أشاد المدعي العام السابق للمحكمة الجنائية الدولية هذا الأسبوع، وزارة الخارجية الإسرائيلية لنشرها مؤخرا تقريرا يدعي أن المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية قانونية بموجب القانون الدولي.

وقال لويس مورينو أوكامبو، الذي كان في زيارة لإسرائيل هذا الأسبوع، أنه في حين معارضته لمضمون التقرير، هناك حاجة ماسة لمناقشة مستفيضة حول شرعية المستوطنات بحيث يمكن أن تكون مفيدة لجميع الأطراف المعنية.

في وقت سابق من هذا الشهر، بموجب توجيه من نائبة وزير الخارجية تسيبي حوتوفيلي، نشرت وزارة الخارجية تقريرا مدعية فيه أن إسرائيل تملك “دعاوي ملكية صالحة” لأراضي الضفة الغربية، كما أن “التقارب اليهودي” للمنطقة يؤرخ لما يعادل آلاف السنين. تسعى الوثيقة، التي ألفها المستشار القانوني للوزارة، لدحض الإدعاء بأن المستوطنات تنتهك اتفاقيات جنيف، وبالتالي تشكل جريمة حرب. محاولة تصوير المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية كغير شرعية “تتجاهل تعقيد هذه المسألة، تاريخ الأرض، والظروف القانونية الفريدة لهذه القضية”، يلخص التقرير.

سخر العديد من الإسرائيليين من التقرير، مشككين من فعاليته في عالم يتضمن إجماع شبه كامل حول عدم شرعية المستوطنات. ولكن مورينو أوكامبو، الذي في عام 2003 أصبح المدعي العام الرئيسي في المحكمة الجنائية الدولية، وشغل هذا المنصب حتى عام 2012 عندما خلفه فاتو بنسودا، أشاد محاولة الوزارة لعرض وجهة نظر إسرائيل.

“إن هذا ممتاز. هذا بالضبط ما يتوجب عليهم القيام به”، قال للتايمز أوف إسرائيل يوم الثلاثاء في القدس. “إنني لم أقرأ التقرير. ولكن أعتقد أن هذا هو السبيل لتحقيق ذلك: توضيح وجهة نظرك”.

سوف يوجه تقرير إسرائيل بطبيعة الحال جدلا قانونيا، مع الفلسطينيين وغيرهم من المعارضين، قال مورينو أوكامبو، مضيفا أن محادثة مثل هذه بالضبط حول شرعية المستوطنات هي أمر مرغوب، وخاصة في إطار تحقيق المحكمة الجنائية الدولية الحالي في الصراع.

“إذا، سيكون هناك الكثير من المناقشات، وهذا ما نحتاج إليه. نحن بحاجة إلى هذا النقاش لنفهم بشكل أفضل – ماهية الجريمة، وكيفة تطبيقها؟ كيف يمكن ارتكابها؟”، قال المحامي ارجنتيني المولد. مضيفا: “هناك العديد من المناقشات القانونية التي يمكن القيام به هنا، ولهذا السبب أعتقد أن طرح التقرير من قبل نائبة وزير الخارجية هي فكرة ممتازة”.

وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي (R) والسفير الفلسطيني في هولندا نبيل ابو زنيد عند الصول إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، 5 أغسطس 2014 (AFP PHOTO / ANP / MARTIJN BEEKMAN ***netherlands out***)

وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي (R) والسفير الفلسطيني في هولندا نبيل ابو زنيد عند الصول إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، 5 أغسطس 2014 (AFP PHOTO / ANP / MARTIJN BEEKMAN ***netherlands out***)

يشير مورينو أوكامبو إلى المستوطنات بإعتبارها “جريمة”، لأن نظام روما من عام 1998 – الوثيقة التأسيسية للمحكمة الجنائية الدولية -حيث تحدد المادة 8 (2) (ب) (8) بشكل واضح جريمة حرب بكونها “نقل، بشكل مباشر أو غير مباشر، من قبل دولة الإحتلال، أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها”.

تم إدراج هذه الصياغة بناء على طلب من مصر وسوريا، مع المستوطنات الإسرائيلية في الإعتبار بشكل واضح. اعترف مورينو أوكامبو أن هذا التعريف كان مقترح من قبل الدول العربية, لكنه شدد على أنه قبل في نهاية المطاف من قبل 120 دولة التي وقعت على نظام روما الأساسي. “يشكل هذا الآن قانونا مهما. ولكنه قانون لم يطبق أبدا”، قال. لذلك، ينبغي إجراء مناقشة حول كيفية تطبيقه بالنسبة للمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية حتى قبل أن تصل القضية إلى المحكمة.

’لديكم محامون كبارا في اسرائيل. عليكم تقديم حجة مقنعة من جانبكم’

بناء على إلحاح الفلسطينيين، تقوم المحكمة الجنائية الدولية حاليا بإجراء فحص أولي حول “الوضع في فلسطين”. بالإضافة إلى المستوطنات، إنها تبحث في جرائم محتملة التي ربما تكون قد أرتكبت، بما في ذلك الإجراءات الإسرائيلية خلال حرب غزة عام 2014. مع ذلك، في حين يحقق نظام إسرائيل العدالة القانوني في أي ادعاء حول إرتكاب مخالفات من قبل جنود إسرائيليين، لا يبدو من المرجح أن تقوم المحكمة بفتح تحقيق شامل.

“إن قامت اسرائيل بإجراءات حقيقية، فلن تتدخل المحكمة”. قال مورينو أوكامبو.

مع ذلك، لا تقوم أي محكمة إسرائيلية بالتحقيق في المستوطنات، حيث يعني هذا أن المحكمة الجنائية الدولية قد تختار فتح تحقيق في هذا الشأن.

الجدل حول ما إذا كان بناء وحدات سكنية في القدس الشرقية أو اريئيل يلبي متطلبات المحكمة بجدية، يعتبر جدلا قانونيا. وفي إطار العرض للمحكمة الجنائية الدولية علة لوجودها، يتحدث نظام روما الأساسي حول ضرورة ملاحقة “انتهاكات لا يمكن تصورها والتي تهز ضمير الإنسانية بقوة”.

من الواضح أن العالم شهد أسوأ الجرائم، ولم تسبر المحكمة من قبل في حالات أخرى لنقل سكان دولة إلى داخل أراضي محتلة، مثل المستوطنات التركية في شمال قبرص، والتي يمكن أن تشير إلى أن المحكمة لا ترى نشاط كهذا من أحق اهتماماتها. ولكن يدعي الفلسطينيون أن “استيلاء اسرائيل على الأراضي بشكل غير قانوني” هو ظلم مستمر الذي يستدعي تدخلا من قبل المحكمة الجنائية الدولية.

المدعي العام السابق للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو في زيارة في متحف المحرقة "ياد فاشيم" في القدس، ديسمبر 2015 (courtesy Gal Foundation)

المدعي العام السابق للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو في زيارة في متحف المحرقة “ياد فاشيم” في القدس، ديسمبر 2015 (courtesy Gal Foundation)

هذا الإختلاف في الرأي بالتحديد، هو السبب الذي يجعل مورينو أوكامبو يصدر دعوة لإجراء مناقشة معمقة حول المشروع الإستيطاني الإسرائيلي. هل يشكل تشجيع الحكومة الإسرائيلية على الإستقرار في الضفة الغربية “ترانسفير”؟ أم أن هذا المصطلح يصح فقط عندما يكون الإنتقال إلى الأراضي المحتلة إلزاميا؟ بالنسبة للفلسطينيين، واضح أن الضفة الغربية محتلة، وانهم يملكون أساس قانوني لدعواهم، قال مورينو اوكامبو. مع ذلك، يدعي الإسرائيليون أن الأراضي غير محتلة ولكن متنازع عليها. “ينبغي اقامة مناقشة حول كل هذا”, قال.

(بشكل مثير للإهتمام، تقرير وزارة الخارجية الأخير، بعنوان “المستوطنات الإسرائيلية والقانون الدولي”، يرفض الإدعاء أن المجتمعات اليهودية في الضفة الغربية مجتمعات “مستعمرة”، ولكن لا ينكر كون إسرائيل قوة احتلال في الأراضي الفلسطينية).

مستوطنة ’الفي ميناشي’ في الضفة الغربية (Wikimedia Commons/Jonathan Schilling/CC BY-SA 3.0)

مستوطنة ’الفي ميناشي’ في الضفة الغربية (Wikimedia Commons/Jonathan Schilling/CC BY-SA 3.0)

مورينو أوكامبو، الذي جاء إلى إسرائيل هذا الأسبوع لإلقاء محاضرة حول مبادرة العدالة قرايد-غال الإنتقالية في كلية الحقوق في الجامعة العبرية، قال انه يفهم مخاوف الإسرائيليين فيما يتعلق بالمنظمات الدولية لحقوق الإنسان، حيث الكثير منها منحاز، لكنه قال أن المحكمة الجنائية الدولية مختلفة . بينما تعتبر هيئات مختلفة مثل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أو الجمعية العامة للأمم المتحدة, هيئات سياسية، المحكمة والتي مقرها لاهاي هي هيئة غير سياسة وتركز حصريا على تطبيق القانون، أصر.

“في إسرائيل وفلسطين، ان المسألة لا تنحصر على القانون فقط؛ انها مسألة بقاء. أنا أفهم ذلك، وأحترم ذلك”, قال. “لكن على الشعب اليهودي أن يفهم: هذه الفكرة لقانون دولي، او عدالة دولية على وجه الخصوص، تم إنشاؤها لحماية الأقليات، مثل اليهود. أول نظام عدالة جنائية دولية كان نظام نورمبرغ، والذي عاقب النازيين للمحرقة”.

’أشعر نفس الامر في كلا المجتمعان: خوف من أن المحكمة الجنائية الدولية لا تفهمهم’

الإسرائيليين ليسوا لوحدهم حذرين لامر المحكمة الجنائية الدولية, قال مورينو اوكامبو. قبل ان يأتي الى اسرائيل في وقت سابق هذا الأسبوع، أمضى المحامي البالغ من العمر 63 عاما من بوينس آيرس, بعض الوقت في الجامعات الفلسطينية، حيث سمع خيبة أمل من المحكمة. “انهم لا يشعرون ان المحكمة الجنائية الدولية تقف بجانبهم”، قال. “أشعر نفس الامر في كلا المجتمعان: خوف من أن المحكمة الجنائية الدولية لا تفهمهم ولا تعمل لصالحهم. يشعر كلا الجانبين بالامر نفسه”.

في حين توفر السلطة الفلسطينية للمحكمة بوثائق تدين اسرائيل ظاهريا، القدس أكثر ترددا في التعاون مع لاهاي. لقد اجتمع مسؤولون اسرائيليون مع مكتب المدعي العام ولكن فعلت ذلك في اغلب الحالات للمناقشة بأن المحكمة الجنائية الدولية ليست مختصة للتحقيق في الشكاوى الفلسطينية لأنه لا يمكن اعتبار فلسطين دولة.

مورينو أوكامبو، الذي رفض خلال فترة توليه منصب المدعي العام طلب الفلسطينيين لمحاكمة الإسرائيليين حول اتهامها بجرائم حرب مزعومة, شجع الإسرائيليين على تعاون كامل مع التحقيق الأولي الحالي. “لديكم محامون كبارا في اسرائيل”, قال. “عليكم تقديم حجة مقنعة من جانبكم”.