رفضت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية يوم الاثنين للمرة الثالثة فتح تحقيق في حادث أسطول غزة عام 2010، قائلة إن أي جرائم يُزعم أنها ارتكبت أثناء الغارة لم تكن شديدة بما يكفي لتبرير مثل هذا التحقيق.

وكررت فاتو بنسودا موقفها بأنه لا يوجد سبب لفتح تحقيق في الأمر “لأنه لا توجد في هذه الحالة قضية خطير بما فيه الكفاية لإعادة النظر في قضية كانت قد سعت مرارا لإغلاقها بسبب عدم خطورتها”.

وفي 31 مايو 2010، نسببت قوات الكوماندوز الإسرائيلية بمقتل 10 مواطنين أتراك كانوا على متن سفينة “مافي مرمرة”، وهي واحدة من عدة سفن كانت تهدف إلى كسر الحصار المفروض على قطاع غزة.

وتفرض إسرائيل حصارا على غزة منذ عام 2007 عندما أطاحت حركة حماس بالسلطة الفلسطينية من القطاع، في محاولة لمنع حماس وفصائل اخرى من استيراد الأسلحة إلى القطاع.

ولم تعلق إسرائيل على الفور على قرار المدعية العامة، رغم أن المسؤولين في إسرائيل يدعون منذ فترة طويلة بأن المحكمة تهدر مواردها المحدودة على دعوى تافهة بشكل يؤثر سلبا على القضايا المعلقة الأخرى.

ورحب مشروع “لوفي”، وهي جماعة موالية لإسرائيل ومقرها نيويورك وشاركت في جهود لإقناع بنسودا بإغلاق القضية، بقرارها.

وقال بروك غولدشتاين، المدير التنفيذي للمنظمة: “نحن مسرورون للغاية لأن المدعية العامة وافقت على تحليلنا وأكدت على قراراها من جديد. من الجيد أن نرى مؤسسة دولية تفعل الشيء الصحيح وتدافع عن القانون والعدالة بدلا من الرضوخ للضغوط السياسية المعادية لإسرائيل”.

وتعامل لاهاي المستمر ست سنوات مع القضية بدأ في مايو 2013، عندما طلبت جزر القمر، وهي دولة صغيرة ذات أغلبية مسلمة في المحيط الهندي، من المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية التحقيق في المداهمة الإسرائيلية لسفينة “مافي مرمرة” التي كانت متجهة إلى غزة قبل ثلاث سنوات من ذلك. وخلال المداهمة اشتبكت القوات مع نشطاء مؤيدين للفلسطينيين.

وقُتل 10 أتراك (منهم تركي امريكي واحد) وأصيب عدد من الجنود الإسرائيليين. وقالت إسرائيل إن جنودها هوجموا بعنف من قبل النشطاء على متن السفينة.

وتسببت الحادثة باندلاع أزمة دبلوماسية خطيرة مع أنقرة، ولكن بما أن السفينة أبحرت تحت علم جزر القمر، كانت تلك هي الدولة التي توجهت للمحكمة الجنائية الدولية.

سفن تابعة للبحرية الإسرائيلية ترافق مافي مرمرة إلى ميناء أشدود، 31 مايو، 2010.

في نوفمبر 2014، قررت بنسودا، المدعية العامة للمحكمة، أنه “لا يوجد هناك أساس معقول للمضي قدما في التحقيق” في هذا الشأن. ورأت بنسودا أن القوات الإسرائيلية قد تكون ارتكبت جرائم حرب عندما قامت باقتحام السفينة، لكن المخالفات المحتملة لم تكن بالخطورة بما يكفي للبدء بمحاكمة في المحكمة الجنائية الدولية.

واستأنفت جزر القمر على القرار بعد بضعة أسابيع، وطلبت من المحكمة التمهيدية إصدار أمر للمدعية العامة بمراجعة القرار. وطلبت بنسودا من القضاة رفض الإلتماس.

في 16 يوليو، 2015، طلب القضاة الثلاثة في المحكمة التمهيدية من المدعية العامة إعادة النظر في قرارها عدم فتح تحقيق في الشأن، وقرروا أنها “ارتكبت أخطاء مادية” في تقييمها لخطورة القضية.

لكن بنسودا لم تستسلم. بعد 11 يوما، قدمت استئنافا على قرار القضاة. ولكن في 6 نوفمبر، 2015، رفضت محكمة الإستئناف طلبها بالإستناد على تفسير للبند 82(1)(ا) من نظام روما الأساسي للمحكمة الدولية، وأجبرت بنسودا على مراجعة القضية للمرة الثانية.

نشطاء على متن ’مافي مرمرة’ يستعودون لمهاجمة الجنود الإسرائيليين. (IDF Spokesperson/Flash90)

بعد عامين من ذلك، في 29 نوفمبر، 2017، سلمت بنسودا ما كانت تأمل أن يكون “قرارها الأخير” في حادثة الأسطول، وقالت إنها “لا تزال ترى أنه لا يوجد هناك أساس معقول للاستمرار في التحقيق”، وأنه “لا بد من إغلاق” التحقيق الأولي.

في فبراير 2018 تقدمت جزر القمر بإستئناف لمحكمة الإسئتنافات طالبت فيه “مراجعة قضائية” لقرارات المدعية العامة المتكررة بإغلاق الملف، مشيرة إلى “أخطاء واضحة في كل منها”.

في المقابل، زعمت بنسودا إن محكمة الإستئنافات قد لا تكون تملك الصلاحية لإصدار حكم في القضية، وطلبت منها رفض مطالبات جزر القمر.

وتم تقديم طلبات والتماسات أخرى عديدة من قبل الطرفين، جادلا فيها حول الصلاحية والجداول الزمنية، حتى الأسبوع الماضي، عندما أصدرت المحكمة التمهيدية قرارا بأن “القرار النهائي” الظاهري للمدعية العامة من نوفمبر 2017 “لا يمكن اعتباره نهائيا” وأمرتها بمراجعة القضية للمرة الثالثة.

وفي سبتمبر 2019، أمرت دائرة الاستئناف بالمحكمة أيضا بنسودا بإعادة النظر في القضية، ومنحتها رئيسة المحكمة سولومي بوسا موعدًا نهائيًا حتى 2 ديسمبر.

كما انتقدت لجنة الاستئناف بنسودا لرفضها لدعوات من قبل لجنة أدنى من القضاة لإعادة النظر في القضية.

وقالت بوسا: “وجدت دائرة الاستئناف أيضا أن اللغة المؤسفة التي استخدمتها المدعية العامة للتعبير عن عدم موافقتها تثبت أنها كانت مخطئة تماما فيما يتعلق بما كان مطلوبا منها في إعادة النظر المطلوبة”.

وفي “قرارها النهائي”، أصرت بنسودا يوم الاثنين على أنها توصلت إلى قرارها لإغلاق القضية “بناء على تحليل دقيق، أجري بحسن نية”.

وكتب مكتب المدعية في ملف مؤلف من 44 صفحة أن المدعية أكدت وجهة نظرها “بأنه يجب إغلاق الفحص الأولي لهذا الحادث. لا زال لا يوجد أي أساس معقول لمواصلة التحقيق، لأنه لا يوجد أساس معقول لاستنتاج أن أي قضية يمكن ان تنتج عن الحالة ستكون خطيرة بما فيه الكفاية لتكون مقبولة أمام المحكمة”.

ومن الممكن نظريا أن يُطلب من بنسودا إعادة النظر مرة رابعة، لكن هذا أمر مستبعد إلى حد كبير.

المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، 22 أغسطس، 2016، خلال محاكمة الزعيم الإسلامي المزعوم المرتبط بتنظيم ’القاعدة’، أحمد الفقيه المهدي، المتهم بجرائم تدمير أضرحة تاريخية في مالي. (AFP/ANP/Patrick Post)

وعلى الرغم من أن إسرائيل لم تشارك بنفسها في المعركة القضائية، إلا أن مسؤولون في القدس تابعوا باستهزاء كبير الجهود والموارد التي استثمرتها المحكمة الجنائية الدولية في هذه القضية بالتحديد.

وتجري المحكمة الجنائية الدولية أيضا فحصا أوليا في جرائم يزعم ان الإسرائيليون ارتكبوها في الأراضي الفلسطينية.

ويرى المسؤولون الإسرائيليون أن لا مكان لحادثة الأسطول في محكمة أُسست للتعامل مع مآسي ذات نطاق أكبر من هذه القضية، التي حدثت قبل أكثر من ثماني سنوات وحققت فيها لجنة إسرائيلية ترأسها القاضي يعقوب تيركل وشارك فيها مراقبون دوليون.

وقال مسؤول إسرائيلي لتايمز أوف إسرائيل، متحدثا شريطة عدم الكشف عن اسمه: “لقد تم تأسيس المحكمة الجنائية الدولية للتعامل مع الفظائع الجماعية التي تهم المجتمع الدولي ككل”.

وأضاف: “بدلا من ذلك، هي تقوم بإهدار أكثر من خمس سنوات من الوقت والموارد على حادثة تم بالفعل مراجعتها بشكل كامل وإغلاقها من قبل فرق تحقيق محلية ودولية، من ضمنها مرتين من قبل المدعية العامة للمحكمة”.