قبل عام انتهت أعمال بناء أول 700 وحدة سكنية للمدينة الفلسطينية حديثة، روابي التي تقع شمال رام الله. ولكن حتى الآن لم ينتقل أي من اصحاب الشقق للعيش في المنازل التي اشتروها، لأنه لم يتم وصل مدينة روابي مع شبكة المياة حتى الآن.

والسبب؟ يبدو أن حكومة إسرائيل تعمل على تأخير وصل المدينة بشبكة المياه. لماذ؟ من الصعب تفسير ذلك.

للوهلة الأولى، يقول المنطق أن دخول السكان إلى روابي سيخدم الجميع: الفلسطينيون والإسرائيليون، حتى لو كان الحديث يدور عن يمينيين أو حتى مستوطنين. تفسير ذلك بسيط. تم بناء هذه المدينة وفقا لمعايير عالية مقارنة بأي مدينة أخرى في الضفة، وأيضا مقارنة بمدن في إسرائيل. مستوى المعيشة المخطط فيها سيكون أعلى من المعدل في الضفة الغربية. على الأقل نظريا، فإن الفلسطينيين الذين سينتقلون للسكن فيها لن يرغبوا بأن يكونوا جزءا من أي صراع عنيف مع إسرائيل، وبكل تأكيد لا يريدون أن يكونوا جزءا من انتفاضة.

ستوفر هذه المدينة، ووفرت، آلاف الوظائف التي ستبعد العمال عن دائرة العنف. من هنا كلما زاد عدد الفلسطينيين الذين سينتقلون للعيش هناك، فإن خطر صراع واسع النطاق في الضفة سيصبح بعيدا أكثر. بالنسبة للفلسطينيين الذين قاموا بشراء شقق في المدينة، فمن الواضح أن الإنتقال لروابي سيحسن من مستوى معيشتهم وسيعود عليم بالفائدة الإقتصادية.

ولكن يبدو أن صناع القرار في إسرائيل لا يرون الأمور بهذه الطريقة.

على مدى سنوات طويلة أخر وزير الدفاع موشيه يعالون المصادقة على ربط روابي بشبكة المياه، لأنه أراد أن توافق لجنة المياة الإسرائيلية-الفلسطينية المشتركة على مدها بالمياه فقط في حالة تزويد عدد من المستوطنات بالمياه. أي أن يتم تنظيم قطاع المياه الإسرائيلي-الفلسطيني بطريقة لن تتسبب بمشاكل لإسرائيل في المستقبل.

بالنسبة للفلسطينيين لم يكن الأمر مقبولا. في نظرهم مجرد عقد اللجنة (في فترة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نتنياهو) يعني أن إسرائيل تحاول ابتزاز السلطة الفلسطينية للحصول على شرعية لتزود المستوطنات بالمياه من خلال روابي.

يُحسب لوزير الدفاع أنه في نهاية المطاف اقتنع بضرورة إنتقال السكان إلى المدينة وصادق قبل ثلاثة أسابيع على ربط روابي بشبكة المياه التابعة لشركة “مكوروت” الإسرائيلية. وبالفعل قام منسق أنشطة الحكومة في الأراضي الفلسطينية، اللواء يوآف مردخاي، الذي يُعتير صاحب السيادة في الضفة الغربية بنظر الحكومة، بطلب تنفيذ المشروع بأسرع وقت ممكن.

من البداية كان مردخاي من أول المؤيدين لربط المدينة بشبكة المياه، بالأخص لوجود مصلحة أمنية لدولة إسرائيل في ذلك. ولكن عندها قرر سياسي آخر التدخل في الموضوع، وهو وزير البنى التحتية سيلفان شالوم المسؤول عن المياه في إسرائيل والمصادقة على ربط روابي لشبكة المياة تنتظر توقيعه.

عمليات البناء في مدينة روابي 23 فبراير 2014 (فلاش 90)

عمليات البناء في مدينة روابي 23 فبراير 2014 (فلاش 90)

جولة في المدينة العصرية

هناك الكثير من الأشياء الرائعة في هذه المدينة، بدأ من مستوى التصميم والدقة في كل شيء تم تشييده هنا. مثل المسرح الرائع الذي تم بناؤه لإستقبال العروض والحفلات الموسيقية ويتسع لحوالي 15,000 مشاهد.

هناك أيضا المناظر الطبيعية التي تظهر من كل زاوية في المدينة. ها هي أبراج “عازريئلي” في تل أبيب والشاطئ في إسرائيل، وكذلك موديعين ورام الله.

ولنتحدث ربما عن المركز التجاري الذي يتم بناؤه هذه الأيام وسيضم 7 دور سينما، بركة سباحة داخلية، مركز تجاري يذكر بـ”ماميلا” في القدس، مقاهي ومطاعم، ومحلات أزياء.

يقول نائب مدير الرئيس التنفيذي لروابي، أمير دجاني، نائب صاحب المشروع ورجل الأعمال، بشار المصري. “نريد وجهة سياحية جديدة. بدلا من الذهاب إلى البلدة القديمة في القدس أو في نابلس، أو السفر إلى يافا، سيقول الناس ’لنذهب إلى روابي’”.

بحسب المخططات سيكون هناك أيضا مركز ترفية وفندق يضم 250 غرفة وملعب لكرة القدم وألعاب القوى وثلاث مدارس وعيادة كبيرة.

ويضيف، “أحد أهدافنا هو دعم الإقتصاد الفلسطيني”، ويتابع قائلا: “لقد وفرنا هنا 8,000 فرصة عمل، من عمال نظافة وحتى مقاولين لمرحلة البناء. يوجد لدينا هنا مصنع طوب وأسمنت وحديد. وسنقوم بتوفير وظائف ثابتة لحوالي 3,000-5,000 شخص: معلمون وأطباء ورواد أعمال ورجال أعمال، سنقيم هنا حاضنة للتقنية العالية، سيكون لدينا مصدر لتجنيد كل هؤلاء الموظفين – جامعة بير زيت تبعد عن هنا حوالي خمس دقائق وجامعة النجاح في نابلس تبعد حوالي 25 دقيقة. ستتحول روابي إلى مغناطيس للرواد”.

بحسب دجاني تستهدف هدف هذه المدينة الأزواج الشابة من طبقة متوسطة مثقفة.

ويقول، “نحن نساهم هنا في بناء الدولة الفلسطينية. نريد بناء مدن جديدة ونجاح روابي سيؤثر طبعا على نجاح الإقتصاد الفلسطيني”.

عندما سُئل عن المدن الأخرى التي يجري العمل عليها، ابتسم دجاني وقال متهربا من السؤال بلباقة، “لنركز حاليا على نجاح روابي”.

مضيفا: “يدور الحديث هنا عن مشروع سيصنع التاريخ. ثلث المهندسين والمهندسين المعماريين لدينا من النساء. وهذا أمر غير مسبوق في المجتمع الفلسطيني والعربي. هذه تجربة رائعة بالنسبة لهن – تصميم وبناء مدينة تماما كما هو الأمر بالنسبة لكل واحد منا الرجال. وبدأنا هنا من الصفر – كان علينا التفكير بكل شي: البنى التحتية والإعلام والخدمات الطبية وخدمات الإطفاء والتعليم”.

ويتابع دجاني، “ستكون هذه مدينة صديقة للبيئة. نقوم بتدوير كل شيء. لن يكون هنا صحون لاقطة على الأسطح ولا خزانات مياه كالتي تراها في كل حي فلسطيني. ستعمل منظومة محوسبة على إعادة تدوير مياه الشرب وروي حدائق المدينة من مياه الشرب الزائدة. لقد قمنا بشراء قدرة إعادة تدوير تكنولوجية على أعلى مستوى”.

ويضيف، “ستكون هنا مواصلات عامة تسير على الكهرباء مجانا لسكان المدينة وسيُطلب فقط من الزائرين الدفع. نخطط أيضا لبناء منطقة صناعية لم نحصل بعد على تصريح عليها من الجانب الإسرائيلي ولكننا قمنا بشق الطرق إليها”.

الأسعار في روابي ليست بأسعار مرتفعة، حتى مقارنة برام الله أو بيت لحم. “الشقق البسيطة ستكلف هنا حوالي 80,000 دولار ويصل السعر إلى 200,000 دولار، يتعلق ذلك بالمساحة طبعا. حاليا المرحلة الأولى هي مبان على ارتفاع متوسط، في المرحلة القادمة، سيكون هناك أيضا بيوت بطابقين مع حديقة. في المجمل نحن نخطط لبناء 6,000 وحدة سكنية سيسكن فيها حوالي 25,000 شخص”.

وماذا بالنسبة لفيلات فخمة؟ “فيلات؟ لنتحدث أولا عن مياه الشرب، وبعد ذلك سنتحدث عن الفيلات؟”

أنابيت ولكن من دون مياه

بدأ مشروع روابي عام 2008. وكانت البداية مع شق بضعة طرق ترابية وببطء بدأت تظهر أمام الجيران من قرية عطارة ومستوطنة عاطرت، مدينة صغيرة ومرتبة.

ولكن يحاول صاحب المشروع المصري ونائبه دجاني منذ أربع سنوات الحصول على موافقة السلطات، الإسرائيلية والفلسطينية، على مد المدينة بالمياه.

يقول دجاني أن “مسألة المياه تلاحقنا مثل غيمة سوداء”.

نسير على خط طول المياه الذي أقاموه هو ورجاله داخل أراضي السلطة الفلسطينية (منطقة A) والمنطقة التي تقع تحت السيادة المدنية الفلسطينية (منطقة B). حتى الموقع الذي يتوقف عنده خط الأنابيب – حيث تصبح الأرض هنا بحسب الخرائط داخل منطقة C التي تقع تحت السيادة الإسرائيلية. هنا لم تسمح لهم السلطات الإسرائيلية بمواصلة عملهم.

“أنا بحاجة إلى أنبوب بطول 3.5 كيلومتر لأتمكن من الإرتباط بنقطة ’مكوروت’ في أم صفا. قمت بوضع أنبوب 2.4 كيلومتر في منطقة A و- B. ولكن ينقصني 1.1 كيلومتر من المفترض أن تمر في منطقة C”.

ويشير دجاني إلى خزان المياه الضخم الذي تم إقامته على بعد نصف كيلومتر من المدينة وسيعمل على مد الصنابير بالمياه.

“توجهنا في حينها إلى السلطة الفلسطينية للحصول على تصريح من الجانب الإسرائيلي بطريقة تضمن الحصول على مياه من مصدر مستقر وثابت، ولكن لم نحصل عليه حتى اليوم. لماذا؟ أنا لست بسياسي، أنا أعمل في مجال الإقتصاد”.

من المفترض أن تجتمع لجنة المياه المشتركة بحسب الإتفاقيات المؤقتة من عام 1995، للموافقة على تزويد المياه لمشاريع من هذا النوع، بما في ذلك مستوطنات. ولكن منذ 2010 يرفض الفلسطينينون عقد اللجنة لأنهم غير مستعدين للمصادقة على تزويد المستوطنات بمياه.

تجدر الإشاره إلى أنه لا يوجد حاليا أي تأخير في تزويد المستوطنات بالمياه – فشركة “مكوروت” تقوم بتزويد المياه لكل بيت يهودي قانوني في الضفة. ولكن كما ذكرنا سابقا فإن القادة السياسيين يخشون من تداعيات مستقبليه جراء عدم عقد اللجنة المشتركة على ضوء اتهامات فلسطينية بأن إسرائيل “تسرق” المياه من الضفة الغربية.

استكمال المرحلة الأولى من بناء روابي شكلت كما يبدو فرصة في نظر وزير الدفاع يعالون للوي ذراع السلطة الفلسطينية. لقد قام الوزير بتأخير المصادقة على ربط المدينة بشبكة المياه لإجبار السلطة الفلسطينية على الموافقة على عقد اللجنة المشتركة للمياه، والموافقة على تزويد المستوطنات وروابي بالمياه. المشكلة تكمن في أن السلطة رفضت أن تلعب هذه اللعبة.

اتضح أن روابي هي ملعب سياسي أيضا في نظر السياسيين الفلسطينيين، أو بكلمات أخرى، لا يهم السلطة كثيرا تأخير هذا المشروع الهائل، ويعود ذلك من بين أسباب أخرى إلى أن الحديث يدور عن مشروع خاص لرجل أعمال لا ينتمي للمنظومة السياسية الفلسطينية الفاسدة. لذلك صممت السلطة الفلسطينية على موقفها أيضا ورفضت عقد اللجنة.

كما ذكر سابقا، في نهاية المطاف أدرك يعالون الإمكانيات الإيجابية التي يحملها هذا المكان بالنسبة لدولة إسرائيل وقرر ربط المدينة بالمياه بصورة أحادية. قال الرئيس رؤوفين ريفلين هذا الأسبوع هو أيضا أن ربط المدينة بشبكة المياه هو مصلحة إسرائيلية. ولكن منذ ذلك الحين وزير البنى التحتية هو الذي يقوم بتعطيل كل شيء. بحسب رأيه، تتطلب المسألة موافقة اللجنة المشتركة.

بحسب بيان صادر عن مكتب شالوم، “يرى الوزير شالوم وسلطة المياه أن إعطاء الموافقة الأحادية من دون عقد اللجنة، والتي يطرحه ويدفع نحوه عدد من الأطراف الإسرائيلية، يغفل أساس تنظيم استمرار عمل لجنة المياه المشتركة. علاوة على ذلك، في السياق السياسي الأوسع، قد يتسبب هذا الإقتراح بالإنهيار الكامل لإتفاق المياه الإسرائيلي-الفلسطيني وإلى إلحاق الضرر بقطاع المياه الإسرائيلي.

وجاء في البيان أيضا، “بالإضافة إلى ذلك، من شأن ذلك أن يضر بالتعاون مع المستويات المهنية، وهو تعاون يساهم اليوم في الحفاظ على مصادر المياه خاصتنا ويمنع الضرر بطبقات المياه الجوفية. سنكون سعداء إذا قررت الفلسطينية التراجع عن موقفها والعودة إلى اللجنة التي ستناقش مشاريع من الجانبين”.

وهكذا لا تزال روابي في انتظار المياه.