في 22 مايو، 2017، أصبح دونالد ترامب أول رئيس أمريكي في منصبه يقوم بزيارة الحائط الغربي. “الكلمات لا يمكنها وصف التجربة”، كما قال بعد ساعات من ذلك. “سوف تترك [هذه الزيارة] انطباعا عليّ إلى الأبد”.

الزيارة التاريخية حدثت قبل بضعة أشهر من اعتراف ترامب رسميا بالقدس عاصمة لإسرائيل، وبعد وصف محطته في الحائط الغربي، كما كان متبعا بحسب البروتوكول الدبلوماسي حينذاك – ولا يزال الوضع كذلك إلى درجة معينة – بـ”الخاصة”.

مثل جميع القادة الأجانب الذين قاموا بزيارة الموقع قبله، لم يرافق ترامب مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى، خشية أن يتم تفسير وجودهم بأنه اعتراف ضمني بالسيادة الإسرائيلية على الشطر الشرقي المتنازع عليه من المدينة.

بحسب مصدر له مكانته، خشي المسؤولون الأمريكيون من ظهور رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي رافق ترامب في كل محطة أخرى خلال رحلته إلى إسرائيل، بشكل غير متوقع في الحائط الغربي أيضا.

إلا أن نتنياهو لم يفعل ذلك، واحترم التقاليد الدبلوماسية العريقة التي بحسبها تقوم شخصيات أجنبية  ترغب بزيارة القدس القديمة بفعل ذلك بصفة خاصة، من دون مرافقة دبلوماسيين إسرائيليين.

لكن منذ زيارة ترامب إلى الحائط الغربي، واعترافه في 6 ديسمبر، 2017، بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقيامه بنقل السفارة الأمريكية إلى هناك في 14 مايو، 2018، بدأت هذه القاعدة الصارمة بالإنهيار، ببطء ولكن بثبات.

في الأشهر الأخيرة، قامت شخصيات أجنبية بزيارة الموقع اليهودي المقدس أكثر من أي وقت مضى، وعدد كبير منهم لم يعودوا يمانعون مرافقة دبلوماسيين إسرائيليين لهم.

دوري غولد، المدير العام السابق لوزارة الخارجية، يقول: “تم إسقاط الكثير من الموانع التي تكون قد كانت في الماضي. من الواضح أن الكثيرين في المجتمع الدولي يرون أن الحائط الغربي، إن لم يكن المدينة بكاملها، سيبقى بين أيد إسرائيلية في أي اتفاق سلام مستقبلي”.

دوري غولد في عام 2017 (Perry Bindelglass)

وفي حين أن بعض الدبلوماسيين الغربيين حاولوا إحياء فكرة القدس كمنطقة مستقلة (كوربوس سباراتوم) – تدويل المدينة – فإن آخرين كثر يدركون أن هذه الفكرة غير واقعية على الإطلاق، بحسب غولد، الذي يرأس مركز القدس للشؤون العامة، وهي مؤسسة أبحاث يمينية.

ويقر غولد أنه مما لا شك فيه أن العديد من الدبلوماسيين الأوروبيين الغربيين ما زالوا يصرون على “الصيغ القديمة” حول القدس. لكنه يضيف أنه “من خلال المحادثات الخاصة ، هناك انطباع بأن هناك تفهم متزايد بأن القدس لن يتم تقسيمها”.

بحسب البروتكول الدبلوماسي المتبع، فإن الشخصيات الخارجية التي تختار زيارة الحائط الغربي بصفة خاصة يكون باستقبالهم الحاخام شموئيل رابينوفيتش لكن لا ينضم إليهم دبلوماسيون رفيعو المستوى. رابينوفيتش هو موظف في مؤسسة تراث الحائط الغربي، وهي وكالة حكومية أسستها وزارة الشؤون الدينية في عام 1988.

بطبيعة الحال فإن كبار الشخصيات الأجنبية محاطون بأفراد الأمن الإسرائيلي – الذين تصرفوا في عام 1996 بوقاحة دفعت الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى التهديد بإلغاء زيارته والعودة إلى باريس – ودبلوماسيون أقل رتبة مسؤولون عن البروتوكول.

بحسب الناطق بإسم وزارة الخارجية، عمانويل نحشون، لا يزال هذا هو الإجراء المتبع. وقال نحشون لتايمز أوف إسرائيل “لا يوجد هناك تغيير في السياسية”، مضيفا أنه يتم إجراء “تعديلات” بناء على تغييرات في سياسية البلد أو احتياجات جدول زيارة الضيف.

الأمير وليام (وسط-يسار) يسير إلى جانب الحاخام الأكبر للحائط الغربي، شموئيل رابينوفيتش (من اليمين) خلال زيارة إلى الحائط الغربي، في القدس القديمة، 28 يونيو، 2018. (AFP photo / Menahem Kahana)

لكن حوالي 12 من المسؤولين والمحللين الذين تمت مقابلتهم في هذا المقال يقولون إنهم لاحظوا في الأشهر الأخيرة بأن عددا أكبر من أصحاب المناصب الرسمية يقومون بزيارة الحائط الغربي مع السفراء الإسرائيليين لدى بلدانهم.

وبشكل لا يثير الاستغراب، فإن الإدارة الأمريكية كانت الرائدة في الدفع بهذا الاتجاه.

في 6 ديسمبر، 2018 – الذكرى السنوية الأولى لإعلان ترامب بشأن القدس – أجرى السفير الأمريكي ديفيد فريدمان مراسم إضاءة شموع بمناسبة عيد الحانوكاه في الموقع، حضره رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

السفير الأمريكي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، الثاني من اليمين، وزوجته تامي، الثالثة من اليمين، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يسار الصورة من الأمام، في الحائط الغربي في القدس القديمة في طقوس إضاءة شموع بمناسبة عيد الحانوكاه ومرور عام على إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 6 ديسمبر، 2017، عن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. (Matty Stern/US Embassy Jerusalem)

فريدمان لم يغفل أهمية اللحظة. في خطابه، أشار إلى أن هذه قد تكون المرة الأولى التي يقوم فيها رئيس حكومة إسرائيلية بزيارة موقع مقدس مع مسؤول أمريكي كبير.

وقال: “آمل أن تكون هذه المرة الأولى من بين مناسبات أخرى كثيرة”.

بعد شهر بالضبط، قام فريدمان بأخذ مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، الذي كان في زيارة إلى البلاد، إلى الحائط الغربي وإلى جولة في الأنفاق ومركز الزوار بالقرب من الموقع المقدس. خلال فترة مكوثه هنا، انضم إلى بولتون نظيره الإسرائيلي، مئير بن شبات؛ كبير مستشاري نتنياهو للشؤون الخارجية رؤوفين عزار؛ وسفير إسرائيل لدى واشنطن رون ديرمر.

حينذاك علق صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير لفلسطينية، بغضب على الزيارة بالقول “هذا السلوك لن يغير حقيقة أن القدس الشرقية هي أرض محتلة وعاصمة دولة فلسطين”، واعتبر أن هذه الزيارات تقوض القانون الدولي و”تؤدي إلى الفوضى”.

بعد ظهر يوم الخميس، أصبح وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أول مسؤول رفيع المستوى يقوم بجولة في الموقع مع رئيس الوزراء الإسرائيلي.

(من اليمين إلى اليسار) رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، والسفير الأمريكي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، يقومون بلمس حجارة الحائط الغربي في القدس القديمة، 21 مارس، 2019، خلال اليوم الثاني من زيارة بومبيو في إطار جولة في الشرق الأوسط ستستمر لمدة خمسة أيام. (Photo by JIM YOUNG / POOL / AFP)

وزار بومبيو ونتنياهو الحائط الغربي ، وقاما بجولة في الأنفاق المحيطة، التي تقع تحت الحي الإسلامي للبلدة القديمة. في مركز الزوار، شاهد  الرجلان محاكاة لإعادة بناء الهيكل اليهودي الذي وقف مرة على جبل الهيكل بتكنولوجيا الواقع الإقتراضي.

هناك أيضا التشيكيون، الأوكرانيون، الليبريون…

لكن الأمريكيين ليسوا وحدهم في ذلك. في نوفمبر الماضي قام وزير الخارجية التشيكي توماش بتريتشيك بزيارة الحائط الغربي برفقة السفير الإسرائيلي في براغ، دانييل ميرون. وقد سلط الإسرائيليون الضوء على أهمية هذه الخطوة الغير مسبوقة، في حين أدانها المسؤولون الفلسطينيون.

وقالت نائبة وزير الخارجية تسيبي حاطوفيلي  في الحدث حينذاك: “لقد صنع وزير الخارجية التشيكي التاريخ بكونه أول وزير أوروبي يقوم بزيارة الحائط (الغربي) برفقة سفير إسرائيلي”.

عريقات، من الجهة الأخرى، أشار غاضبا إلى أن بتريتشيك انتهك مبدأ “عدم الاعتراف بأوضاع غير قانونية، بما في ذلك ضم إسرائيل الغير قانوني للقدس”.

منذ ذلك الحين، زار رئيس أوكرانيا ورئيس ليبيريا هما أيضا الموقع برفقة السفيرين الإسرائيليين في بلديهما. وقد حذت شخصيات أجنبية أخرى حذوهما.

الرئيس الأوكراني بيترو بوروشنكو، الثاني من اليسار، يزرو الحائط الغربي في القدس القديمة، برفقة السفير الإسرائيلي في كييف جول ليون، الثاني من اليمين، 21 ديسمبر، 2019. (courtesy Edmon)

الفلسطينيون ليسوا الوحيدين المستائين من هذا التوجه، فقد قال دبلوماسي من إحدى دول أوروبا الغربية لتايمز أوف إسرائيل، تحدث شريطة عدم الكشف عن اسمه، “نحن على دراية بذلك، ونعم، نشعر بالقلق إزاء ذلك”.

وأوضح الدبلوماسي أن الإتحاد الأوروبي يرفض بشكل قطعي المطالبة الإسرائيلية بالقدس الشرقية، وبالتالي يحض ممثلين من الدول الأعضاء عن الامتناع عن الظهور مع مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى في الموقع.

مدى انتشار هذه الظاهرة لا يزال غير واضح، ولا يوجد هناك من يتعقب عدد الشخصيات الأجنبية التي قامت بزيارة الموقع وعدد الذين وصلوا إليه برفقة مسؤولين إسرائيليين.

مستشار الأمن القومي جون بولتون يقوم بزيارة أنفاق الحائط الغربي في القدس القديمة، 6 يناير، 2019. رافق بولتون في جولته السفير الأمريكي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان والحاخام مردخاي سولي إلياف، رئيس مؤسسة تراث الحائط الغربي. (Ziv Sokolov/US Embassy Jerusalem)

وتقول يوهانا بيسرور، المتحدث باسم مؤسسة تراث الحائط الغربي أن “شخصيات من كل أنحاء العالم تأتي دائما إلى الحائط الغربي، ونحن نستقبل عشرات الزيارات في كل عام… يمكننا القول إنها تزداد من سنة إلى أخرى”. لكنها رفضت التعليق على زيارات المسؤولين الأجانب برفقة دبلوماسيين إسرائيليين. “إننا في الكوتل على استعداد لاستقبال كل زيارة”، كما قالت، مستخدمة الاسم العبري للموقع المقدس.

ما سبب التوجه الجديد؟

بحسب حاطوفيلي، نائبة وزير الخارجية الإسرائيلي التي تُعتبر من الصقوريين، فإن التغيير يعود في جزء كبير منه إلى التعليمات التي أصدرتها هي لقسم الزوار في الوزارة.

وقالت لتايمز أوف إسرائيل “عندما أتيت إلى الوزارة، كان الوضع إشكاليا للغاية. العديد من الشخصيات أرادت القيام بزيارات بصفة خاصة إلى البلدة القديمة ولم توافق على أن يرافقها دبلوماسيونا. لكننا أصرينا، وبعد فترة من الوقت رأينا درجة معينة من النجاح”.

وأضافت أنه بما أن إسرائيل تعتبر نفسها صاحبة السيادة في البلدة القديمة، يحتاج كل زائر إلى مرافقة رسمية. “وهناك استعداد أكثر لذلك اليوم، فنحن لا نرى أبدا تقريبا أشخاصا يرفضون ذلك”، حسبما قالت.

لكن دبوماسي أوروبي قال لتايمز أوف إسرائيل إن سفارة بلاده لم تتعرض يوما لضغوط للموافقة على قيام مسؤولين إسرائيليين بمرافقة كبار الشخصيات الذين يقومون بزيارة الحائط الغربي، وهم لا يشعرون أن هناك حاجة للقلق بشأن ذلك أيضا.

دانييل سيدمان، وهو محلل مخضرم في السياسات المتعلقة بالقدس والذي كثيرا ما تسعى سفارات أجنبية للاستفادة من خبرته في هذا الشأن، يعرض تفسيرين إضافيين لهذا التوجه.

الأول، بعض الحكومات لا تحبذ قرارات اليونسكو المختلفة التي تنفي المطالبات الإسرائيلي في المدينة المقدسة، وإحدى الطرق الجيدة لإظهار الاعتراف بالصلة اليهودية العميقة بالقدس هي من خلال زيارة الحائط الغربي، كما يقول.

نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس يزور الحائط الغربي، 23 يناير، 2018. (AFP photo/Thomas Coex)

القيام بذلك مع مرافقة إسرائيلية “يشبه نقل السفارة – ’لايت’”، كما يقول سيدمان. “هناك ضغوط علنية وخفية على دول أخرى لنقل سفاراتها. لن يفعلوا ذلك. أعتقد أن بعض الدول في الإتحاد الأوروبي ستفعل ذلك، في المكان الذي لا يتم الضغط عليهم بلا رحمة بعدم اتخاذ خطوات في هذه المسألة… إنهم يجدون بدائل، مثل افتتاح مركز ثقافي أو مكتب تجارة”، كما يقول.

وأضاف أن زيارة الحائط الغربي برفقة مسؤول إسرائيلي هي “رد غير تقليدي” آخر على الضغوط التي تمارسها إسرائيل للإعتراف بالقدس عاصمة لها.

وبدأت زيارة ترامب غير المسبوقة إلى الحائط – جورج بوش الأب، بيل كلينتون، جورج بوش الابن وباراك أوباما جميعهم قاموا بزيارة الموقع أيضا، لكن أيا منهم لم يفعل ذلك بعد استلامه مهام الرئيس – عملية وصلت ذروتها في افتتاح السفارة لكنها ما زالت مستمرة.

حتى الآن، دولة واحد فقط – غواتيمالا – تتبعت خطى الإدارة الأمريكية وقامت بنقل سفارتها إلى القدس.

لكن خطوات ترامب اقتلعت الكثير من السياسات الراسخة بعمق، بحسب غولد، الدبلوماسي الكبير السابق.

وقال غولد: “إن مسألة القدس في المجتمع الدولي في حالة تغير كبيرة، في حين كانت تبدو في السابق مقفلة”.