قالت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية يوم الجمعة إن هناك “أساسا” لمواصلة التحقيق في جرائم مزعومة تم ارتكابها في الأراضي الفلسطينية. جاء القرار بعد خمس سنوات من فتح المحكمة الجنائية الدولية لأول مرة تحقيقا أوليا  بطلب من الفلسطينيين.

وقالت المدعية فاتة بنسودا “أنا مقتنعة أنا هناك أساس معقول للمضي قدما في التحقيق في الوضع في فلسطين”.

وأضافت أنه قبل فتح التحقيق، ستطلب من المحكمة التي تتخذ من لاهاي مقرا لها أن تبت في مسألة الأراضي التي تتمتع فيها بصلاحية جنائية، لأن إسرائيل ليست عضوا في المحكمة.

بيانها يشير إلى إمكانية فتح تحقيق كامل، والذي قد يتضمن تهما ضد إسرائيليين وفلسطينيين.

وتوقع المسؤولون الإسرائيليون هذه الخطوة ونشروا تقريرا للمستشار القانوني للحكومة في وقت سابق يوم الجمعة ادعى فيه أن المحكمة لا تتمتع بصلاحية جنائية في التحقيق. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية ليئور حيات بعد ظهر يوم الجمعة خلال إحاطة صحفية عبر الهاتف تم ترتيبها على عجل للصحفيين “لدينا معلومات تفيد بأن المدعية العامة على وشك إصدار نتائج التحقيق الأولي في المستقبل القريب، دون مراعاة الرأي القانوني لإسرائيل”.

في محاولة أخيرة قبل إعلان المدعية العام لإقناعها بهذه الحجة، نشر المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية، أفيحاي ماندلبليت، رأيا قانونيا من 34 صفحة يفصل فيه حجته.

وكتب ماندلبليت في التقرير، وهو متاح على موقع وزارة الخارجية، “إن الموقف القانوني المبدئي لدولة إسرائيل، وهي ليست طرفا في المحكمة الجنائية الدولية، هو أن المحكمة تفتقر إلى الاختصاص فيما يتعلق بإسرائيل وأن أي إجراءات فلسطينية فيما يتعلق بالمحكمة غير قانونية”.

وقد طرح عدة نقاط في بيان صادر عن المكتب الإعلامي الحكومي. أولا، كما قال، إن الدول ذات السيادة فقط هي التي يمكنها تفويض الولاية القضائية الجنائية إلى المحكمة، ولم تستوف السلطة الفلسطينية معايير الدولة بموجب القانون الدولي والنظام الأساسي التأسيسي للمحكمة.

وأضاف إن الخطوة التي اتخذها الفلسطينيون في عام 2015 للانضمام إلى نظام روما الأساسي، معاهدة عام 1998 التي أنشأت المحكمة الجنائية الدولية، “لا تلبي، ولا يمكنها أن تحل محل، الاختبار الموضوعي الذي يتطلب تفويض القضاء الجنائي للمحكمة من قبل دولة ذات سيادة مع أراض محددة”.

النائب العام أفيحاي ماندلبليت يلقي كلمة خلال مؤتمر لوزارة العدل في تل أبيب، 4 نوفمبر، 2019. (Flash90)

ثانيا، لإسرائيل “مطالبات قانونية صحيحة على نفس المنطقة”، ولقد “وافق إسرائيل والفلسطينيون، بدعم من المجتمع الدولي، على حل نزاعهم حول الوضع المستقبلي لهذه الأرض في إطار المفاوضات”.

ثالثا، كما قال ماندلبليت، من خلال اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية، فإن الفلسطينيين “يسعون إلى خرق الإطار المتفق عليه بين الطرفين ودفع المحكمة لتحديد القضايا السياسية التي ينبغي حلها عن طريق المفاوضات، وليس عن طريق الإجراءات الجنائية”.

وقال ماندلبليت في بيان إن المحكمة الجنائية الدولية لم تُنشأ لمثل هذه الأغراض، كما أنها لا تتمتع بسلطة أو صلاحية لتحديد هذه الأمور، خاصة في حالة عدم موافقة الأطراف.

وبدأ التحقيق الأولي من قبل المحكمة الجنائية الدولية في عام 2015 بعد أن وقّعت السلطة الفلسطينية على نظام روما الأساسي وقبلت رسميا اختصاص المحكمة على أراضيها. ويجري التحقيق في البناء الإسرائيلي خارج الخط الأخضر، وحرب غزة 2014 وما تُسمى باحتجاجات “مسيرة العودة” في غزة التي بدأت في مارس 2018.

ردا على بيان المستشار القانوني للحكومة، وصف مساعد وزير الخارجية للشؤون المتعددة الأطراف بوزارة خارجية السلطة الفلسطينية، عمار حجازي ، قرار ماندلبليت بأنه “لا يهم” وقال إن للفلسطينيين سلطة على المنطقة.

وقال حجازي “دولة فلسطين هي صاحبة السيادة الوحيدة على أرض فلسطين المحتلة، وليس للمستوطنين أي رأي في هذه الأرض. منحت فلسطين الاختصاص للمحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في الجرائم المرتكبة على أراضيها”، وأضاف “رأي الاحتلال الإسرائيلي لا يهم”.

خلال الإحاطة الصحفية الجمعة، قال العديد من المسؤولين الإسرائيليين إنهم لم يكونوا متأكدين من متى ستصدر بنسودا رأيها وماذا ستقول بالضبط، لكنهم أصروا على أن من مصلحة إسرائيل أن تعلن عن حججها الآن.

وقال المستشار القانوني لوزارة الخارجية ، طال بيكر، إن الدول ذات السيادة هي وحدها القادرة على تفويض ولاية لاهاي الجنائية على أراضيها، لكن “فلسطين” لا يمكن اعتبارها دولة ذات سيادة، لأنها، من بين أسباب أخرى ، لا تسيطر على الأراضي التي تطالب بها”.

وقال بيكر “إذا قررت المدعية العامة فتح تحقيق بالفعل، فسوف تثبت أن مكتبها تحركه دوافع سياسية وليس دوافع قانونية بحتة”.

وتابع “في نهاية الأمر، تم إنشاء المحكمة الجنائية الدولية كملاذ أخير، والجهود المبذولة لجر الصراع الإسرائيلي الفلسطيني إلى المحكمة من شأنه أن يكشف عن الطبيعة المسيسة للمحكمة”.

المدعية العامة فاتو بنسودا في قاعة المحكمة الجنائيو الدولية خلال البيانات الختامية لمحاكمة بوسكو نتاغاندو، زعيم ميليشيا في الكونغو، في لاهاي، هولندا، 28 أغسطس، 2018. (Bas Czerwinski/Pool via AP)

وأضاف “هناك جهد فلسطيني لتجريم النزاع، حيث يكون للإسرائيليين وحدهم التزامات قانونية والفلسطينيون وحدهم لديهم حقوق. لكن كما أظهر التاريخ، فإن ذلك لن يؤدي إلا إلى دفع الجانبين مسافة أبعد أحدهم عن الآخر”، وأضاف أن “القانون مهم إلى حد ما في صنع السلام ولكن تجريم العلاقة [بين إسرائيل والفلسطينيين] سوف يؤدي من المؤكد إلى استقطاب”.

وأردف بيكر قائلا: “في رأينا، الوضع القانوني فيما يتعلق بالاختصاص القضائي ليس معقدا. لا توجد دولة فلسطينية ذات سيادة. ليست هناك حاجة للخبرة القانونية. المطلوب هو النزاهة القانونية”.

وكانت بنسودا قد أشارت في الماضي إلى أن مسألة ما إذا كان للمحكمة اختصاص هي مسألة معقدة، وهذا هو السبب الذي دفع المستشار القانوني للحكومة في العام الماضي إلى إصدار ورقة تشرح وجهة نظر إسرائيل، كما قال روي شندورف، نائب المستشار القانوني للحكومة للقانون الدولي في وزارة العدل.

وأضاف شندورف “ومنذ ذلك الحين، عملت مجموعة من أفضل المحامين والخبراء القانونيين في وزارة العدل ومجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية على إعداد التقرير، وهذا في رأيي مقنع للغاية”.

وكان ماندلبليت قد أعلن العام الماضي أنه يدرس نشر تقرير يفسر أسباب رفض إسرائيل الصلاحية الجنائية للمحكمة. وقال إنه في ضوء إشارة المدعية العامة للمحكمة في وقت سابق من هذا الشهر إلى أنها تنوي التوصل إلى قرار بشأن هذه المسألة قريبا، فقد أصدر رأيه في الوقت الحالي.

ويتطرق تقرير المستشار القانوني للحكومة إلى افتقار المحكمة المفترض للاختصاص فقط، ولا يناقش مسائل أخرى كان على المدعية العامة أخذها في الحسبان عند دراستها لقرار فتح تحقيق، مثل ما إذا كانت الجرائم المزعومة المرتكبة في “فلسطين” خطيرة بشكل يستدعي تدخل المحكمة، أو ما إذا كان يمكن الاعتماد على المحاكم المحلية للتحقيق في هذه الجرائم المزعومة.

في تقرير المحكمة الجنائية الدولية حول التحقيق الأولي، والذي صدر في الخامس من ديسمبر، أشار مكتب المدعية العامة إلى أن النزاع الإسرائيلي الفلسطيني كان قيد الفحص الأولي منذ ما يقرب من خمس سنوات، تعمق خلاله “فهم (المكتب) وتقييمه للوضع”. لذلك، ترى بنسودا “أن الوقت قد حان لاتخاذ الخطوات اللازمة لإنهاء الفحص الأولي”، كما جاء في التقرير.

وقد أبرز تقرير هذا العام ، مثل التقارير السابقة ، أن مسألة الاختصاص القضائي تمثل “تحديا فريدا” أمام المحكمة.

وجاء في الوثيقة “على وجه الخصوص، نظر المكتب في نطاق اختصاص المحكمة وكذلك التحديات المحتملة التي تواجهها”، وجاء في النص أيضا “خلال الفترة المشمولة بالتقرير، سعى المكتب إلى وضع اللمسات الأخيرة من موقفه بشأن الشروط المسبقة لممارسة اختصاص المحكمة”.

واحتل التقرير عناوين الصحف في إسرائيل لما جاء فيه من أن بنسودا “تابعت بقلق المقترحات المقدمة خلال الحملة الانتخابية الأخيرة، والتي سيتم تقديمها للكنيست، بشأن قيام إسرائيل بضم غور الأردن في الضفة الغربية”.

وكان نتنياهو قد تعهد مرارا بتطبيق السيادة الإسرائيلية بأسرع وقت ممكن على منطقة غور الأردن – التي تشكل ربع الضفة الغربية – إذا تمكن من تشكيل حكومة جديدة وسط الجمود السياسي المستمر. ولقد زعم حزب “الليكود” أن رئيس الوزراء مهتم فقط بالبقاء في منصبه لمدة ستة أشهر إضافية – وهو أحد المطالب التي عُرضت في المفاوضات الإئتلافية على تشكيل حكومة وحدة – من أجل الوفاء بوعده.

ولم يكن الفلسطينيون أيضا راضين عن تقرير هذا العام، حيث أنه سلط الضوء على قيام الشرطة الفلسطينية كما يزعم بتعذيب المعتقلين، وكذلك التعويض المالي الذي تقدمه السلطة الفلسطينية لمنفذي هجمات ضد إسرائيليين.

ساهمت في هذا التقرير وكالة فرانس برس.