أ ف ب – بدأ المتظاهرون قطع طرق رئيسية في وقت مبكر يوم الجمعة في بيروت ومناطق عدة، تأكيداً على إصرارهم على شلّ البلد لليوم التاسع على التوالي وتمسكهم بمطلب رحيل الطبقة السياسية، رافضين الدعوة الى الحوار التي أطلقها رئيس الجمهورية.

وأفاد مصورون في وكالة فرانس برس أن المتظاهرين قطعوا الطرق الرئيسية في بيروت وتلك المؤدية الى مطارها الدولي ومداخلها كافة. كما قطعت طرق في مناطق عدة شمالا وجنوبا. ويستخدم المعتصمون لقطع الطرق عوائق ومستوعبات نفايات وقطع حديدية. كما تم إحراق إطارات على طريق المطار. وفي أماكن أخرى، نصب متظاهرون خيماً وسط الطرق الرئيسية باتوا ليلتهم فيها.

وأبقت المصارف والمدارس والجامعات أبوابها مقفلة.

ودعا الرئيس اللبناني ميشال عون يوم الخميس المتظاهرين إلى اختيار ممثلين عنهم ليلتقي معهم في “حوار بناء”، من أجل “الاستماع تحديداً الى مطالبكم، وتسمعون بدوركم من قبلنا مخاوفنا من الانهيار الاقتصادي”. كما أبدى انفتاحه على “إعادة النظر في الواقع الحكومي”.

رجال لبنانيون يدخنون النرجيلة وهم يشاهدون خطابًا متلفزًا للرئيس ميشال عون، في مقهى في العاصمة بيروت في 24 أكتوبر 2019، بينما يخاطب عون المتظاهرين في اليوم الثامن من الاحتجاجات على زيادة الضرائب والفساد الحكومي (IBRAHIM AMRO / AFP)

لكن خطابه لم يلق آذانا صاغية في الشارع.

ويلقي الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله عصر الجمعة كلمة يتناول فيها التطورات اللبنانية. وكان نصرالله رفض في خطاب ألقاه قبل أيام استقالة الحكومة، داعيا الى معالجات تأخذ بالاعتبار هموم الناس.

ويشارك حزب الله في الحكومة بثلاثة وزراء، لكنه جزء من الأغلبية الحكومية التي تضم وزراء محسوبين على رئيس الجمهورية وحزب الله وحركة أمل (رئيسها رئيس البرلمان نبيه بري) وحلفاء.

وكسر المتظاهرون في الحراك الشعبي غير المسبوق في لبنان للمرة الأولى “محرمات” عبر التظاهر في مناطق تعد معاقل رئيسية لحزب الله وتوجيه انتقادات للحزب ولأمينه العام.

ويحظى نصرالله باحترام شديد بين مؤيديه إجمالا. وإن كانت التظاهرات أقل حجما في مناطق نفوذه، لكنها لافتة.

“نريد البقاء في الشارع”

ولم تستثن هتافات وشعارات المتظاهرين زعيما أو مسؤولا. لكن ساحة رياض الصلح شهدت ليل الخميس توترا تطور إلى تدافع، بدأ مع اطلاق مجموعة من الشبان هتافات مؤيدة للأمين العام لحزب الله، رافضين إدراجه في الخانة ذاتها مع الطبقة السياسية التي يطالب المتظاهرون برحيلها. وأثار ذلك اعتراض بقية المتظاهرين.

وتدخلت قوة من مكافحة الشغب للفصل بين المتظاهرين، بينما أفادت الوكالة الوطنية للاعلام الرسمية عن سقوط جريح على الأقل.

وقال عصام (30 عاماً)، وهو موظف إداري، اليوم لفرانس برس: “نريد البقاء في الشارع لتحقيق مطالبنا المعيشية وتحسين البلد”، مضيفا: “نريد أن يسقط النظام.. والشعب بأكمله بات جائعا ولا حلّ آخر أمامنا”.

وأضاف: “لا نخشى تخريب التظاهرات لأننا جميعا شعب واحد.. لقد ظهر لكل الأحزاب أننا موحدون ونريد تحقيق مطالبنا”.

صورة تم التقاطها في 24 أكتوبر، 2019 لمتظاهرين لبنانيين يلوحون بالأعلام اللبنانية في ساحة النور بمدينة طرابلس بشمال البلاد، في اليوم الثامن من الاحتجاجات ضد رفع الضرائب والفساد الحكومي. (Photo by Ibrahim CHALHOUB / AFP)

ويتهم متظاهرون “مندسين” بالتسلل بين المتظاهرين لزرع البلبلة بينهم.

في مدينة النبطية التي تعد من أبرز معاقل حزب الله جنوباً، أقدمت شرطة البلدية قبل يومين على تفريق متظاهرين بالقوة، وتعرضت لبعضهم بالضرب، إلا أن المتظاهرين أصروا الخميس على مواصلة تحركهم. وقدّم خمسة أعضاء في المجلس البلدي استقالاتهم احتجاجاً على قمع المتظاهرين السلميين.

“شرذمة” التظاهرات

ويرى فارس الحلبي (27 عاما)، وهو ناشط وباحث في منظمة غير حكومية، أن “الأحزاب اللبنانية تحاول اختراق التظاهرات والضغط عليها أو شرذمتها ولا يقتصر الأمر على حزب الله فحسب”، لافتاً إلى أن الأخير “يستعمل حجة شتم نصرالله لافتعال بعض المشاكل مع المتظاهرين أو الضغط عليهم”.

وعنونت صحيفة “الأخبار” المقربة من حزب الله على صفحتها الأولى الجمعة “خطر الفوضى”.

وبات واضحا أن القوى السياسية التي بدت عاجزة عن احتواء الغضب الشعبي، تراهن على تعب المتظاهرين وتراجع أعدادهم.

وقبل دعوة عون الى الحوار، أعلنت الحكومة خطة إصلاح “جذرية” تضمنت خفضاً بنسبة النصف لرواتب المسؤولين، وتقديمات ووعود بإصدار قانون لاستعادة الأموال المنهوبة، وغيرها، رفضها الشارع أيضا لعدم ثقته بقدرة الحكومة التي لطالما وعدت ولم تف، على التنفيذ.

“التحدي الأساسي”

وقال الحلبي الذي يعد من بين الناشطين البارزين في التظاهرات في وسط بيروت “وصل الشعب إلى نقطة كسر العلاقة مع النظام القائم (..) والتحدي الأساسي أمامنا اليوم هو دعم الحراكات اللامركزية من أقصى الشمال الى اقصى الجنوب”.

وتعليقا على دعوة عون لاختيار ممثلين عن المتظاهرين، قال الحلبي “لحظة اختيار أي ممثل أو قائد للثورة، يعني أننا أطلقنا النار على أنفسنا وهذا يجب ألا يحصل”.

متظاهرون لبنانيون يهتفون شعارات أثناء مشاركتهم في مظاهرة حاشدة في وسط مدينة بيروت، 20 أكتوبر 2019. (Anwar AMRO / AFP)

ويشارك مئات الآلاف المواطنين بشكل عفوي في الاعتصامات والتظاهرات من دون أي دعوات منظمة أو وقوف جهات محددة خلفهم، ومن كل المناطق والطوائف.

وقال عفيف يونس (30 عاما)، موظف، لفرانس برس: “ثمة محاولة لإثارة الخوف تقوم بها أحزاب السلطة (..) لكنهم لن ينجحوا”، مؤكدا أن ” حاجز الخوف من ’الشبيحة’ الذين يرسلونهم للتخويف انكسر”.

وتابع: “كلما قاموا بالترهيب خصوصا في صور (جنوب) والنبطية، تشجع الناس أكثر على المشاركة في التظاهرات، ونتمنى أن يستفيقوا ويعملوا على إيجاد حلول وامتصاص غضب الناس”.