بدأت الإدارة الأمريكية البحث عن مواقع لسفارة جديدة “دائمة” لها في القدس، حسب ما قال ناطق بإسم السفارة يوم الأربعاء.

وبحسب تقرير القناة 12، يبحث دبلوماسيون امريكيون عن قطعة أرض فارغة مجاورة لشارعين رئيسيين في حي أرنونا في القدس، التي تم اختيارها للسفارة الامريكية سنوات قبل اعتراف الرئيس دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل عام 2017.

والموقع جدلي بسبب تاريخه المركب.

ومشيرة إلى مصادر لم يتم تسميتها، أفادت القناة 12 مساء الثلاثاء أن ترامب ينوي نقل السفارة الأمريكية الى مبنى جديد ودائم خلال ولايته الثانية، في حال فوزه بالسباق الرئاسي عام 2020. وحتى قد يسافر الى القدس لوضع حجر الأساس خلال حملته الإنتخابية، بحسب التقرير.

ولهذا، قدمت السفارة في القدس طلبا للسلطات الإسرائيلية المعنية من أجل “بدء تجهيز الموقع”، وحتى من أجل ضم اراضي إضافية لتوسيع المنطقة المطلوبة لمجمع السفارة.

إضافة الى ذلك، يبحث طاقم السفارة إمكانية إقامة “حي دبلوماسي” في القدس لدبلوماسيين من الولايات المتحدة وربما دول أخرى.

ولم ترد وزارة الخارجية وبلدية القدس على طلبات للتعليق.

“لقد بدأنا عملية اختيار الموقع لسفارة امريكية دائمة في القدس”، أكد ناطق بإسم السفارة لتايمز أوف اسرائيل يوم الأربعاء. “نحن نفحص جميع المواقع التي نستأجرها أو نملكها حاليا، بما يشمل الأرض في منطقة أرنونا”.

وهذه الأرض تبعد اقل من 20 دقيقة مشيا على الأقدام من موقع السفارة الحالية في شارع دافيد فلوسر رقم 14.

ولدى الأرض، القاحلة حاليا والواقعة عند الزاوية بين طريق الخليل وشارع دانيل يانوفسكي، تاريخ غني. في عهد الانتداب البريطاني، كان فيها ما يسمى بثكنة النبي، المسماة على اسم الجنرال البريطاني ادموند النبي، الذي أدار قاعدة عسكرية هناك.

لاحقا، أقامت اسرائيل محطة شرطة حدود هناك. ومنذ ثمانينات القرن الماضي، يدعي ناشطون فلسطينيون أن الأرض، أو جزء منها، تابعة لهم، وأنه “من غير الملائم” للولايات المتحدة إقامة سفارة “على أرض مسروقة”.

وزير الخزانة الأمريكي ستيف مونتشين وابنة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومستشارته ايفانكا ترامب، يكشفان الختم الإفتتاحي خلال افتتاح السفارة الامريكية في القدس، 14 مايو 2018 (AFP Photo/Menahem Kahana)

وفي 14 مايو 2018، تم افتتاح السفارة الأمريكية في القدس في شارع دافيد فلوسر، في المبنى الذي كان حتى ذلك الحين القنصلية الأمريكية.

“منذ ذلك الموعد، تواجدنا الأمريكي في القدس نمى فقط”، قال السفير الأمريكي لدى اسرائيل دافيد فريدمان خلال خطاب في الشهر الماضي. “إن زرتم مبنى السفارة في حي ارنونا في القدس مؤخرا، ستلاحظون انه موقع بناء كبير جدا. سوف يتضاعف حجمه حتى الصيف”.

وفي 4 مارس، دمجت الولايات المتحدة بين قنصليتها في شارع أغرون في القدس – التي تخدم الفلسطينيين – والسفارة. والسفارة الامريكية الآن “تشمل 10 منشآت دبلوماسية مترابطة”، قال فريدمان.

وقد تباهى ترامب كثيرا بأن تحويل قنصلية شارع فلوسر الى سفارة كلف دافع الضرائب الامريكي أقل بكثير من المتوقع.

“اعتقدوا انها ستكلف مليار. بنيتها بـ 490,000 دولار”، قال لمجموعة رجال اعمال في مينيسوتا في وقت سابق من الأسبوع.

“وقالوا، ’كيف تفعل ذلك؟’ كان لدينا موقع أفضل… انتهى الأمر بأننا اردنا شراء قطعة ارض مكلفة جدا في موقع سيء، وأنا قلت، ’ألا يوجد لدينا شيئا افضل من هذا؟’ وسفيرنا، دافيد فريدمان، قام بعمل رائع. قال، ’سيدي، لدينا بالفعل مبنى في موقع افضل بكثير. لماذا لا نرممه ونجعل منه سفارة؟’”

سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل ديفيد فريدمان في السفارة الأمريكية، القدس، 30 مايو 2018، قبل مقابلة مع تايمز أوف إسرائيل. (Matty Stern, US embassy Jerusalem)

وابتداء من أواخر ستينات القرن الماضي، كانت السفارة الامريكية تقع في شارع هيركون في تل ابيب.

وفي ثمانينات القرن الماضي، نادى سياسيون امريكيون، بقيادة السناتور الجمهوري جيسي هيلمز، الادارة للاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارتها الى المدينة. وفي عام 1988، تم تمرير قانون ينادي الى بناء “منشأتين دبلوماسيتين” في تل ابيب والقدس.

وفي آخر ايام رئاسة ريغن، في 18 يناير 1989، وقع السفير الأمريكي لدى اسرائيل وليام براون ونائب مدير هيئة الأراضي الإسرائيلي موشي غات على اتفاق بحسبه ستؤجر اسرائيل للولايات المتحدة قطعة ارض في القدس لمدة 99 عاما بتكلفة دولار واحد سنويا.

“’اتفاق تأجير وشراء الأراضي’ المؤلف من 15 صفحة تطرق فقط الى ’الملك في القدس’، ولكن ظهرت تقارير فورا – تم التأكيد عليها لاحقا – بأن هذه الارض تقع فيما يسمى بثكنة النبي، موقع الجيش البريطاني في القدس خلال الانتداب”، كتب الباحث الفلسطيني وليد خالدي في مقال طوله 2000 كلمة في مجلة الدراسات الفلسطينية.

وبحسب خالدي، الأرض مساحتها 31,250 مترا مربع.

“منذ التوقيع على اتفاق التأجير عام 1989 والتقارير التي تربط بين الموقع وثكنة النبي، تشكك الدوائر الفلسطينية بشرعية الاتفاق بناء على كون الموقع المخطط للسفارة املاك للاجئين فلسطينيين تصادرها السلطات الإسرائيلية، مع املاك أخرى للاجئين، منذ عام 1948″، كتب خالدي.

“وخاصة، تم الادعاء أن الموقع تابع للوقف الإسلامي” في القدس.

وبعد بضعة سنوات، في عام 1995، تم تمرير قانون سفارة القدس، الذي ينادي الإدارة الأمريكية للاعتراف بالمدينة عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة اليها.

ولكن مكن القانون الرئيس تأجيل الخطوة في حال اعتبارها مضرة لمصالح الأمن القومي الامريكي. ومنذ المصادقة على القانون، قام جميع الرؤساء الأمريكيين – بيل كلينتون، جورج دبليو بوش، وباراك اوباما – بالتوقيع على التأجيل كل ستة اشهر، بالرغم من تعهد كل من بوش وكلينتون بنقل السفارة خلال حملاتهما الانتخابية.

وفي 6 ديسمبر 2017، اعترف ترامب رسميا بالقدس عاصمة لإسرائيل وتعهد نقل السفارة اليها. ونفذ تعهده بعد نصف عام، ولكن تابع حتى مؤخرا بالتوقيع على التأجيل لأنه لم يتم نقل منزل السفير الرسمي بعد الى المدينة، كما ينص قانون عام 1995.

ولكن نظرا لإنتقال فريدمان رسميا الى المنشاة في شارع اغرون، قد يكون تأجيل ترامب في 7 ديسمبر 2018 آخر تأجيل يوقعه.

مبنى القنصلية الامريكية في القدس، 4 مارس 2019 (AP Photo/Ariel Schalit)

وأرسلت الولايات المتحدة أول قنصل لها الى القدس عام 1844، اكثر من قرن قبل قيام اسرائيل. وبعد حوالي 13 عاما، أقامت الادارة تواجد قنصلي دائم في البلدة القديمة.

وتم تحويل البعثة في شارع أغرون الى قنصلية عامة عام 1928، ممثلة الولايات المتحدة في القدس (الشرقية والغربية)، الضفة الغربية وغزة “كبعثة مستقلة”، لأنه حتى العام الماضي لم تعترف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية على أي جزء من المدينة.

وثكنة النبي السابقة، الواقعة في حدود اسرائيل قبل عام 1967، ولكن قريبة جدا من الخط الأخضر السابق لعام 1967، قد تكون جدلية خاصة بسبب الخلاف حول ملكيتها.

وبحسب مقال صدر عام 2000 عن “بديل – المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين”، تم ايجاد أن 19 عائلة فلسطينية من القدس تملك الأرض.

واستولت بريطانيا على جزء صغير من الأرض خلال فترة الانتداب، حسب المقال. وباقي الأرض مؤلفة من خمس قطع، واحدة تابعة للوقف الاسلامي، وأربع قطع تم استئجارها من مالكين خاصين حتى مايو 1948، عندما قامت اسرائيل.

وكتب خالدي، الباحث الفلسطيني، أن ناشطون – وهو منهم – احتجوا على “اتفاق تأجير وشراء الأرض” مجرد اشهر بعد توقيعه عام 1989.

وادعى منتقدون أن الإتفاق ليس مجرد تغيير كبير في السياسة الأمريكية – التي لا تعترف بسيادة أي طرف على القدس قبل تحقيق اتفاق سلام نهائي – ولكنه أيضا يشير الى اعتراف امريكي بملكية اسرائيل للأرض.

الموقع في القدس المعروف سابقا باسم ’ثكنة النبي’، في اواخر عام 2016 (Raphael Ahren/TOI)

وفي يونيو 1989، ردت وزارة الخارجية الأمريكية على الشكاوى بالقول انها “تعلم بأمر الادعاءات بان الوقف الإسلامي لديه شأن في جزء من الموقع المتفق عليه في القدس”، ولكنها لم تتمكن من “العثور على أي سجل أو دعم لهذا الإدعاء خلال بحث مكثف قمنا به”.

وسيتم التعامل مع امكانية نقل السفارة “فقط في سياق حل متفاوض عليه حول الضفة الغربية وغزة”، أبلغت الوزارة.

وبعد عشر سنوات، عام 1999، أقر مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية بأن اتفاق تأجير وشراء الأرض “يشير الى ملك معين” لهدف اقامة سفارة “يمكن أن تستأجره الولايات المتحدة من دولة إسرائيل بحسب ظروف معينة”، بحسب المقال في مجلة “بديل”.

“ولكن حتى الوقت الحالي، لم تستأجر الولايات المتحدة هذه الأرض أو أي أرض أخرى بحسب الاتفاق”. وبحسب الفقرة 2.1 التي عنوانها “شروط مبدئية للتأجير والشراء… حكومة اسرائيل سوف تطلق فورا جميع الاجراءات الضرورية للحصول على الملكية الحصرية والقانونية للأملاك، خالية من اي عوائق او ادعاءات اطراف ثالثة”.

ولكن ادعى خالدي أن الادعاء بأنه لم يبدأ تنفيذ اتفاق 1989 “يخالف صياغة الإتفاق ذاته”.

وأجرى خالدي، الذي درّس في اوكسفورد، هارفارد والجامعة الامريكية في بيروت وأسس معهد الدراسات الفلسطينية، بحث مكثف في آصغر تفاصيل مسالة الملكية. وفي ختام مقاله المؤلف من 8000 كلمة حول المسألة، ادعى آن آرض ثكنة النبي “آراضي لاجئين مصادرة” لا يوجد لبريطانيا آي حق بها، ولهذا لا يوجد لإسرائيل حق بتأجيرها للولايات المتحدة.

“مع كل ما تفيده القدس ضمنا، آنه، على الآقل، لا يليق بأن يتم بناء سفارة الولايات المتحدة المستقبلية في المدينة على أرض مسروقة”، كتب خالدي.