إذا تم إجراء إنتخابات في الأراضي الفلسطينية اليوم، فليس من الصعب التكهن بأن حماس ستحقق فوزا ساحقا. حتى قبل إندلاع موجة العنف الأخيرة، أظهرت إستطلاعات رأي هبوطا حادا في شعبية حركة فتح وقائدها، رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. إذا استطاعت حماس الآن تجنب جولة جديدة من العنف مع إسرائيل في غزة، فإن شعبيتها ستستمر في الإزدياد.

حماس لم تبادر للموجة الحالية من الأعمال العدائية، ولكن العنف بكل تأكيد يساعد مصالحها. الإرهاب وارتفاع عدد الضحايا بين الإسرائيليين والفلسطينيين يعزز من دعم التطرف على الجانبين، وخاصة على الجانب الفلسطيني. الرأي العام الفلسطيني سئم من إستراتيجية السلطة الفلسطينية في التفاوض مع إسرائيل، ويريد العمل. نظرة خاطفة على مواقع التواصل الإجتماعي تبين الإتجاه الذي تهب فيه الرياح: دعوات صريحة للمس بعباس تظهر بشكل علني على صفحات الفيسبوك لرجال ونساء فلسطينيين، ليسوا إسلاميين بالضرورة. هذا لم يحدث في السابق.

على عكس السلطة الفلسطينية التي تحافظ على التنسيق الأمني مع إسرائيل وتحاول إبعاد المحتجين الفلسطينيين عن نقاط الإحتكاك مع الجيش الإسرائيلي، تقوم حماس بتشجيع الحشود في الضفة الغربية (من قاعدتها في غزة) على الإنضمام إلى إنتفاضة ثالثة. (بالمناسبة، حماس، على عكسنا نحن المحللين، متأكدة من أن الإنتفاضة الثالثة قد بدأت).

حتى اليوم، من غزة، نجحت حماس بذكاء وضع نفسها كمن انضمت إلى الإحتجاجات في الضفة الغربية من دون أن تعرض مصالحها الخاصة للخطر. حماس تقوم أيضا بالدفع باحتجاجات الشبان الفلسطينيين على السياج الحدودي بين غزة وإسرائيل وهي تدرك أن ذلك سيكلفهم حياتهم. خلال نهاية الأسبوع قُتل 9 غزيين، ولكن هذا العدد لا يقارن بأكثر من 2,000 قتيل في الحرب التي وقعت في صيف 2014. في الوقت نفسه، تمارس حماس ضغوطا على الفصائل الأخرى في غزة حتى لا تقوم بإطلاق صواريخ أو تنفيذ هجمات من القطاع، بالتالي تنجح في التقليل من إحتمال إندلاع جولة أخرى من القتال العنيف مع إسرائيل.

هل ستنجح حماس في الحفاظ على هذا التوازن لوقت طويل – تشجيع الإحتجاج “الشعبي” في الضفة الغربية من دون الإنجرار إلى حرب؟ من الصعب معرفة ذلك. مقتل أم فلسطينية وطفلتها في الليلة الفائتة خلال رد إسرائيلي ليلة السبت على إطلاق صواريخ قد يعقد الأمور. المجموعات السلفية التي قامت بإطلاق صواريخ يومي الجمعة والسبت ستقوم بمحاولة إطلاق المزيد في الأيام القادمة. حركة الجهاد الإسلامي تقوم بالتنسيق مع حماس ولكن ذلك، وبتشجيع إيراني، قد يتغير: قد تسعى إلى “لفت الأنظار” عن حماس والبدء بإطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل. تطور كهذا من شأنه أن يلفت النظر عن الضفة الغربية ويضع حماس أمام معضلة عسكرية.

في الوقت نفسه، تجدد الآن الحديث عن مصالحة فلسطينية داخلية وتفاهمات جديدة بين حماس والسلطة الفلسطينية. من المفترض أن يقوم وفد تابع للسلطة الفلسطينية بالسفر إلى غزة هذا الأسبوع لمناقشة ذلك، في حين أنه من المتوقع أن يبدي عباس مرونة أكبر من تلك التي أبداها في الماضي حول شروط إتفاق الوحدة.

في هذه الأثناء في الضفة الغربية، خفت حدة الإحتجاجات قليلا، على الأقل حتى كتابة هذه السطور. بعد يوم جمعة عاصف، شهد يوم السبت تظاهرات أصغر وأكثر إعتدالا. في رام الله ونابلس ومناطق أخرى شمال الضفة الغربية، كانت الصورة أبعد ما يكون عن الإنتفاضة، ويعود ذلك في جزء منه إلى أنشطة السلطة الفلسطينية. التركيز الأكبر للإحتجاجات يوم السبت كان في الخليل، التي تُعتبر منذ فترة طويلة معقلا لحماس.

ولكن التظاهرات الشعبية الرئيسية تجري حاليا داخل إسرائيل، في صفوف العرب مواطني الدولة. والمستفيد الرئيسي هو الشريك القديم لحماس وحركة الإخوان المسلمون، الشيخ رائد صلاح والجناح الشمالي للحركة الإسلامية في إسرائيل التي يرأسها. لسنوات يحاول الشيخ صلاح إستغلال الحرم القدسي لتأجيج الشارع العربي الفلسطيني، ونجح بذلك أخيرا. “حامي الأقصى”، كما يُلقب صلاح، يواصل التحذير من خطط اليهود المزعومة للمس بالمسجد، متعهدا بأنه سيقوم بكل شيء ل”حمايته”. أنشطته منتشرة حاليا في كل مكان في المدن والقرى العربية، ونجحت في إثارة الإحتكاك مع إسرائيل.

حتى بعد هذا الأسبوع العاصف، ما زال من غير الواضح ما الذي سيحصل بعد ذلك. من المتوقع إستمرار الهجمات “العشوائية” التي يقوم بها أفراد، ومن المرجح أن تخف حدة الإحتجاجات في الضفة الغربية. تظهر إسرائيل علامات على رغبتها بمبادرة دولية للمساعدة في إنهاء هذه الجولة مع العنف، وربما سيحدث ذلك عندما يقوم أعضاء من اللجنة الرباعية الدولية بجولة مكوكية بين رام الله والقدس يومي الأربعاء والخميس. بالنسبة لعباس أيضا يبدو الوضع الحالي مقلقا، لأنه قد يخرج بسهولة عن السيطرة.

مع ذلك، في الوقت الحالي، قد يكون عباس متمتعا برؤية العرق على وجة رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو، وقد يعتقد أن تنياهو سيظهر الآن مرونة أكبر فيما يتعلق بإتخاذ خطوات ملموسة قد تساعد في تعزيز مكانة عباس في الأراضي الفلسطينية. الخطوة الأولى التي من شأن عباس ان يطالب بها هي تحرير أسرى أمنيين عرب ألغت إسرائيل الإفراج عنهم في ربيع 2014 عند إنهيار المحاولة الأخيرة من المفاوضات.