قبل نحو شهر، قام رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، الجنرال محمد حسين باقري، بزيارة غير عادية إلى دمشق. وكان القصد من هذه الزيارة عرض الصداقة السورية-الإيرانية، في تعبير عن التعاون الممتاز بين الشريكين في الحرب التي طال أمدها ضد مقاتلي المعارضة وتنظيم “الدولة الإسلامية”.

وكلف باقري نفسه عناء الإعلان عن أن هدف زياته هو تعزيز التنسيق في الحرب ضد “الأعداء… سواء كانوا الصهاينة أو الإرهابيين”. وأضاف أنه ونظيره السوري، الجنرال عبد الله أيوب، قد رسما “المبادئ الأساسية لهذا التعاون”.

ومع ذلك، من وجهة النظر الإيرانية، فإن زيارة باقري إلى العاصمة السورية لم تكن ناجحة. دمشق لم تبدي حماسا في تحقيق قائمة المطالب التي أعادت إيران التأكيد عليها مرة أخرى: ايجار لمدة 50 عاما لقاعدة بحرية في البحر الأبيض المتوسط، وإنشاء قواعد جوية على الأراضي السوري، وامتيازات لتعدين الفوسفات بما في ذلك لليورانيوم، وما إلى ذلك.

مقاتل موال للنظام يرفع إشارة النصر في 21 أغسطس، 2016، وهو يستقل دبابة في حي غويران في مدينة الحسكة شمال شرق سوريا، حيث كانت تتقدم القوات الكردية. (AFP/STR)

مما لا شك فيه أن سوريا لم ترفض المطالب الإيرانية صراحة، ولكن، وفي خطوة مفاجئة كما يرى مراقبون إسرائيليون، وضحت أنها تفضل التقدم ببطء وحذر عندما يتعلق الأمر بالخضوع للاحتضان الإيراني.

هناك عدد من الأسباب التي تقف وراء حذر الرئيس السوري بشار الأسد في وجه المطالب الإيرانية. حبه لإسرائيل ليس واحدا منها.

هذا لا يعني أن الرئيس السوري طور فجأة عمودا فقريا أمام داعميه الإيرانيين. لكن الأسد يدرك كما يبدو أن احتضانا قويا من طهران قد يكلفه ثمنا باهظا – سواء من حيث عدوه إسرائيل وكذلك من حيث حليفه الأقوى، روسيا.

لطهران كان هناك سبب وجيه يدفعها للتأمل بأن الأسد سيعطي الضوء الأخضر لقائمة المطالب الطويلة التي عرضتها في الأسابيع الأخيرة في دمشق. في العديد من النواحي، يدين الأسد ببقائه للإيرانيين وحلفائهم، منظمة “حزب االله”. خلال سنوات المعارك الستة في الحرب الأهلية السورية قُتل العشرات وإن لم يكن المئات من الجنود الإيرانيين، بالإضافة إلى نحو 2,000 من عناصر “حزب الله”، الذي يحصل على معظم تمويله من طهران. هذا بالإضافة إلى الجهود التي بذلها آلاف المقاتلين الشيعة الذين تم إرسالهم إلى سوريا من قبل إيران ومرتزقة جاءوا من العراق، مثل أعضاء ميليشيا “النجباء”، ومن باكستان وأفغانستان.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرحب بالرئيس السوري بشار الأسد في الكرملين في موسكو، 20 اكتوبر 2015 (ALEXEY DRUZHININ / RIA NOVOSTI / AFP)

على الرغم من أن المطالب الإيرانية قد تبدو منافية للعقل بالنسبة لآذان إسرائيلية، لكنها قد تبدو معقولة تماما عندم ينظر المرء إلى ما نجح الروس في الحصول عليه من الأسد، بما في ذلك قاعدة بحرية في البحر الأبيض المتوسط وقاعدة جوية وأكثر من ذلك.

بالنظر إلى كل هذه العوامل، من المنطق أن يرى المسؤولون في طهران بمطالبتهم بمناقصات هواتف خلوية وامتيازات فوسفات أو قاعدة بحرية في البحر الأبيض المتوسط على أنها معقولة تماما.

لكن الإيرانيين لم يأخذوا في الحسبان على ما يبدو حقيقة أن الأسد يدين بالقدر نفسه، وربما أكثر، لموسكو. وفي حين أن لروسيا وإيران مصلحة مشتركة في بقاء الأسد، فإن مصالحهما تتناقض عندما يتعلق الأمر بدرجة النفوذ الذي يمكن أن يُسمح لطهران به في سوريا. يُنظر إلى النفوذ الإيراني في كثير من العواصم من حول العالم على أنه عنصر مزعزع للاستقرار في المنطقة – وبالتالي فهو تهديد غير مباشر على بقاء الأسد.

سوريون يلوحون بأعلام سوريا وأعلام حزب البعث في أحد الملاعب ومن فوق رؤوسهم تحلق مروحية روسية الصنع من طراز Mi-24 في جنازة العميد عصام زهر الدين، في مدينة السويداء جنوب سوريا، 20 أكتوبر، 2017. (AFP/Stringer)

أثار الثمن الذي دفعته إيران بالدماء والأموال نقاشا معقدا حول المسألة السورية في طهران. يرى الإيرانيون أن دخولهم إلى الحرب الأهلية هدف أولا وقبل كل شيء إلى ضمان بقاء حليف لهم. ولكن مع مرور الوقت وارتفاع حصيلة القتلى والنفقات، طور الإيرانيون شهية لإيجاد سبل يمكن من خلالها استخدام بقاء الأسد ليخدم مصالح إيرانية إضافية – وليس روسية أو علوية فقط.

في غضون ذلك يرى قادة الحرس الثوري الإيراني في ختام الحرب السورية فرصة لمرة واحدة لإنشاء جسر بري إيراني من طهران إلى البحر الأبيض المتوسط. من جهة أخرى، يحض معسكر الرئيس الإيراني حسن روحاني على اتباع نهج أكثر حذرا. يرى حلفاؤه أن التدخل الإيراني المفرط في الأزمة السورية قد يعيد بالمجتمع الدولي إلى نقطة الصفر من جديد حول التأثير السلبي لإيران في المنطقة، و قد يمس حتى بالاقتصاد الإيراني من خلال فرض عقوبات اقتصادية جديدة.

في الوقت الراهن، يبدو أن وجهة نظر الحرس الثوري الإيراني هي المسيطرة. إن الجهود التي تبذلها طهران لاستيعاب سوريا بالكامل في مجال النفوذ الإيراني مستمرة على قدم وساق، وحتى أنها تتسارع. أحد المعاقل الأخيرة الذي لا يخضع للنفوذ الإيراني المباشر يقع على الجانب الشرقي من سوريا، حيث لا تزال المعارك مستمرة بين “داعش” والقوات السورية الديمقراطية (معظمها من الأكراد المدعومين من الولايات المتحدة) وميليشيات شيعية والجيش السوري. إذا قام الأمريكيون بتقليص وجودهم هناك، قد يتمكن الإيرانيون أخيرا من الحصول على الجسر البري الذي انتظروه طويلا.

ومع هذا، حتى لو حدث ذلك، يدرك الأسد، مثل حلفائه في موسكو، من رسائل تم تمريره بصورة مباشرة وغير مباشرة من قبل إسرائيل بأن الاستجابة تماما للضغوط الإيرانية قد يؤدي إلى تصعيد وحتى إلى حرب مع الدولة اليهودية.

طائرات حربية روسية في قاعدة حميميم الجوية في محافظة اللاذقية السورية، 16 فبراير 2016 (AFP/STRINGER)

وقد سبق وانتقدت إسرائيل إنشاء مرافق لتصنيع الصواريخ في سوريا واعتبرتها تطورا غير مقبول. إذا كانت مصلحة روسيا العليا في سوريا هي ضمان بقاء الأسد، فهي تدرك أنه قد يكون من الضروري الحد من النفوذ الإيراني إلى الحد المطلوب لمنع إسرائيل من التدخل مع تصاميمها الخاصة بها.

وفي الوقت نفسه، لا يبدو أن إسرائيل تعتقد بأن حسن نية الأسد كاف لضمان عدم حدوث ذلك. إن الأسد بحاجة إلى الإيرانيين، وحتى لو كان غير راغب في تحقيق رغباتهم، لكن من المؤكد مع ذلك أنه سيقدم لهم الكثير.

فلقد سبق وسمح باستخدام الأراضي السورية لأنشطة معادية لإسرائيل بكل وضوح، ومنح “حزب الله” وميليشيات شيعية آخرى الحق في العمل في أراضيه، وأعطاهم حرية الوصول إلى عتاد حربي، وغير ذلك. في غضون ذلك، تستغل الميليشيات الشيعية بصورة علنية هذا السخاء لبناء قدرات ضد إسرائيل على الأراضي السورية، مع التركيز على تطوير أصول عسكرية في الجولان السوري بصورة من شأنها تهديد إسرائيل – وهو نشاط يحمل معه تهديدا حقيقيا بحصول تصعيد.

مؤخرا، قام ممثلون من ميليشيات شيعية مختلفة (الفاطميون والحيدريون والزينبيون) بزيارة إلى لبنان. ما الذي يدفع قادة من العراق البعيدة ودول شرق أوسطية أخرى إلى زيارة هذا البلد؟ الجواب الأكثر احتمالا هو أيضا الأكثر وضوحا: لنفس السبب نفسه الذي يقف وراء حرصهم على ترسيخ وجود لهم في هضبة الجولان.

في الأسبوع الماضي، أعلن المتحدث باسم حركة “النجباء” (اسم آخر للميليشات الشيعية العراقية التابعة لإيران)، هاشم موسوي، عن أن حركته تخطط لإنشاء لواء “تحرير الجولان السوري”، وإن الخطوة تأتي بالتنسيق مع الحكومة السورية. وتوعد أنه إذا قامت إسرائيل بشن حرب على لبنان، فإن عناصر اللواء سينضمون إلى القتال ضد إسرائيل إلى جانب “حزب الله”. على الرغم من كل حذره، قد يكون الأسد في طريقه إلى تدخل إسرائيلي.

.