في اللحظة التي شعرنا بها بفترة هدوء في موجة العنف الحالية، حطم الهجومين الأخيرين هذا الوهم.

يوم الخميس كان الأكثر دموية منذ إندلاع العنف، أو ما يُسمى بـ”الإنتفاضة الثالثة”، بحسب الفلسطينيين. خمسة قتلى (4 إسرائيليين وفلسطيني واحد)، و5 مصابين آخرين في هجومين منفصلين.

في الهجوم الأول، استغل رائد مسالمة (36 عاما)، من قرية درار الفلسطينية بالقرب من الخليل، تصريح العمل الذي كان يحمله وقتل إسرائيليين إثنين فيما يبدو كأول هجوم يقوم به فلسطيني يحمل تصريح عمل داخل الخط الأخضر.الهجوم الثاني الذي وقع في اليوم نفسه كان هجوم إطلاق نار ودهس وانتهى بحصيلة ثقيلة، حيث قُتل فيه إسرائيليان وفلسطيني صادف وجوده في المكان.

مع أسبوعين تقريبا من الهدوء النسبي اللذين شهدا انخفاضا في عدد هجمات الطعن، شهدت منطقة الخليل إزديادا في هجمات إطلاق النار. في الأسبوع المنصرم، قام مسلحون فلسطينيون بتنفيذ 3 هجمات منفصلة ضد أهداف إسرائيلية.

في حين أن بعض الشبان والشابات الفلسطنييين إقتربوا من حواجز للجيش الإسرائيلي في المدينة الجنوبية في الضفة الغربية مسلحين بسكاكين وعازمين على تنفيذ هجمات، في الحوادث الثلاث الأخيرة قام هؤلاء بإلقاء أسلحتهم على الأرض وأعربوا عن رغبتهم بالموت.

فكيف إذا نشرح الهدوء من جهة وتصاعد العنف مجددا من الجهة الأخرى؟

من جهة، الضغوط التي مارستها قوى الأمن الإسرائيلية في الضفة الغربية، وإجراء هدم منازل منفذي الهجمات، صعب من مهمة منفذي الهجمات في تنفيذ مخططاتهم.

ولكن من جهة أخرى، من المستحيل القضاء على الدافع لقتل إسرائيليين تماما. المشاعر موجودة، وليس مرجحا أن تختفي في المستقبل المنظور.

لذلك وعلى الرغم من فترات الهدوء المتقطعة، لا يبدو أن الواقع الجديد في الضفة الغربية و”الإنتفاضة الثالثة” سيتوقفان تماما. يبدو أن هذا الوضع سيكون هو الوضع الطبيعي الجديد.

السلطة الفلسطينية والتجار الفلسطينيون يحبطون هجمات

صباح الخميس، عندما قرر مسالمة تنفيذ الهجوم في مبنى المكاتب “بانوراما” في تل أبيب، كانت بلدته هادئة، على الأقل في منطقة H-2 التي تقع تحت السيادة الإسرائيلية. ربما هدوء مصطنع، ولكنه كان هدوءا على الرغم من ذلك.

في الأسبوع الماضي، قام شادي أحمد مطاوع، من سكان الخليل، بفتح النار على أسرة ليتمان بالقرب من مفرق عوتنئيل، وفي الأسبوع الذي سبقه، تعرض مصلون يهود كانوا في طريقهم إلى كهف البطاركة (المسجد الإبراهيمي) لإطلاق النار على يد فلسطينيين.

في سوق الخليل الشهير، الذي كان مرة سوقا مزدحما، ويقع جزء منه تحت السيطرة الإسرائيلية، نجح عدد قليل من المحال التجارية فقط في البقاء واقفا على قدميه.

عندما سُئل خضر شبانة، أحد أصحاب المحال التجارية المحلية، شرح لتايمز أوف إسرائيل السبب وراء الهدوء في موجات الطعن: “لا نريد فوضى، فقط نريد من الجيش أن يخِف علينا قليلا”.

وقال شبانه، الذي يمتلك مخبزا قريبا من المسجد الإبراهيمي (كهف البطاركة)، أنه وعدد من التجار الآخرين بدأوا بوقف شبان فلسطينيين في الشارع يشتبهون بأنهم قد يخططون لتنفيذ هجمات.

صديق شبانه (أ) يقول إن عدد كبير من منفذي الهجمات يأتون من حي يُدعى “باب الزاوية”، وأضاف أن “عناصر من قوات السلطة الفلسطينية يرتدون ملابس مدنية ويتم وضعهم هناك لوقف أي شخص عند قيامه بأية مشاكل، وتمكنوا من وقف عدد من الهجمات”.

يقول شبانة إنه عندما يرى في الفترة الأخيرة أطفالا يلقون الحجارة على قوى أمن إسرائيلية بالقرب من مخبزه، يتوجه إليهم ويطلب منهم التوقف عن ذلك ويشرح لهم أن الإشتباك مع الجيش الإسرائيلي سينتج عنه فرض طوق أمني على الحي وسيعود ذلك بالضرر على المصالح التجارية. “ولكنني كنت أرتجف خوفا من أن يقوم الجنود بإطلاق النار علي، إذا إعتقدوا أنني واحد منهم”.

وقال أن عدم قدرة الجنود على تحدث اللغة العربية يساهم في تفاقم المشكلة.

وقال: “مؤخرا فقط كان هناك جنود يتحدثون العربية، وكانوا يتعاملون مع السكان بإحترام”.

يعود الهدوء في هجمات الطعن في جزء منه على الأقل إلى التنسيق بين قوى الأمن الفلسطينية ورجال أعمال محليين.

في ظل تصاعد العنف، تغيرت الكثير في ديناميات العائلة، كما يقول ضابط في الجيش الإسرائيلي، ويقوم الأهل بشكل متزايد بمراقبة ما يفعله أبناؤهم.

قد تكون هذه أيضا محاولة لإعادة شعور بالنظام إلى وحدة العائلة التقليدية، التي ضعفت في المجتمع الفلسطيني.

بحسب المسؤول العسكري الكبير نفسه، بعد إطلاقه النار على الحاخام يعكوف ليتمان وابنه نتائئيل وقتلهما في الأسبوع الماضي، عاد مطاوع إلى بيته وأخبر عددا من أفراد عائلته عما قام به.

وقال المسؤول، “عندما عرف الأب ما حدث، توجه إلى مفرق هزاييت وتوجه إلى جندي كان يحرس هناك وشرح له أن ابنه قام بتنفيذ هجوم”.

وتابع” للأسف، الجندي لم يتحدث العربية، فاستدعى قائده للتحدث معه، الذي لم يكن هو أيضا يتحدث العربية، واعتقد أن الأب يشير إلى أنه يحمل قنبلة يريد تهريبها إلى داخل إسرائيل. اضطر القائد إلى إستدعاء ضابط آخر الذي تمكن من فهم ما كان يقوله الرجل. في أقل من ساعة، كانت قوى الأمن في منزل العائلة، وتم القبض على المشتبه به، والعثور على السلاح والمركبة اللذين تم إستخدامهما في الهجوم”.

لماذا يقوم أب بتسليم إبنه؟ تبين أن الأب هو رجل أعمال محلي الذي أدرك التداعيات التي ستكون لهذه الحادثة على أسرته، واختار التخلي عن إبنه من أجل العائلة بدلا من أن يدفع ثمن أفعال إبنه.

منفذي هجمات الطعن الشبان

واحدة من أكبر المشاكل التي يواجهها الجيش الإسرائيلي وجهاز الشاباك في هذا النمط الجديد من الإنتفاضة هو نقص المعلومات الإستخباراتية التي تشير إلى نوايا منفذي الهجمات الفلسطينيين المحتملين.

قال الضابط، “لم يكن أي من منفذي الهجمات مؤخرا معروفا للمؤسسة الأمنية”، وأضاف، “في الواقع، لا يوجد لدينا أي شخص على قائمة المراقبة حاليا”.

وأضاف، “أحد منفذي الهجمات الذي قام بتنفيذ هجوم بالقرب من كهف البطاركة كان يجلس في مقهى إنترنت قريب حيث كات يكتب رسالة وداع لأصدقائه وأسرته، طالبا منهم السماح، ولكنه شرح بأن كان ’مضطرا للقيام بعمل ما’”، وتابع قائلا: “بعد خمس دقائق من ذلك، خرج وحاول طعن جنود. لم تكن لدينا مؤشرات إنذار مبكرة هنا”.

وقال المسؤول إن محاربة الهجمات المرتجلة لشبان فلسطينيين أصعب بكثير من محاربة تلك التي تخطط لها فصائل مسلحة.

وأردف قائلا: “في الواقع، الأنشطة التي تجري داخل البنى التحتية الإرهابية أكثر وضوحا بالنسبة لنا، لأنه عندما يظهر تهديد بإمكاننا القيام بإعتقالات”.

“وفي حين أن هناك هدوء في الوقت الحالي، لا شك لدينا بأن دافع حركة حماس، بالأخص من قطاع غزة، هو تنفيذ المزيد من الهجمات”.

في الأيام الأخيرة شاهد الجنود المنتشرين في المنطقة إتجاها جديدا مقلقا: شبان فلسطينيون يأتون للموت في الحواجز. هم لا يحاولون تنفيذ هجمات، ولكنهم ببساطة يظهرون للجنود بأنهم يحملون سكينا آملين بأن يقوم الجنود بإطلاق النار عليهم وقتلهم.

عندما يُسأل المشتبه بهم الشبان عن دوافعهم، يقول الكثيرون منهم أنهم أرداوا فقط إنهاء حياتهم. معظمهم يعانون من مشاكل نفسية أو إجتماعية.

في وقت سابق من هذا الأسبوع، اقترب شاب فلسطيني من الخليل من حاجز وتصرف على هذا النحو. في وقت لاحق قال للمحققين بأن والده وبخه بشدة بعد أن حصل في امتحان على علامة 95 بدلا من 100.

الخليل الآن وإلى الأبد

على الرغم من أن منفذ هجوم تل أبيب كان يحمل تصريحا للعمل داخل إسرائيل، وعلى الرغم من أن الحكومة قامت بعد الهجوم بتجميد دخول المئات من حاملي التصاريح، من غير المرجح أن ينجح ذلك في وقف التدفق اليومي لعشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين كإجراء عقابي. من شأن ذلك تصعيد التوتر، وليس تخفيفه.

في الضفة الغربية، وخاصة في الخليل، ليس فقط الجيش الإسرائيلي هو الذي يحاول إستعادة الهدو، فبعض الفلسطينيين وقوى الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية يحالون ذلك أيضا. في الأيام الأخيرة، قام سكان يهود من مستوطنات قريبة بنشر إشعارات أبلغوا فيها سكان فلسطينيين عن دوريات مسلحة في محاولة لمنع هجمات مستقبلية.

من غير الواضح إذا كانت هذه حيلة دعائية أو ظاهرة جديدة حقيقية في مناطق يهودية-عربية في الضفة الغربية.

يقول المسؤول العسكري الإسرائيلي، “معظم المستوطنين اليهود في الكتل الكبرى يظهرون الدعم وعلى إستعداد لتقديم المساعدة”.

مع ذلك، كما يقول، “لديهم مطالبهم الخاصة بهم. على سبيل المثال، الآن هناك حملة لإغلاق طريق رقم 60 أمام السائقين الفلسطينيين، وهذا على الأرجح لن يحدث”.

في رد على تقارير تحدثت عن دوريا مسلحة للمستوطنين اليهود، قال الكولونيل ياريف بن عزرا، قائد منطقة يهودا، أنه ستتم مصادرة أية أسلحة تابعة للجيش الإسرائيلي تقوم قوى الأمن بالعثور عليها في دوريات مدنية.

وقال المسؤول العكسري إن الجيش يحاول تجنب حوادث إطلاق نار صديقة، وقال، “إذا كانوا يريدون القيام بدوريات في مركباتهم دون إتخاذ أية إجراءات، فبكل تأكيد هذا مقبول. ولكن لا يمكننا السماح لأشخاص بأخذ زمام المباردة بأسلحة خاصة بهم. سينتهي ذلك بكارثة”.