منذ أكثر من شهرين، يقوم الفلسطينيون في قطاع غزة بإطلاق الطائرات الورقية وبالونات أعياد الميلاد وواقيات ذكرية منفوخة إلى داخل إسرائيل، معتمدين على النسيم الساحلي المتوسطي اللطيف لدفعها عبر الحدود.

على الرغم من أنها تبدو سخيفة، فهذه الأسلحة ليست بطرفه.

معظمها تحمل أكياسا من الشبك المعدني التي تحتوي على قطعة فحم مشتعلة أو قطعة قماش مبللة بالنفط، وهو ما أدى إلى إشعال مئات الحرائق في جنوب إسرائيل، التي أتت على آلاف الفدادين من الأرض وتسببت بأضرار بملايين الشواقل.

عدد أقل من هذه الأسلحة يحمل عبوات ناسفة، التي يبدو أنها لم تتسبب بوقوع إصابات بسبب التحذيرات المتكررة من الشرطة والمسؤولين المحليين بعدم الاقتراب منها.

المتحدث بإسم الجيش الإسرائيلي، يوناتان كونريكوس، قال للصحافيين يوم الأربعاء: “هذه ليست بألعاب، إنها أسلحة تهدف إلى القتل وإلحاق الضرر”.

الطائرات الورقية كلها مصنوعة يدويا تقريبا. ثلاث قطع خشبية متقاطعة، مربوطة بواسطة سلك معدني في الوسط، لتعطي إطارا سداسي الشكل، المغطى بقطعة من الأغطية البلاستيكية.

تأتي البالونات في نوعين رئيسيين: بالونات أعياد ميلاد وواقيات ذكرية منفوخة.

بالون مفخخ تم إطلاقه من قطاع غزة إلى داخل الأراضي الإسرائيلية في 15 يونيو، 2018. (الشرطة الإسرائيلية)

ما يضيف إلى هذه العبثية، هو أن الكثير من بالونات أعياد الميلاد تحمل عبارات مثيرة للسخرية في ظل هذه الظروف.

على أحد البالونات الذي كان يحمل عبوة ناسفة صغيرة وسقط على شارع سريع في جنوب إسرائيل في الأسبوع الماضي كُتب “I ♥ you”. هذا البالون تسبب بتعطيل حركة السير حتى قام خبراء متفجرات تابعين للشرطة بتفكيك العبوة الناسفة تحت ظروف خاضعة للمراقبة.

في حالتين على الأقل، سقط بالونان حملا عبارة “حبيبي” باللغة العربية، في جنوب إسرائيل – أحد هذين البالونين سقط في قطعة أرض خالية، والآخر وسط حقل فول سوداني. في هذه الحالات أيضا،  تم استدعاء خبراء المتفجرات.

استخدام الواقيات الذكرية يطرح السؤال حول مصدرها.

فلسطينيون يستعدون لتعببئة واق ذكري بالهيليوم، لربطه بعد ذلك بمواد حارقة سيتم تطييرها إلى داخل إسرائيل بالقرب من حدود غزة شرقي مدينة رفح في جنوب قطاع غزة، 17 يونيو، 2018. (Abed Rahim Khatib/Flash90)

بشكل عام يتم تزويد الواقيات الذكرية في غزة إما من خلال منظمات فلسطينية محلية أو عبر برامج دولية. (منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة لا تقوم بتزويد أو توزيع واقيات ذكرية في قطاع غزة، كما جاء على لسان متحدث باسم المنظمة).

عادة، يتم إطلاق بالون وحيد عبر الحدود، يكون محملا بمواد حارقة أم عبوة ناسفة صغيرة. لكن كانت هناك حالات أيضا شهدت إطلاق عدد من البالونات التي تم ربطها معا لحمل حمولة أثقل.

بالون يحمل كلمة ’حبيبي’ ومحمل بعبوة ناسفة سغيرة هبط في حقل في جنوب إسرائيل، 19 يونيو، 2018. (المجلس الإقليمي إشكول)

تشكل هذه الأساليب البسيطة للغاية والرخيصة تحديا كبيرا للجيش الإسرائيلي.

استخدم الجيش الطائرات المسيرة وغيرها من الحلول عالية التقنية والتي كانت لديها بعض الآثار الايجابية، لكن الطائرات الورقية والبالونات لا تزال تصل إلى إسرائيل.

وزارة الدفاع هددت بتقييد إمدادات الهيليوم إلى قطاع غزة، الذي من المفترض استخدامه للمساعدة في تشغيل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI).

مؤخرا، تحول الجيش إلى استخدام الردع – ليس من خلال وقف الطائرات الورقية والبالونات بحد ذاتها، وإنما عن طريق محاولة جعل الفلسطينين  يتوقفون عن إطلاقها.

على مدى الأسبوعين الماضيين، بدأ الجيش الإسرائيلي بإطلاق طلقات تحذيرية باتجاه مطلقي الطائرات الورقية والبالونات، وعلى الخيام والسيارات التي يستخدمونها.

بعد فشل هذه الطريقة في تحقيق نتائج، حول الجيش تركيزه إلى حركة حماس الحاكمة لغزة.

غزيون يعدون بالونات محملة بمواد حارقة لإطلاقها باتجاه إسرائيل، عند حدود غزة في البريح بوسط قطاع غزة، 14 يونيو، 2018. (AFP/ MAHMUD HAMS)

لا يعتقد الجيش بأن حماس هي من يقف وراء هذه الطائرات الورقية والبالونات، ولكنه يقول إن الحركة تدعم هذه الأنشطة وبكل تأكيد لا تعمل على منعها.

وقال كونريكوس: “نرى جهدا تقوم به حماس لتشجيع وتعزيز إنتاج وإطلاق هذه الطائرات الورقية”.

وأضاف: “قد يكون ذلك بدأ بصورة تلقائية، ولكن حماس رأت الأضرار التي تسبب بها على الجانب الإسرائيلي، وقامت بوضع هذا الجهد الهجومي تحت سيطرتها وعملت بشكل نشط على تشجيعه”.

محتجون فلسطينيون يحملون بالونات قبل إطلاقها مع مواد حارقة باتجاه إسرائيل، عند حدود غزة-إسرائيل في وسط قطاع غزة، 14 يونيو، 2018. (AFP PHOTO / MAHMUD HAMS)

يوما الإثنين والأربعاء، نفذ سلاح الجو الإسرائيلي سلسة من الغارات الجوية فجرا ضد مواقع لحماس في القطاع الساحلي في محاولة لإجبار حماس على إقناع الغزيين بالتخلي عن هذه الأنشطة.

ولم يتضح على الفور ما إذا كان هذا التكيك الإسرائيلي الجديد سينجح. بقية يوم الإثنين، في أعقاب الغارات الجوية، شهد بالفعل انخفاضا في عدد الأجسام الحارقة التي تم إطلاقها إلى داخل إسرائيل، لكن الفلسطينين عادوا إلى استخدامها أخرى في اليوم التالي. وفي فجر الثلاثاء-الأربعاء، دفع إطلاق الطائرات الورقية والبالونات الجيش الإسرائيلي إلى شن غارات جوية جاء الرد عليها بإطلاق 45 صاروخا من غزة إلى إسرائيل في ساعات الفجر.

محتجون فلسطينيون يعدون بالونات محملة بمواد حارقة لإطلاقها باتجاه إسرائيل، عند حدود غزة إسرائيل في البريج، وسط قطاع غزة، 14 يونيو، 2018. (AFP/Mahmud Hams)

حتى كتابة هذه السطور، من السابق لأوانه معرفة ما إذا كانت الغارات الجوية التي نُفذت يوم الأربعاء ستثبت فعاليتها أكثر.

في هذه الأثناء، بدأ السياسيون الإسرائيليون بجدل علني حول مزايا وقانونية قيام الجيش الإسرائيلي باستهداف مطلقي الطائرات الورقية والبالونات، بدلا من إطلاق الطلقات التحذيرية بالقرب منهم.

الجنرال السابق في الجيش الإسرائيلي يوآف غالانت، المعروفة بمواقفه الصقورية عادة، تحدث ضد إطلاق النار على مطلقي الطائرات الورقية، حيث أن الكثير منهم صغار السن.

وقال غالانت، وهو وزير الإسكان حاليا وعضو في حزب “كولانو” والقائد الأسبق للمنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي، لموقع “واينت” الإخباري: “يمكن أن يؤدي نقص الخبرية في القوة إلى سُكر القوة. سيكون إطلاق النار على طفل يبلغ من العمر ثمانية أعوام، وبالتأكيد بطريقة متعمدة، خطأ فادحا”.

وزير التربية والتعليم نفتالي بينيت (البيت اليهودي) رد على تصريحات غالانت على تويتر، وقال إن استخدام القوة الفتاكة هو أمر مشروع في هذه الحالة.

وقال بينيت: “إذا قام أحدهم بإطلاق النار على عائلتك، تطلق عليه النار… إذا قام أحدهم بإرسال بالونات حارقة ومتفجرة، تطلق النار عليه. هذا أمر واضح للغاية لدرجة أجد فيها صعوبة في تصديق أنني بحاجة إلى تفسيره”.

وقام بينيت في وقت لاحق بنشر صور على منصات التواصل الاجتماعي لمجموعة فلسطينيين شاركت في إطلاق بالونات حارقة، وكتب معلقا “هؤلاء ليسوا بأطفال في الثامنة من العمر. إنهم يحاولون قتل أطفالنا الذين يبلغون من العمر ثماني سنوات”.

في غضون ذلك، واصل الجيش إطلاق الطلقات التحذيرية باتجاه الأشخاص الذين يقومون بإطلاق الطائرات الورقية والبالونات.

مساء الأربعاء، أطلقت طائرات إسرائيلية النار على مجموعتين من الفلسطينيين الذين قاموا بإطلاق بالونات وطائرات ورقية حارقة باتجاه إسرائيل – بهدف تحديرهم وليس إصابتهم.