أ ف ب – أغلقت الولايات المتحدة وعدة دول أوروبية سفاراتها الأربعاء في صنعاء، وأجلت أطقمها الدبلوماسية على خلفية إشتداد الأزمة السياسية والأمنية في اليمن مع صعود المسلحين الحوثيين الشيعة الذين يحاولون تثبيت دعائم سيطرتهم على البلد.

ويأتي ذلك فيما تتابع الأطراف اليمنية حوارا برعاية الأمم المتحدة ومبعوثها الخاص جمال بنعمر للخروج من الأزمة العميقة، واطلاق مرحلة إنتقالية جديدة بعد إستقالة الرئيس عبدربه منصور هادي والحكومة.

وكانت واشنطن أول المعلنين مساء الثلاثاء عن إغلاق سفارتها إلى أجل غير مسمى، ما قد يلقي بظلاله على جهود مكافحة الإرهاب في هذا البلد الأساسي بالنسبة لواشنطن في هذا المجال.

وسارع موظفو السفارة الأميركية إلى الخروج من البلاد، وخلفوا وراءهم السيارات الدبلوماسية والعربات المدرعة التي استولى عليها المسلحون.

فقد استولى عناصر الميليشيات الشيعية على ثلاثين سيارة أميركية في مطار صنعاء بعد مغادرة السفير الأميركي.

بالإضافة إلى السيارات الثلاث العائدة إلى السفير ماثيو تولر ومساعديه، استولت الميليشيات الشيعية على أكثر من 25 سيارة تابعة لمشاة البحرية الأميركية (المارينز) المكلفين بأمن السفارة التي اغلقت أبوابها، وفق مصادر أمنية في المطار.

وفي واشنطن، أكدت المتحدثة بإسم الخارجية الأميركية جنيفر بساكي الإستيلاء على السيارات، واصفة الأمر بأنه “غير مقبول” ومطالبة بـ”تسليم” هذه الأليات.

ولفتت إلى أن الولايات المتحدة “تريد العودة” إلى اليمن، ولكن من دون أن تحدد موعدا لذلك.

وأكدت بساكي أيضا أن وثائق “سرية” وتجهيزات حساسة تم إتلافها التزاما بالتدابير “الوقائية” المعمول بها.

وصرح نظيرها في البنتاغون الكولونيل ستيفن وارن، انه قبل مغادرتهم السفارة “اتلف (عناصر المارينز) أسلحتهم الثقيلة وأسلحتهم الرشاشة”، وسلموا للسلطات المحلية “أسلحتهم الشخصية” من مسدسات وبنادق.

وفي وقت سابق، قالت الخارجية الأميركية في بيان، أنه “في 11 شباط/فبراير 2015 وبسبب الوضع الأمني المتدهور في صنعاء، علقت وزارة الخارجية أنشطة سفارتها، وتم نقل طاقم سفارة الولايات المتحدة الأميركي خارج البلاد”.

وتابع البيان، أن “جميع الخدمات القنصلية والمعاملات الروتينية و/أو الطارئة علقت حتى إشعار آخر”.

كما حض البيان الرعايا الأميركيين على مغادرة اليمن.

وأفاد موظفون يمنيون في القنصلية الأميركية، أن الأميركيين اتلفوا وثائق وجميع المعدات الحساسة وخصوصا أجهزة الإتصال وآليات قبل مغادرة السفارة في صنعاء.

وقال موظف رفض كشف هويته لفرانس برس، ان “المارينز (الجنود الأميركيون المكلفون بأمن السفارة) دمروا أسلحتهم، واتلفوا وثائق حساسة إضافة إلى كل أجهزة الإتصال والحواسيب، وأجهزة الهاتف قبل مغادرة السفارة”.

وأورد موظف آخر أن الأميركيين “اتلفوا كل ما لا يمكنهم نقله”، بما في ذلك عدد كبير من السيارات التي تم سحقها بواسطة رافعات.

بدورها، اجلت بريطانيا سفيرتها وطاقمها الدبلوماسي من اليمن، وعلقت نشاط سفارتها في صنعاء بسبب المخاوف من الوضع الأمني.

وقالت وزارة الخارجية البريطانية في لندن، أنها أوقفت عمل السفارة في صنعاء “موقتا”.

وقال الوزير البريطاني لشؤون الشرق الأوسط توبياس الوود، أن “الوضع الأمني في اليمن استمر بالتدهور خلال الأيام الأخيرة”.

وذكر الوود أن السفيرة وأعضاء البعثة الدبلوماسية غادروا اليمن صباح الأربعاء للعودة إلى بريطانيا.

كذلك اعلنت ايطاليا الأربعاء إغلاق سفارتها في اليمن بصورة مؤقتة.

من جهتها أيضا، دعت فرنسا رعاياها البالغ عددهم حوالى مئة في اليمن إلى مغادرة البلاد “في أسرع وقت”، واعلنت إغلاق سفارتها “مؤقتا” اعتبارا من الجمعة.

وجاء على موقع السفارة “نظرا للتطورات السياسية الأخيرة ولأسباب أمنية، تدعوكم السفارة إلى مغادرة اليمن مؤقتا في أقرب مهلة عبر رحلات تجارية”.

وأضاف أن السفارة الفرنسية “ستكون مغلقة موقتا حتى إشعار آخر اعتبارا من الجمعة 13 شباط/فبراير 2015”.

وأوضح مصدر دبلوماسي، أن هذا الإجراء توصية، وليس اجلاء، مضيفا أن المصالح الفرنسية ستمثلها السفارة المغربية.

وقد أكد مصدر دبلوماسي غربي لوكالة فرانس برس، أن عدة سفارات أوروبية تفكر جديا بوقف نشاطها واجلاء أطقمها.

وقال المصدر “نحن نفكر في الرحيل”.

وانتقد نائب وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان “الخطوة المتسرعة” بإغلاق البعثات الدبلوماسية، مؤكدا أن الحوثيين يكافحون “الفساد والإرهاب”.

ويتهم الحوثيون بتلقي الدعم من إيران إلا أنهم صوروا تقدمهم نحو المناطق السنية على أنه معركة ضد الإسلاميين المتشددين وطالبوا بدعم غربي.

وكان عبد الملك الحوثي زعيم ميليشيا أنصار الله الشيعية حذر خصومه الثلاثاء من محاولة إثارة المشاكل في اليمن على حد قوله.

واتى هذا التحذير بموازاة مواصلة القوى السياسية اليمنية الحوار برعاية الأمم المتحدة بالرغم من إتخاذ الحوثيين الشيعة تدابير أحادية لإعادة ترتيب السلطة.

كما سعى الحوثي إلى طمأنة البعثات الدبلوماسية في البلد المضطرب، مؤكدا أن “الوضع الأمني مستقر”.

ويفترض أن يستأنف الحوار مساء الأربعاء في صنعاء.

ويبحث الأطراف مسودة اتفاق يبقي البرلمان الذي حله الحوثيون في “اعلان دستوري” فرضوه أحاديا الجمعة، مع تشكيل مجلس رئاسي، وهو أمر نص عليه الإعلان أيضا.

لكن الحوثيون يصرون على أن يكون الحوار تحت سقف “الإعلان الدستوري” الذين فرضوه كتدبير “ثوري”.

وسيطر الحوثيون في 21 ايلول/سبتمبر على صنعاء، ووقعوا في اليوم ذاته على اتفاق للسلام وتقاسم السلطة مع باقي الأحزاب، إلا أن تنفيذ الإتفاق فشل.

وفي 20 كانون الثاني/يناير سيطروا على دار الرئاسة، ثم ابرموا اتفاقا جديدا مع الرئيس هادي، لكنه فشل مجددا ما دفع بالرئيس إلى الإستقالة مع الحكومة.

وفشلت مشاورات سياسية سابقة أجراها المبعوث الأممي جمال بنعمر بين مختلف الأحزاب اليمنية في التوصل إلى حل للأزمة الناجمة عن إستقالة الرئيس وحكومة خالد بحاح.

وكان من المقرر أن يطلع بنعمر مجلس الأمن الدولي على جهوده الأربعاء، إلا ان ذلك تاجل حتى الغد.

والأربعاء اطلق عناصر من ميليشيا الحوثيين العيارات التحذيرية واستخدموا الهراوات والسكاكين الأربعاء لتفريق تظاهرة في العاصمة اليمنية، احتجاجا على إستيلائهم على السلطة ما أدى إلى اصابة أربعة محتجين بجروح، بحسب منظمي التظاهرة وشهود عيان.

وخرجت احتجاجات مماثلة في مناطق أخرى من العاصمة رغم الإعلان مؤخرا عن حظر أي تظاهرات مناهضة للحوثيين بدون ترخيص.

وتجمع عدد من النساء المواليات للحوثيين بثيابهن السوداء، وهن يلوحن بالأعلام اليمنية في تظاهرة منفصلة في شارع الستين بالقرب من مقر رئاسة الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي.

وانتشر رجال الميليشيا المسلحون بأعداد كبيرة في أنحاء العاصمة، وفتشوا العربات لحماية المشاركين في التظاهرات المؤيدة لهم.