة أعلنوا علينا الشبان في مخيمات اللاجئين الحرب. هم يعتقدون أننا ’فوضويين’. أننا لا نحترم القانون. ولكن لدينا عدو مشترك واحد وهو إسرائيل”. عدي لم يتحدث أو يلتقي أبدا مع إسرائيلي. “بعد تحرير فلسطين سنذهب لزيارة أراضي 48”. ويتابع قائلا: “خطاب أبو مازن لا يهم أحد هنا. أعتقد أنه كان هناك رئيس فلسطيني وكانت هناك فلسطين، لكن في أيام ياسر عرفات وليس اليوم. لو كانت هناك إنتخابات اليوم، فالسكان هنا سيصوتون لحماس”.

الجلزون

مئات الأمتار القليلة فقط تفصل بين منازل مستوطنة “بيت إيل” وبين مخيم “الجلزون” للاجئين شمال رام الله. هذه ساعة الظهيرة حيث ينهي المزيد والمزيد من التلاميذ يومهم الدراسي. وسط المخيم هناك مقهى صغير حيث يجلس حوالي 20 فلسطيني مسن، “شيوخ المخيم” على كراس صغيرة. من الصعب مقاطعتهم عن لعب الأرواق.

حسن أبو شريفة (65 عاما) يطالب خصومه بمواصلة اللعب في الوقت الذي يجيب فيه على الأسئلة بين لحظة وأخرى. “منذ 65 عاما وأنا أسمع خطابات وتصريحات. هل تعرف ماذا، حتى قبل ولادتي. في 1948، قرار الأمم المتحدة 181 تحدث عن إقامة دولتين. ما كانت نتيجة ذلك؟ وكذلك الأمر بالنسبة لخطاب الرئيس. هذه نكته، لن يغير ذلك شيئا، القوة فقط. كل الدول في المنطقة تدرك اليوم أن القوة وحدها تنفع. 140 دولة اعترفت بفلطسين. هل جاء ذلك بنتيجة؟ الرئيس الأمريكي لم يقل كلمة واحد عن الفلسطينيين في خطابه. الحل الوحيد هو إذا توحد كل العرب وربما عندها سيكون هناك رد فعل”.

يوافقه الحضور الرأي. عندما بدأت الحديث عن الحروب العربية الداخلية في هذه الأيام يقاطعني قائلا، “الحروب بين العرب لم تبدأ اليوم. لا تخطئ. بدأ ذلك عندما أخذت السعودية والوهابيون المسؤولية على الأماكن المقدسة. ولكن إذا لم تكن هناك وحدة، لن تتحول الأقوال والخطابات إلى أفعال”.

– وماذا بالنسبة لسلام مع إسرائيل؟

“هذا صعب. عملت مرة في القدس في [شركة] ’إيغد’، كسائق حافلة. ولكن يجب قول الحقيقة. البنزين والنار لا ينسجمان معا بشكل جيد. من الممكن أن يكون هناك سلام فقط عندما يكون للطرفين قوة وليس عندما يكون هناك طرف يقرر لنا في أي شارع يمكن أن نسافر وفي أي شارع لا”.

– إذا تم إجراء إنتخابات هنا لمن سيكون الفوز؟

“’المقاومة’، يعني حماس. أنظر نحن ندعم المفاوضات والإتفاقات. ولكن كل من سيحاول أن يأتي ويقول ’أنا أعترف بإسرائيل’، سيرمونه مباشرة. وصلنا إلى وضع صعب. بسبب جريمة قتل عائلة دوابشة في دوما، وبسبب المس بالأقصى، الشارع يريد مرة أخرى الإنتقام، يريد القوة مرة أخرى. يريدون التنفيس عن البخار”.

– ما تفسيرك إذا لعدم وجود إنتفاضة؟

“هذا بسبب السلطة. في اللحظة التي يحاول أحدهم القيام بشيء تقوم السلطة بإعتقاله. لهذا السبب تمت المصادقة على إدخال سلاح لهم”، كما قال ضاحكا.

أحد أبنائه، ويُدعى عبد (25 عاما) يراقبنا وهو يقف جانبا. كان معتقلا في السجن الإسرائيلي لمدة 4 أعوام، بعد إتهامه بالتخطيط لخطف جندي. يقول الإبن، “نحن نؤيد السلطة الفلسطينية”، ويتابع، “لا نريد العودة إلى الوراء ولكن الشعب على وشك الإنفجار. أفرج عني من السجن ولا يوجد لدي عمل. يُحظر علي الخروج للعمل في إسرائيل وحتى خارج البلاد. الوضع هنا صعب. هناك خيبة أمل كبيرة من القيادة. ولكن ما الذي تستسطيع السلطة القيام به؟ بنظري فإن خطاب أبو مازن يحمل أهمية كبيرة”.

صديقه محمد يقول، “نحن لا نريد إنتفاضة. هناك هدوء في الوقت الراهن، ولكن هذا هدوء ما قبل العاصفة. أتعلم أن نسبة البطالة في مخيم الجلزون تصل بحسب معطيات إلى 50% بين الرجال. وبالإجمال إلى 83%؟ لا يوجد هنا عمل، ولا تصاريح دخول إلى إسرائيل. وحذر الرئيس الإسرائيليين من أن هذا الوضع سيؤدي إلى إنفجار، ولكنه يرفضون الإصغاء”.