قام فريق قضاة محكمة المقاطعة المركزية بتغيير رأيهم خلال الحكم يوم الثلاثاء بشأن قبول الاعترافات التي أدلى بها المشتبهين اليهود في الهجوم الذي وقع في بلدة دوما الفلسطينية في عام 2015 والذي أودى بحياة ثلاثة من أفراد عائلة دوابشة.

من جهة، ألغت المحكمة جميع الإعترافات المقدمة أثناء الإستجواب حيث تم تفويض المحققين من جهاز الأمن العام “شين بيت” باستخدام أساليب معززة ضد المشتبه بهم – وهم عميرام بن-أوليل، وشريك غير مسمى كان قاصرا في ذلك الوقت – بسبب سيناريو “انفجار قنبلة موقوتة” حيث يعتقد أن هناك هجمات إضافية كانت وشيكة.

“لقد انتهكت هذه التدابير بشدة الحق الأساسي للمتهمين في الحفاظ على سلامة الجسد والروح. بالإضافة إلى ذلك، تم تدمير كرامة المتهمين”، حكمت المحكمة.

من ناحية أخرى، شرع القضاة بإستخدام الأساليب في المقام الأول، قائلين إن التهديد “الخطير” الذي تشكله “البنية التحتية المتمردة” – المجموعة الإرهابية التي يزعم أن المشتبه بهم كانوا جزءا منها – يشير إلى احتمال وجود المزيد من الأضرار لحياة الفلسطينيين وممتلكاتهم.

عميرام بن اولئيل، الذي تم توجيه لائحة اتهام ضده في 3 يناير 2016 لقتل افراد عائلة دوابشة في دوما (courtesy)

ألغى القضاة اعترافات قاصر لم يذكر اسمه بشأن دوره في التخطيط للهجوم، على الرغم من أن هذه الاعترافات صرح بها خارج حدود ما يسمى “التحقيقات اللازمة”.

وقالوا إن الإعترافات التي قدمها خلال فترات الإستراحة القصيرة بين عمليات الإستجواب المعزز لم تعط طواعية، لأنه كان لا يزال لديه انطباع بأن “التحقيقات الضرورية” ستستمر إذا لم يتحدث.

وقد تم إستخدام نفس السبب لإلغاء الاعتراف الذي قدمه المشتبه الرئيسي، بن-أوليل، بعد فترة وجيزة من إجراء عدة “تحقيقات ضرورية” قام بها عملاء الـ”شين بيت” معه.

ومع ذلك، قبل القضاة اعترافا إضافيا قدّمه بعد إجراء “هذا التحقيق الضروري”، معتبرين أن هناك وقتا كافيا منذ الإستجواب المعزز، وأن لقطات الإستجواب أظهرت أن بن-أوليل في حالة ذهنية سليمة.

فلسطينيون يتفحصون الأضرار بعد حرق منزل ومقتل طفل، في هجوم يُشتبه بأن متطرفين يهود نفذوه في قرية دوما في الضفة الغربية، 31 يولبا 2015. (AFP/Jaafar Ashtiyeh)

المعنى وراء التعرج

الدكتورة راحيل سترومسا، التي ترأس اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل، أوضحت أن “الحكم كان معقدا عن قصد (…) كان القضاة حريصين للغاية على حماية أنفسهم في هذا الحكم”، مشيرة إلى خوف المحكمة من وضع أي سوابق.

وكتب القضاة “ينبغي التأكيد على أن هذا ليس قرارا كاسحا بشأن نتائج ’التحقيقات اللازمة‘ (حيث يتم السماح بالتحقيق المعزز). هذا القرار ملائم لقضيتنا فقط”.

واعترفت سترومسا بموقف المحكمة الواضح من عدم قبول أي اعترافات تم تقديمها خلال “التحقيقات الضرورية”، لكنها أشارت إلى أن القضاة يبتعدون عن حكم شرعية أساليب التعذيب نفسها التي كانت مستخدمة خلال تلك التحقيقات. (قال محامو المشتبهين إن الأساليب المستخدمة ضد موكليهم شملت الضغط والضرب والترهيب النفسي).

ومع ذلك، أشارت رئيسة اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل إلى قرار الثلاثاء بأنه “نادر للغاية وغير معتاد”. وأضافت أنه “إذا بدأنا في رؤية هذه الأنواع من القرارات من الآن فصاعدا، فسوف نشهد تحولا كبيرا للغاية فيما يتعلق برؤية الدولة بشأن التعذيب”.

ناشط يمين يهودي يحتج خارج المحكمة في بيتح تيكفا، 28 ديسمبر، 2015، على إعتقال المشبته بهم اليهود لصلتهم في هجوم إحراق منزل في قرية دوما الفلسطينية في الصيف الأخير والذي راح ضحيته 3 من أفراد عائلة دوابشة. (Photo by Flash90)

“لقد شجعني مدى تأثير هذه القضية على الجدل في المجتمع الإسرائيلي. أعتقد أننا كنا نميل لفترة طويلة لإغلاق أعيننا وألا نرغب في النظر في ما يحدث أثناء استجواب الشين بيت”، قالت.

مردخاي كرمنيتسر، نائب رئيس قسم الأبحاث في معهد الديمقراطية في إسرائيل، أوضح أنه قبل صدور حكم المحكمة المركزية، كانت هناك محاولة من جانب الدولة للادعاء بأن الوسائل المستخدمة في “التحقيقات اللازمة” ليست قاسية أو مدمرة للمحتجزين.

“ولكن في هذا القرار، هناك تصريح واضح من المحكمة يقول إن الأمر ليس كذلك، وأن هناك ضررا ناتجا عن هذه الاستجوابات – لدرجة أنه يجب إلقاء الاعترافات في كل مكان”، قال كرمنيتسر، الذي خدم في العديد من اللجان الحكومية المخصصة لهذه القضية.

ومن جانبه، زعم وكيل “شين بيت” السابق غونين بن يتسحاق أن الخطوة التالية التي يمكن للمحكمة اتخاذها هي سحب هذه الاعترافات بعد إتمام “التحقيق الضروري”.

وقال إن إنقضاء أي فترة من الوقت بعد “إجراء تحقيق ضروري” لا تكفي للمشتبه به للاعتراف طواعية طالما بقيت إمكانية استمرار التعذيب.

سعد ورهام دوابشة، مع طفلهما علي (لقطة شاشة: القناة 2)

على الرغم من صلاته الطويلة مع الـ”شين بيت”، قال بن يتسحاق إنه “سعيدا” بقرار يوم الثلاثاء، والذي بدا أنه توبيخ لسلوك الوكالة – على الأقل فيما يتعلق بمسألة “التحقيقات الضرورية”.

“أعتقد أن هذا تطور إيجابي للغاية، حيث تنتقد المحكمة بشدة سلوك الشين بيت”، قال موضحا أنه في ظل عدم قدرة المشتبه بهم على مقابلة محام أثناء مثل هذه الاستجوابات، فإن الجهة الوحيدة التي يمكن أن تدافع عنهم هي المحكمة نفسها.

“هذه هي الطريقة التي من المفترض أن تعمل بها الديمقراطية”، أضاف بن يتسحاق.

وأقر مسؤول الشاباك السابق بأن “التحقيقات الضرورية” قد تظل جزءا من سياسة الوكالة، لكنه جادل بأن المحققين “سيضطرون إلى التفكير على الأقل مرتين قبل أن يستخدموا هذه الأساليب في المستقبل”.

من جانبه، كان كرمنيتسر أقل تفاؤلا بشأن الآثار المترتبة على القرار.

واعتبر رفض المحكمة الحكم بناءا على شرعية “التحقيقات الضرورية” بمثابة “حافز للمحققين لمواصلة استخدام مثل هذه الأساليب”.

ناشطون يمينيون يشاركون في مظاهرة في تل أبيب يمثّلون مشهد تعذيب للشاباك ضد المشتبهين بالإرهاب اليهود. (Tomer Neuberg/Flash90)

“إنهم قادرون على الحصول على المعلومات التي يريدونها من التحقيقات الضرورية. بالإضافة إلى الاعتراف في وقت لاحق [بعد مرور بعض الوقت] على أن ما حكمته المحكمة لا يزال من الممكن استخدامه للمقاضاة”، قال كرمنيتسر.

وجادل نائب رئيس معهد الديمقراطية في إسرائيل بأن معظم الجمهور الإسرائيلي ما زال يعتبر التعذيب شرعيا في الحالات القصوى، وبالتالي فإن احتمال تحرك الدولة لحظر مثل هذه الممارسات يبدو ضئيلا تماما.

القصة الأصلية

ما أصبح واضحا يوم الثلاثاء هو كم أصبحت معاناة المشتبه بهم – وليس الضحايا – في مركز قضية دوما.

يذكر أن عائلة الدوابشة، التي فقدت الرضيع علي البالغ من العمر 18 شهرا، مع والديه ريهام وسعد، لم تذكر إلا مرتين في قرار المحكمة المكون من 165 صفحة. في المرتين كانا على هامش السياق.

وفي بيان صدر بعد الحكم، قال جده حسين دوابشة أنه لم يكن لديه أي تهاون بشأن قرار المحكمة التخلي عن إعترافات تحت الإكراه.

ومع ذلك، أوضح أنه “بعد اكتمال هذا الجزء، حان الوقت لتحميل المسؤولين المسؤولية”.