بشكل نظري، إعادة إعمار غزة والصلح بين حماس وفتح ممكن أن ينجحا.

بعد عدة إتفاقات توافق بين الطرفين، أتت اللحظة العاطفية أخيرا في يوم الخميس عندما عقدت أول جلسة لحكومة التوافق الفلسطينية في غزة.

رئيس الوزراء رامي حمدالله حتى إلتقى بإسماعيل هنية، الذي منذ الآن يلقب في الإعلام الفلسطيني “نائب رئيس المكتب السياسي لحماس”، بدلا عن رئيس الوزراء في غزة.

واليوم في القاهرة، سوف يبدأ المؤتمر الدولي للمانحين لإعادة إعمار غزة. ممثلي الدول المتبرعة والأطراف ذو النفوذ في الساحة الدولية سوف يحضرون لمعرفة أين ستذهب أموالهم، من سيضمن وصول الأموال إلى الأطراف الصحيحة وليس إلى المجموعات المسلحة في غزة، وكيف سوف يتم تنفيذ كل هذا.

السلطة الفلسطينية سوف تقدم إتفاقياتها مع إسرائيل حول المعابر الحدودية وعملية إعادة إعمار غزة، وقاعات القاهرة سوف تكون مليئة بالتفاؤل.

السؤال هو ماذا سيحصل بالفعل. سكان قطاع غزة المعتادون على خيبات الأمل، يبدون من الآن أكثر حذر وواقعية. لقد مر شهر ونصف منذ إنتهاء الحرب، وحتى الآن لم يتغير شيئا. ممكن أن يمتلئ القطاع الساحلي بمواد الإعمار في الأيام القريبة، وان تبدأ عمليات الإعمار، ولكن في الواقع لم يبدأ إعمار المنازل، والشتاء قادم.

أخبرني صديق لي في غزة يوم السبت بأن المنازل التي دمرت خلال حملات الجيش الإسرائيلي في منطقة رفح عام 2004 و2005، لم يتم إعادة بنائها حتى الآن. في تلك الحملات تم هدم مئات البيوت، وبعد تقريبا 10 سنوات هذه البيوت ما زالت تنتظر البناء.

في العقد الماضي، تعهدت العديد من الدول بأن ترسل أموال إلى غزة أو إلى السلطة الفلسطينية في عشرات المناسبات، ولكن هذه الأموال أرسلت بشكل جزئي أو لم ترسل أبدا.

إذا لماذا الآن؟ إنه غير واضح. على الأقل حماس وإسرائيل لديها مصلحة مشتركة (شيء ليس نادر) في إعادة إعمار قطاع غزة بسرعة.

لحماس، عدم إعادة الإعمار وعدم فتح المعابر الحدودية يعني خسارة كبيرة في الحرب الأخيرة مع إسرائيل. بينما إعادة الإعمار وفتح الحدود تخفيفا للحصار، سوف يعزز الإدعاء الذي تدعيه حماس منذ اليوم الأول لعملية الجرف الصامد: إنها هزمت إسرائيل.

لضمان إعادة الإعمار، حماس على إستعداد للتنازل عن سلطتها على الحدود، وحكمها على الحياة اليومية في غزة، ولكنها غير مستعدة بأي شكل من الأشكال أن تتنازل عن قدراتها الأمنية وعن أسلحتها.

الإسرائيليون معنيون بإعادة الإعمار حيث سوف تمكن الإستمرار بسياسة “الهدوء سوف يقابل بالهدوء” لحكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، التي تسعى للتهدئة بدون حل المشاكل الأساسية، حتى لو لم يتم نزع السلاح من حماس. كل هذا يمنح إسرائيل بعض الأشهر من الهدوء الكاذب، حتى الجولة التالية من القتال.

في الوقت ذاته، لمصر والسلطة الفلسطينية إشكاليات مع هذا الوضع. هم يدركون بأن إعادة الإعمار، في حال تمت بشكل أسرع من اللازم وبدون أي تغيير في الحكم في غزة، سوف تقوي حماس. هذا يبدو أقل إشكالا لإسرائيل، التي ترى بحماس شريك عمل بينما ترى رئيس السلطة الفلسطينية كعدو إستراتيجي. القاهرة ورام الله قلقون بهذا الشأن، وعلى الأرجح سيحاولون المماطلة في عملية إعادة الإعمار.

عامل إشكالي آخر، الذي لا يؤخذ في الحسبان في الوقت الحالي، هو الرأي العام في غزة. حماس والسلطة الفلسطينية اقترفوا خطأ برفع آمال سكان غزة في الأسابيع الأخيرة. فهم تعهدوا تعهدات عديدة لإعادة الإعمار السريعة، فتح المعابر، تخفيف الحصار، دخول العمال الغزيين إلى العمل في إسرائيل، وحتى لفتح “معابر آمنة” بين غزة والضفة الغربية.

سوف يمر وقت طويل قبل أن تتحقق هذه الأمور، والشارع الغزي سوف يوجه أصبع الإتهام ليس إتجاه إسرائيل، السلطة الفلسطينية ومصر فقط، بل إتجاه حماس أيضا. والأخير على الأرجح سوف يحاول تخفيف المعارضات عن طريق تصعيد المواجهات مع إسرائيل. هكذا تصرفت دائما في الأزمات، وهذا ما فعلته في الصيف الأخير.

وما لا يقل أهمية، هو صمت إسرائيل حول إعادة الإعمار. خلال حرب غزة، نتنياهو، وزير الخارجية افيغادور ليبرمان، ووزير الدفاع موشيه يعالون أصدروا العديد من التصريحات، ولكن الآن لا أحد قام بتقديم الإتفاقات الأخيرة مع السلطة الفلسطينية (وبشكل غبر مباشر مع حماس) حول إعادة الإعمار للجمهور الإسرائيلي. هذا تتركه إسرائيل للطرف الفلسطيني.

الجمهور الإسرائيلي، الذي إعتقد بأن حماس هي العدو، وبأن إسرائيل إنتصرت بالحرب، وأن نتنياهو لا ينحني أمام الإرهاب، سوف يكتشف قليلا فقليلا واقع مختلف ومظلم أكثر: نتنياهو والحكومة الإسرائيلية مستعدون للتفاوض مع تنظيمات إرهابية، حتى بعد ما يبدو أنه تم هزيمتهم في المعركة.