واشنطن – بعد مناقشة مريرة في مجلس الأمن الدولي يوم الثلاثاء، نأت خلالها كل دولة عضو باستثناء الولايات المتحدة وإسرائيل بنفسها عن خطة السلام التي وضعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، احتفى البيت الأبيض بسحب مشروع قرار يرفض الاقتراح.

وبحسب ما ورد ضغطت الإدارة الأمريكية بشدة على منتقدي الخطة لسحب مشروع القرار، الذي قدمته إندونيسيا وتونس، ورضخ الدبلوماسيون للضغوط عندما تبين لهم أن هناك احتمال بعدم جمع الأصوات التسعة اللازمة من أصل 15 لتأمين الموافقة على مشروع القرار.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترامب لـ”تايمز أوف إسرائيل”: “من خلال عدم تقديم مشروع قرار مثير للاستقطاب، أظهر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أن الطريقة القديمة لفعل الأشياء قد انتهت”.

وأضاف: “لأول مرة فيما يتعلق القضية الإسرائيلية الفلسطينية، كان المجلس على استعداد للتفكير خارج الإطار التقليدي، ولم يرتد بشكل غريزي إلى الموقف الفلسطيني المتكلس، الذي سمح فقط باستمرار الوضع الراهن الفاشل”.

رئيس السلطة الفلسطينية يعرض خريطة لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام في الشرق الأوسط خلال كلمة ألقاها في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في مقر المنظمة، 11 فبراير، 2020 بنيويورك. (Johannes EISELE / AFP)

ويصر مسؤولون فلسطينيون على أنهم قد يقومون بطرح مشروع القرار في مجلس الأمن، ربما في وقت لاحق من هذا الأسبوع. ولقد تم تخفيف نص مسودة مشروع القرار، الذي قال إن الخطة تنتهك القانون الدولي، ليقول إن الخطة تنحرف عن المعايير المقبولة للتسوية الإسرائيلية الفلسطينية.

وقال رون بروسور، سفير إسرائيل السابق لدى الأمم المتحدة، لتايمز أوف إسرائيل الثلاثاء إن “عدم قدرة الفلسطينيين على طرح [مشروع القرار] الليلة يدل على التغيير الذي مر به المجتمع الدولي في السنوات الأخيرة”.

قبل عامين، نجح الفلسطينيون بسهولة بتجنيد العديد من الدول التي أبدت استعدادا للتصويت لصالح قرار يدين اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، ولقد استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) ضد مشروع القرار.

وقال بروسور: “هذه المرة لا توجد لديهم تسع دول تقف وراءهم”، مضيفا أن ذلك “يوضح أن الدول لديها أولويات مختلفة الآن وأنها تضع مصالحها الخاصة أولا. بالتأكيد، سوف يتوجهون على الأرجح إلى الجمعية العامة حيث لديهم أغلبية تلقائية لإصدار قرار، لكن الأغلبية قد لا تكون كبيرة كما كانت بعد إعلان اسرائيل “.

في جلسة مجلس الأمن التي عُقدت يوم الثلاثاء، تحدث ممثلو جميع الدول الأعضاء الخمسة عشر، وأعلن جميعهم – باستثناء المبعوثين الإسرائيلي والأمريكية – دعمهم للمعايير المقبولة تقليديا لاتفاق سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

البعض رحب بالمبادرة الأمريكية، وقال إنها ضخت قوة دفع جديدة في عملية السلام المتوقفة. ومع ذلك، أوضح الجميع أن مواقفهم لم تتغير.

جلسة لمجلس الأمن الدولي يلقي خلالها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس كلمة في مقر الأمم المتحدة، 11 فبراير،  2020 في نيويورك. (Johannes EISELE / AFP)

وقال يورغن شولز، نائب السفير الألماني لدى الأمم المتحدة، الذي تحدث باسم بلده، وكذلك بالنيابة عن إستونيا وفرنسا وبولندا، “نحن لا نزال ملتزمين بحل الدولتين عن طريق التفاوض، على أساس خطوط عام 1967، مع تبادل متكافئ للأراضي، على نحو متفق عليه بين الطرفين، حيث تعيش دولة إسرائيل ودولة فلسطين مستقلة وديمقراطية ومتصلة الأراضي وذات سيادة وقابلة للحياة جنبا إلى جنب بسلام وأمن واعتراف متبادل”.

خروجا عن مسار إدارات أمريكية سابقة، تتصور خطة إدارة ترامب إقامة دولة فلسطينية في جزء من الضفة الغربية وعدد ضئيل من الأحياء في القدس الشرقية وقطاع غزة وبعض المناطق في جنوب إسرائيل – شريطة أن يعترف الفلسطينيون بإسرائيل كدولة يهودية ونزع سلاح حركة “حماس” والفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، واستيفاء شروط أخرى.

وتسمح الخطة أيضا لإسرائيل بضم مستوطنات، وتمنح الدولة اليهودية السيادة على غور الأردن والسيطرة الأمنية الشاملة القائمة على غرب نهر الأردن.

ولقد أعرب جميع أعضاء المجلس الأوروبيين عن قلقهم العميق إزاء خطة إسرائيل لتطبيق السيادة على مساحات شاسعة من الضفة الغربية.

وقال شولز إن “ضم أي جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، يشكل خرقا للقانون الدولي، ويقوض إمكانية حل الدولتين ويمثل تحديا لآفاق سلام عادل وشامل ودائم”، مضيفا “تماشيا مع القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، نحن لا نعترف بسيادة إسرائيل على الأراضي المحتلة منذ عام 1967”.

رئيس الوزراء بنامين نتنياهو يغرس شجرة في حدث بمناسبة عيد ’طو بيشفاط’ اليهودي في مستوطنة ميفؤوت يريحو، في غور الأردن، 10 فبراير، 2020. (Flash90)

وأكد ممثلو إندونيسيا وتونس وجنوب إفريقيا وفيتنام والصين وروسيا وسانت فنسنت وجزر غرينادين وبريطانيا وجمهورية الدومينيكان في بياناتهم على أن أساس محادثات السلام يجب أن يبقى الحل القائم على دولتين الذي يفضي إلى قيام دولة فلسطينية على خطوط عام 1967، مع تبادل أراض متفق عليه، والقدس عاصمة مشتركة لفلسطين وإسرائيل.

وقال المسؤول الكبير في إدارة ترامب إن واشنطن “متفائلة لأن الدول تبدي انفتاحا فيما يتعلق برؤيتنا للسلام، ومستعدة لإجراء مناقشة صريحة ومفتوحة بشأن ذلك كأساس ممكن لاستئناف المفاوضات من أجل حل دولتين واقعي. كما قلنا طوال الوقت، فإن خطتنا هي بداية العملية وليست النهاية “.

يوم الثلاثاء، رفض رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بشدة الخطة الأمريكية أمام مجلس الأمن، لكنه قال إنه سيكون على استعداد لدخول مفاوضات مع إسرائيل تحت رعاية اللجنة الرباعية الدولية وعلى أساس القرارات الدولية.

وتتكون اللجنة الرباعية الدولية من الولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وقال عباس وهو يعرض خريطة كبيرة لدولة فلسطين كما تقترحها واشنطن “نؤكد على الموقف الفلسطيني الرافض للصفقة الأميركية-الإسرائيلية”، وأضاف ““هذه الصفقة الغت قانونية مطالب الشارع الفلسطيني وحقه المشروع. كما شرعت ما هو غير قانوني من استيطان ومصادرة للأراضي وضم”.

ساهمت في هذا التقرير وكالة فرانس برس.