قبل حوالي ثلاثة اشهر، غادرت مجموعة شبان بحسب الافتراض مستوطنة ريحليم في شمال الضفة الغربية ليلة الجمعة وتوجهوا نحو مفرق تابوح المجاورة، احدهم القى حجرا كبيرا اخترق زجاج سيارة فلسطينية عابرة، واصاب عائشة الرابي برأسها، ما ادى الى مقتل السيدة الفلسطينية البالغة 47 عاما وأم لثمانية اطفال.

والمتهمون هم طلاب في معهد “بري هآرتس” الثانوية الدينية، والتي اقيمت قبل ثلاث سنوات في ريحليم. ولكن يقول سكان المستوطنة، والمقربين منها أن ريحليم منفصلة عن المدرسة الداخلية الواقعة داخلها.

“سمحنا لهم بإقامة اليشيفا (معهد ديني) هنا، ولكن هذه ليست يتسهار”، قال اياشيف مارك (31 عاما)، من سكان المستوطنة، متطرقا الى مستوطنة مجاورة تعتبرها المنظمة الامنية الإسرائيلية بؤرة تطرف.

سيارة زوجين فلسطينيين بعد تعرضها لحادث طرق جراء إصابتها بحجر يُشتبه بأن مستوطنين إسرائيليين قاموا بإلقاء في مفرق ’تبواح’ في شمال الضفة الغربية، 12 أكتوبر، 2018.
(Zachariah Sadeh/Rabbis for Human Rights);
في الصورة الصغرى: عائشة طلال الرابي. (Courtesy)

“لا زلنا ايدولوجيين جدا ونؤمن انه لا يجب المساومة بأمر الاستيطان في ارض اسرائيل، ولكننا أيضا ننتمي اكثر للتيار السائد”، قال مارك خلال مكالمة هاتفية يوم الإثنين مع تايمز أوف اسرائيل. “لا أحد هنا يحاول تبرير العنف”.

وقال شبتاي بنديت، أحد مؤسسي ريحليم، أن المستوطنة اقيمت عام 1991 بشكل مشابه لبؤر استيطانية أخرى.

“خلقنا الحقائق على الأرض بدون موافقة الحكومة وعملنا للحصول على الموافقة بعد ذلك”، قال بنديت، الذي غادر المستوطنة قبل حوالي عقد ويعمل الآن كمدير طاقم “مراقبة المستوطنات” في جمعية “السلام الآن” اليسارية.

ومعلقا على اعتقال خمسة طلاب من “بري هآرتس” الأسبوع الماضي، قال بنديت أنه لا شك لديه بأنهم “تأثروا من اليشيفا أكثر من المستوطنة”.

وقال مارك انه “صدم”، وكذلك أيضا جيرانه، عندما سمعوا الإدعاءات حول مقتل الرابي.

“ولكن بدون التوصل الى استنتاجات حول شرعيتها، علمنا أن المشتبه بهم سيكونون من اليشيفا، وليس من اطفالنا”، أضاف.

طلاب المعهد الديني ’بري هآرتس’ الدينية يرقصون خلال الصلاة داخل اليشيفا في مستوطنة ريحليم (Screen capture/YouTube)

وتوصل رئيس مجلس مستوطنة أخرى في شمال الضفة الغربية إلى الإستنتاج ذاته بخصوص سكان ريحليم. “قد يبدون ’كشبان التلال’، ولكنهم لا يتصرفون مثلهم”، قال، متطرقا الى الناشطين الشبان اليمينيين المتطرفين ذوي الضفائر الطويلة والكيباه الكبيرة الذين ينفذون احيانا هجمات ضد فلسطينيين وحتى قوات الجيش الإسرائيلي، بالإضافة الى مبادراتهم لإنشاء بؤر استيطانية خارج الخط الأخضر.

وتم افتتاح اليشيفا “بري هآرتس” في خريف عام 2016، ويحضرها حوالي 70 طالبا. وانشأ الحاخام يهودا ليبرمان، من سكان يتسهار وطلاب كلية “عود يوسف حاي” المتطرفة سابقا، المدرسة الداخلية.

وسعى ليبرمان لإنشاء برنامج ملائم للمراهقين “الذين قد يكونوا معنيين اقل بدراسة التوراة 24/7″، قال احد افراد تجمع ريحليم المحلي، بشرط عدم تسميته.

ويقول طالب يظهر في فيديو التجنيد للمدرسة أن اليشيفا توفر “دمج بين الحب لأرض اسرائيل، ارتباط بالصادقين، ولكن أيضا ارتباط ’ببيت مدراش’، مع رقص وصلوات”، مستخدما العبارة العبرية لمكان دراسة.

مستوطنة ريحليم (Samaria Regional Council)

ورفض مسؤولون في اليشيفا طلبات تايمز أوف اسرائيل للتعليق، وامر الحاخامات الطلاب عدم الحديث مع الصحافة.

“بينما أنشأ (ليبرمان) برنامج جدي وكثف، إلا أنه جذب ايضا بعض الشبان المهمشين الذين اعتبروا غير ملائمين لمعاهد جدية اكثر”، قال العضو في التجمع المحلي.

وأضاف أن السكان علموا بأمر امكانية انتقال شبان مضطربين الى ريحليم عندما قدم ليبرمان طلبه لإنشاء المدرسة الداخلية في ريحليم.

“اعترضت عدة عائلات بشدة على فكرة اليشيفا”، قال. “ولكن في نهاية الأمر، اعتقد الأغلبية انه يمكن لليبرمان مساعدة هؤلاء الشبان وصوتوا لقبول طلبه”.

ووافق سكان ريحليم على فترة تجريبية لمدة ثلاث سنوات وقرروا اقامة سكن الطلاب ومباني المدرسة في ضواحي المستوطنة من أجل تقليص التأثير على السكان.

مؤسس كلية ’بري هآرتس’ الدينية الحاخام يهودا ليبرمان (Screen capture/YouTube)

“بالإجمالي، وثق الناس بليبرمان”، قال مارك.

وكان الحاخام في الماضي شخصية “مهيمنة” في دوائر شبان التلال، قال بنديت.

ولكنه فقد مع الوقت شرعيته بين الناشطين اليمينيين الاكثر تطرفا. وفي عام 2014، قامت مجموعة شبان اسرائيليين من بؤرة استيطانية مجاورة ليتسهار بنهب قاعدة جرس حدود مجاورة، واشتبكوا مع جنود هدموا في وقت سابق مبنيان غير قانونيين.

“اعتقد الشبان أن ليبرمان حاول التوسط بينهم وبين الجنود، بدلا من دعمهم”، قال بنديت.

ووقتا قصيرا بعد الحادث، غادر الحاخام يتسهار وانتقل الى مستوطنة ميغداليم المجاورة.

ونظرا لعلاقته مع يتسهار، اضافة الى كونه مقدم في جيش الإحتياط، لا زال ليبرمان يعتبر في ريحليم شخصا “يوصل بين العالم المتطرف والعالم السياسي”، قال بنديت.

ولكن تم اختبار ثقة السكان بليبرمان بعد وقت قصير. في سبتمبر 2016، نشر موقع “والا” الاخباري فيديو يظهر طلاب “بري هآرتس” يلحقون الخراب بأرض زيتون فلسطيني مجاورة.

“كنا قلقين أن هذه بداية مشاكل عديدة، ولكن لم يحدث شيء منذ ذلك الحين”، قال العضو في التجمع المحلي.

الحاخام يتسحاك غيرنزبرغ (Kobi Gideon/FLASH90)

وبينما أقر مسؤول دفاع بأن “بري هآرتس” بقت بعيدة عن عناوين الصحف في السنوات الأخيرة، إلا انه قال أن ذلك لا يعني ان اليشيفا لم تعد تحت مراقبة منظمة الأمن.

“بعض الحاخامات والطلاب هناك يؤمنون بـ’تورات هاميليخ’” ادعى المسؤول، متطرقا الى كتاب صدر في كلية “عود يوسف حاي” في يتسهار الذي يدعي أن الشريعة اليهودية تشرع قتل غير اليهود في بعض الحالات.

وقال المسؤول أيضا أن الحاخام اليميني المتطرف من يتسهار يتسحاك غينزبرغ كان محاضرا ضيفا في “بري هآرتس” في العام الاخير.

ويتهم المنتقدون كتابات غينزبرغ – بما يشمل منشور يشيد بباروخ غولدستين، المستوطن الذي قتل 29 مصليا مسلما في مكان مقدس بالضفة الغربية عام 1994 – بتغذية الهجمات من قبل اليهود المتطرفين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية.

“نعارض هذه المعتقدات تماما والعديد منا انزعجنا عندما علمنا انه تم السماح لغينزبرغ دخول ’بري هآرتس’”، قال مارك.

ولكن قال بنديت أن ريحليم وحركة الاستيطان عامة تتحمل بعض مسؤولية العنف، الذي تفاقم مع مقتل الرابي في اكتوبر.

“لا أحد تقريبا يعتقد ان هذه الافعال مقبولة، ولكن هناك صمت عام حولها يمحها بعض الشرعية”، قال مؤسس ريحليم السابق الذي اصبح ناشطا في “السلام الآن”.

كلية ’بري هآرتس’ الدينية في مستوطنة ريحليم بالضفة الغربية، 8 يناير 2019 (Ofer Meir/Flash90)

“الرد ليس ’ما فعل هؤلاء الشبان؟’، بل انه ’لماذا يضايقوننا؟’” ادعى بنديت.

وعكست المشرعة من الليكود نافا بوكر هذه المشاعر، وكانت واحدة من اعضاء الحكومة القليلين الذين تطرقوا اصلا الى اعلان الشاباك يوم الاحد بأنه يشتبه بخمسة المعتقلين من طلاب “بري هآرتس” بالمشاركة بقتل الرابي في 12 اكتوبر.

“كل يوم يتم القاء الحجارة على السيارات في الضفة الغربية، وإن تتساءلون لماذا لا تسمعون عن ذلك، هذا بسبب كونه فلسطينيون يرشقون اليهود بالحجارة”، كتبت عضو الكنيست نافا بوكر بتغريدة شبهت فيها الشاباك بالمخابرات السوفياتية بسبب معاملته للمشتبه بهم.

وادعى محامو الشبان انه تم التحقيق بعنف مع موكليهم خلال الاسبوع الاخير. وفي يوم الثلاثاء، سمح لاثنين من المشتبه بهم، الذين اعتقلوا في جولة الاعتقالات الثانية في قضية مقتل الرابي، باللقاء بمحامين لأول مرة. وثلاثة المشتبه بهم الاخرين الذين اعتقلوا في 30 ديسمبر التقوا بمحامي بعد حوالي اسبوع.

اشتباك ناشطون يمينيون مع الشرطة خارج جلسة استماع في المحكمة في ريشون لتسيون، حول مسألة المشتبه بهم اليهود في تحقيق أمني كبير وتفاصيله تحت أمر منع النشر في 31 ديسمبر، 2018. (Flash90)

ويسمح القانون الإسرائيلي للسلطات تأجيل زيارة محامي لمشتبه بهم بالإرهاب لمدة 21 يوما – مع امكانية الالتماس على القرار. وقررت محكمة ريشون لتسيون المركزية يوم الاحد تمديد اعتقال خمسة المشتبه بهم حتى يوم الخميس.

ومع انتهاء التحقيقات الاولية، يتوقع توضيح ما ينتظر الطلاب في الأيام القريبة.

والاحداث تأتي بينما تتهيأ ريحليم لتباحث تمديد عقدها لثلاث سنوات مع “بري هآرتس”.

“بالتأكيد قرار المحكمة بخصوص دور الشبان في القضية سيكون عاملا هاما في قرار بقاء اليشيفا”، قال العضو في تجمع ريحليم المحلي.