أمرت محكمة العدل العليا، في حكم أصدرته يوم الخميس، بهدم نحو 36 مبنى في بؤرة استيطانية بوسط الضفة الغربية تم بناؤها على أراض فلسطينية خاصة. وقال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إنه “حزن” لسماع القرار.

في قرار اتُخذ بأغلبية اثنين مقابل واحد، أعطى فريق القضاة الضوء الأخضر لاستخدام تكتيك قانوني حصل على دعم المستشار القانوني للحكومة أفيحاي ماندلبليت يُعرف باسم “تنظيم السوق”، والذي يضمن إضفاء الشرعية بأثر رجعي على منازل تم بناؤها على أرض فلسطينية طالما أنه تم بناؤها ب”حسن نية”. ويقول خبراء قانونيون إن قرار القضاة قد يؤدي إلى شرعنة نحو 2,000 منزل في بؤر استيطانية في جميع أنحاء الضفة الغربية.

ومع ذلك، حكم القاضيان إستر حايوت وحنان ملتسر، في رأي الأغلبية، بأنه لا يمكن استخدام هذا التكتيك لشرعنة الجزء الأكبر من متسبيه كراميم، حيث أنه كان على الهيئات الحكومية والخاصة المشاركة في إنشائها أن تكون على دراية بالموقع الاشكالي للبؤرة الاستيطانية.

وكتب القضاة أن مسؤول وزارة الدفاع المسؤول عن تخصيص الأرض التي أقيمت عليها البؤرة الاستيطانية “أغمض عينيه لتجنب رؤية إشارات التحذير العديدة التي تم لفت انتباهه إليها على مر السنين، بما في ذلك حقيقة أن البؤرة الاستيطانية أقيمت على أرض فلسطينية خاصة”.

وأصدرت المحكمة أمرا بوقف العمل في عدة أفدنة من الأراضي المسجلة للفلسطينيين من قرية دير جرير القريبة، ومنحت الدولة 36 شهرا لهدم ما قال رئيس المجلس الإقليمي بنيامين، يسرائيل غانتس، إنها أربعة منازل دائمة و 30 منزلا متنقلا وعدة مباني مجتمعية. كما أمر القضاة الدولة بتوفير حل سكني بديل للسكان قبل هدم منازلهم.

رئيسة المحكمة العليا إستر حايوت (يمين) والقاضي حنان ملتسر في المحكمة العليا، 4 مايو، 2020. (Screenshot)

تأسست متسبيه كراميم في عام 1999 بالقرب من مستوطنة كوخاف هشاحر، على أرض منحتها للمستوطنين شعبة الاستيطان شبه الحكومية التابعة للمنظمة الصهيونية العالمية. بعد فترة وجيزة، قررت الإدارة المدنية – هيئة وزارة الدفاع المسؤولة عن تصريح البناء في الضفة الغربية – أن الدولة ليس لها حقوق في الأرض التي قدمتها شعبة الاستيطان.

في عام 2011، قامت مجموعة من الفلسطينيين من قرية دير جرير بتقديم التماس إلى محكمة العدل العليا لإبعاد حوالي 40 عائلة بدعوى أنهم يمكلون الأرض التي تقع عليها البؤرة الاستيطانية.

من أجل تأخير الإجراءات، قدم السكان التماسهم الخاص بهم إلى المحكمة المركزية في القدس، زاعمين أن وزارة الدفاع كانت مسؤولة عن توطينهم في المنطقة الواقعة في وسط الضفة الغربية بعد أن تم اعتبار موقعهم الأصلي غير قانوني أيضا.

في أغسطس 2018، قبلت المحكمة الالتماس في حكم اشاد به قادة المستوطنين، الذين كانوا يأملون أن يؤدي إلى قرارات مماثلة فيما يتعلق بإضفاء الشرعية على المنازل في البؤر الاستيطانية الأخرى في جميع أنحاء الضفة الغربية.

لكن حكم المحكمة المركزية لم يتعلق بقضايا حيازة الممتلكات. وبصدور هذا القرار، تمكنت المحكمة العليا من المضي قدما في حكمها بشأن مطالبات سكان دير جرير بالأرض. لو كان تم رفض التماسهم يوم الخميس، كان سيكون بإمكان الدولة المضي قدما في شرعنة متسبيه كراميم.

منظر عام لمستوطنة متسبيه كراميم في الضفة الغربية، 29 أغسطس، 2018. (AFP / THOMAS COEX)

وفي الوقت الذي انتظر فيه المستوطنون قرار المحكمة العليا، شجعهم رأي قانوني أصدره ماندلبليت في ديسمبر 2018 أيد فيه استخدام “تنظيم السوق” لشرعنة آلاف المنازل التي بناها المستوطنون على أراض فلسطينية خاصة.

الحكم الصادر يوم الخميس كان الأخير في سلسلة من الضربات التي تلقتها الحركة الاستيطانية، التي رأت في الأشهر الأخيرة هدفها الأساسي المتمثل في ضم الضمة الغربية يوضع جانبا في المستقبل المنظور مقابل اتفاق تطبيع مع الإمارات العربية المتحدة وقرار المحكمة العليا بالغاء ما يُسمى ب”قانون التنظيم”.

وقضت المحكمة العليا في يونيو بأن التشريع المذكور “ينتهك حقوق الملكية والمساواة للفلسطينيين، ويعطي أولوية واضحة لمصالح المستوطنين الإسرائيليين على حساب السكان الفلسطينيين [في الضفة الغربية]”.

على الرغم من أن قانون التنظيم مشابه ل”تنظيم السوق”، إلا أنه كان من الممكن أن تكون آثار قانون التنظيم أكثر شمولا وأن تسمح بشرعنة 4000 منزل، بحسب تقديرات الخبراء. كما أشار التشريع بالتفصيل إلى أن أي دعم من الدولة يخلق “حسن نية”. مع “تنظيم السوق”، لا يمكن إثبات حسن النية إلا في صفقة العقارات نفسها. في حكم المحكمة المركزية في القدس بشأن متسبيه كراميم، اعتبر القاضي منح شعبة الاستيطان الأرض للمقيمين بمثابة صفقة عقارية. ورفضت المحكمة العليا يوم الخميس هذه الحجة.

النائب العام أفيحاي ماندلبليت يلقي كلمة خلال حدث في جامعة بار إيلان، 4 مارس، 2020.(FLASH90)

على الرغم من الضوء الأخضر الذي مُنح ل”تنظيم السوق”، أثار حكم المحكمة العليا غضب مشرعين من اليمين وقادة المستوطنين، الذين اتهموا الهيئة القانونية العليا ب”تحيز” صارخ لليسار المتطرف.

وقال نتنياهو في بيان، “أشعر بالحزن لقرار المحكمة العليا الخاطئ الذي أمر بإخلاء متسبيه كراميم”، وأضاف “أصدرت تعليماتي للمدير العام لمكتبي رونين بيرتس للقاء ممثلي التجمع. سنفعل كل ما في وسعنا لإبقاء السكان في مكانهم ونحن مقتنعون بأننا سننجح في ذلك”.

ووصف رئيس حزب “يمينا”، نفتالي بينيت، قرار القضاة بأنه “حكم شائن لا منطق فيه أو عدالة”.

وقال، “بعد أن قرر قضاة المحكمة العليا عدم عهد منزل إرهابي قاتل، حكموا لصالح هدم مستوطنة مزدهرة تضم أفضل أبنائنا”، في إشارة منه إلى قرار صدر مؤخرا عن المحكمة أمرت فيه بإغلاق غرفة تابعة لنظمي أبو بكر، المتهم بقتل الجندي الإسرائيلي عميت بن يغال (21 عاما) بعد إلقاء حجر عليه من سطح أحد المباني. ولقد قرر القضاة إلغاء أمر الهدم لبقية أجزاء المنزل، وعللوا قرارهم بأن زوجة أبو بكر وأبناءه الثمانية، الذين لم يكونوا متورطين في الهجوم، ما زالوا يعيشون في المنزل.

وكتب عضو الكنيست متان كهانا (يمينا) في بيان، “لقد أصبحت المحكمة العليا المدافع عن منازل الإرهابيين ومدمرة المنازل اليهودية”.

وأضاف بينيت في تصريحاته، “فقط قلب من حجر ومعاد لاستيطان الأراضي يمكن أن يؤدي إلى هذا القرار. سوق يقود يمينا تشريعا يسعى إلى منع تدمير المستوطنة”، ملمحا إلى الدفع بتشريع يهدف إلى السماح للكنيست بتجاوز قرارت المحكمة العليا.

جنود من لواء ’غولاني’ يقفون لحراسة قبر الجندي عميت بن يغال بعد تخريبه في مقبرة بئر يعقوب، 15 مايو، 2020. (Yossi Aloni / Flash90)

وقال موشيه يعالون، من حزب “يش عتيد” الوسطي، في بيان إنه قرأ قرار المحكمة “بحزن”، لكنه أكد على “ضرورة احترام” القرار.

وأضاف يعالون، “على الدولة أن تدرس الإمكانيات التي يتيحها القانون لتغيير [هذا المرسوم القاسي]”.

حتى في اليسار، أثار حكم المحكمة غضبا، حيث أعرب رئيس حزب “ميرتس”، نيتسان هوروفيتس، عن أسفه لمنح المحكمة ختم الموافقة على استخدام إجراء “تنظيم السوق” لشرعنة المنازل المبنية على أراض فلسطينية خاصة.

وقال إن “إخلاء بؤرة متسبيه كراميم الاستيطانية غير القانونية هو تنفيذ لوصية ’لا تسرق’”، قبل أن يضيف أن قرار القضاة بشأن ’تنظيم السوق’ “يفتح المجال أمام مصادرة الأراضي في المستقبل”.