يستعد القادة اليهود في الولايات المتحدة لبث برنامج وثائقي من إنتاج شبكة “الجزيرة” يتهم المنظمات المؤيدة لإسرائيل في واشنطن بمساعدة إسرائيل على تحديد وتشويه سمعة مواطنين أمريكيين يُنظر إليهم على أنهم منهاهضون لإسرائيل، بما في ذلك مؤيدون لحملة المقاطعة وسحب الإستثمارات وفرض العقوبات (BDS)

وتفاجأ نشطاء مؤيدون لإسرائيل في العاصمة الأمريكية في الأسبوع الماضي بتلقيهم طلبا من الشبكة الإخبارية للحصول على تعليق حول برنامج  وثائقي بعد أن حصلوا على تعهد، كما يزعمون، من السلطات القطرية بمنع بث البرنامج، بحسب ما ذكرته صحيفة “هأرتس”.

وقالت الشبكة في رسالة بريد إلكتروني يعود تاريها إلى 2 فبراير حصلت عليه صحيفة “واشنطن إكزامينر”، إن “الجزيرة في المراحل النهائية من إعداد فيلم وثائقي حول دور جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة”، وأضافت الرسالة أن “الفيلم الوثائقي سيحقق في كيفية قيام هذه الجماعات بضمان الدعم لإسرائيل في الكونغرس ودورها في حملة إسرائيل السرية لهزم الـ BDS، حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل”.

وأضافت الشبكة في رسالة البريد الإلكتروني أنها “كشفت عن أدلة، تشير إلى أن هذه المجموعات قد تكون عملت أيضا في إطار هذه الحملة مع إسرائيل لجمع معلومات إستخباراتية عن مواطنين أمريكيين مؤيدين لـ BDS وتشويه سمعتهم، فضلا عن غيرهم ممن يُنظر إليهم بأنهم يشكلون تحديا لإسرائيل”.

ومنحت الشبكة المنظمات اليهودية مهلة ثلاثة أسابيع للرد.

في شهر يناير من العام الماضي ذكرت مجلة “تابلت” اليهودية إن السفارة الإسرائيلية في الولايات المتحدة ومنظمة “مشروع إسرائيل” الغير حكومية ومؤسسة “الدفاع عن الديمقراطيات”، وهي مؤسسة بحثية، ستكون مستهدفة في البرنامج.

وتفاجأت هذه المنظمات بتلقيها البريد الإلكتروني بعد حصولها على تعهد كما يُزعم من السلطات القطرية في أكتوبر – وهو ما تم تأكيده لصحيفة “هآرتس” من قبل خمس مصادر من منظمات يهودية مختلفة – بأن الدوحة ستعمل على ضمان عدم بث البرنامج الوثائقي. هذا التعهد جاء بعد عقد سلسلة من المحادثات رفيعة المستوى بين القطريين ونشطاء كبار مؤيدين لإسرائيل في واشنطن – في إطار المحاولات القطرية الجارية لتحسين علاقتها مع الجالية اليهودية الأمريكية بعد قيام السعودية ودول خليجية أخرى بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الدوحة في العام الماضي.

البرنامج الوثائقي المكون من أربعة أجزاء عن اللوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة يستند على تحقيق أجراه مراسل إستقصائي لقناة “الجزيرة” كان قد أُرسل إلى واشنطن في عام 2015 وعمل تحت الاسم المستعار أنطوان كلاينفيلد، بحسب ما ذكرته “تابلت”.

في شهر أكتوبر، أقر محرر في “الجزيرة” بزرع مراسل سري داخل المنظمات المؤيدة لإسرائيل في العاصمة واشنطن.

أمير قطر، الشبخ تميم بن حمد آل ثاني يشارك في قمة مجلس التعاون الخليجي في قصر بيان في الكويت، 5 ديسمبر، 2017. (Giuseppe CACACE / AFP)

وتمكن المراسل، واسمه الحقيقي هو جيمس أنتوني كلاينفيلد والتي وصفته “تابلت” بأنه صانع أفلام فلسطيني، من الحصول على عمل في عدد من المنظمات المؤيدة لإسرائيل، وإجراء مقابلات مع عشرات النشطاء اليهود المؤيدين لإسرائيل، والوصول إلى متبرعين، واستضافة مسؤولين صغار من السفارة الإسرائيلية في منزله، وتصوير عشرات الساعات من الفيديو. وغادر المراسل واشنطن فجأة في يناير 2017 ولم يره أحد منذ ذلك الحين.

وقالت “تابلت” في تقريرها “في الصيف الماضي، بعث وجود شخص مفعم بالحيوية الحياة في دوائر المجتمع الصغير والممل عادة للمنظمات المناصرة لإسرائيل في واشنطن”، وأضاف التقرير “رجل شاب يُدعى أنطوان كلاينفيلد وصل من أوكسفورد، حيث كان طالبا هناك. تحدث بلهجة سكان شمال لندن وارتدى ملابس أنيقة. وأجاد التحدث بطلاقة بست لغات، بما في ذلك اليدشية والعبرية، وأطلع أصدقاءه الجدد على روايات عن هوايته، استوقاف السيارات في العالم، والتي أخذته، كما قال، إلى 80 بلدا من حول العالم”.

“كان هذا بالضبط نوع الهوايات، المكلفة وغريبة الأطوار، التي تشتهر بها الطبقات العليا في بريطانيا، وكلاينفيلد، والحق يقال، بدا بأنه الرجل المثالي، الذي يقيم حفلات في شقته الفاخرة ويحاول التقرب من خلال إرسال ملاحظات ورسائل نصية عميقة لكل من التقى به. على مدى بضعة أشهر، بين يونيو 2016 ويناير من العام الجاري، نجح في تشكيل علاقات مع عدد من المنظمات المؤيدة لإسرائيل في العاصمة ليصبح واحدا من أشهر النشطاء الصهاينة في المدينة”.

حملة قطر لبناء صورتها

في العام الماضي استأجر القطريون خدمات نيك موزين، وهو يهودي أرذوكسي، لمساعدتهم في تحسين صورتهم في صفوف القيادات اليهودية في واشنطن، بحسب ما ذكرته “هآرتس”.

نيك موزين (Courtesy of Muzin, via JTA)

وقام موزين، الذي عمل في السابق مستشارا لسناتورات جمهوريين محافظين أمثال تد كروز وتيم سكوت، بتنظيم لقاءات بين القطريين وشخصيات يهودية مؤثرة، وخاصة من التيار اليهودي اليميني المؤيد للمستوطنات.

بعض هذه اللقاءات عُقدت في الدوحة، وأخرى في نيويورك خلال تواجد الأمير القطري في المدينة للقيام بأعمال تتعلق بالأمم المتحدة.

في الأشهر الأخيرة، يحاول القطريون مغازلة إدارة دونالد ترامب بقوة. حتى أن الرئيس الأمريكي شكر في الشهر الماضي حاكم قطر لجهوده “في مكافحة الإرهاب والتطرف بكل أشكاله”.

خلال المناقشات التي جمعتهم مع القادة اليهود، أكد القطريون بحسب تقارير للنشطاء المؤيدين لإسرائيل على عدم دعمهم لحركة “حماس”، المنظمة الفلسطينية المسيطرة على قطاع غزة، وبأن جهودهم لإعادة بناء القطاع تتم بالتنسيق مع إسرائيل.

مثال على تغطية ’الجزيرة’، أحمد دقامشة، الجندي الأردني السابق الذي قتل سبع طالبات إسرائيليات، يتحدث مع الشبكة بعد إطلاق سراحه، 12 مارس، 2017. (Al-Jazeera/MEMRI screenshot)

الشكاوى من قبل القادة اليهود حول الصورة التي تحاول “الجزيرة” إظهار إسرائيل من خلالها  تزايدات بعد أن أعلنت الشبكة عن نيتها عرض سلسلة وثائقية حول اللوبي المؤيد لإسرائيل في واشنطن. واتهم الزعماء “الجزيرة” بمعاداة السامية وبإدارة عملية تجسس سرية على الأراضي الأمريكية.

بحسب تقارير قال نوح بولاك، المدير التنفيذي لمنظمة “اللجنة من أجل إسرائيل”، وهي مجموعة ضغط، لموزين إن صورة قطر ستتعرض لضرر كبير في حال تم بث البرنامج. وقام موزين بنقل الرسالة ورد بأن أسياده سيعملوا على ضمان عدم بث البرنامج، كما ذكرت “هآرتس”. التقرير أفاد أن القطريين لم يقدموا تعهدا خطيا.

رئيس المنظمة الصهيونية الأمريكية (ZOA) مورتون كلاين(Joseph Savetsky/courtesy of ZOA)

واستمرت الحملة لبناء صورة قطر بكامل قوتها، مع قيام شخصيات عامة يهودية مثل المحامي الان درشوفيتس ورئيس المنظمة الصهيونية الأمريكية، مورتون كلاين، بالسفر إلى الدوحة.

وكان كلاين هو من دعا قبل ستة أشهر من ذلك إلى منع الخطوط الجوية القطرية من الهبوط في المطارات الأمريكية بسب الدعم القطري لحركة حماس.

المنظمات اليهودية ظنت أو الوضع تحت السيطرة حتى تلقى جزء منها في الأسبوع الماضي رسالة البريد الإلكتروني من قناة “الجزيرة”، وفقا لما ذكرته “هآرتس”.

موزين، بحسب التقرير، قال لهم إن هناك سوء تفاهم وبأن السلطات القطرية لا تزال عازمة على الوفاء بوعدها.

وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني يتحدث مع نظيره الروسي خلال اجتماع عٌقد في موسكو في 10 يونيو، 2017. (AFP PHOTO / Yuri KADOBNOV)

لكن في الأسبوع الماضي، ذكرت تقرير أن وزير الخارجية القطري صرح في واشنطن إن القانون القطري يحظر تدخل السلطات في شؤون الإعلام.

ردا على سؤوال وجهه مراسل صحيفة “هآرتس” له حول التعهد المزعوم الذي قطعته قطر بعدم بث السلسلة الوثائقية، قال محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، إن “القانون القطري يحظر على الحكومة التدخل في الإعلام. إذا كانت لأي شخص مزاعم ضد الجزيرة، عليه التوجه إلى منظمات تنظيم وسائل الإعلام”.

في تصريح نقلته صحيفة “واشنطن إكزامينر”، قال نوح بولاك “دعونا لا نجمّل الكلمات حول ما كان ذلك – عملية تجسس احترافية وممولة جيدا قامت بها قطر على أراض أمريكية”.

وأضاف أن “هدفها هو تصوير اليهود الأمريكيين المنخرطين في نشاط سياسي طبيعي للغاية على أنهم متآمرين سريين مع الحكومة الإسرائيلية، إحدى الحيل القديمة لمعاداة السامية. إن اختراق مؤسسات سياسية أمريكية باستخدام أسماء مستعارة وكاميرات خفية قد يكون مشروعا في الدوحة، ولكن أعتقد أن للأمريكيين، وللإدارة الحالية، ستكون نظرة مختلفة بشأن هذا السلوك المشين”.

في العام الماضي، رفضت الهيئة البريطانية التنظيمية للاتصالات، “أوفكوم”، شكوى قُدمت ضد سلسلة وثائقية أخرى لشبكة “الجزيرة” كشفت عن محاولة مسؤول في السفارة الإسرائيلية التأثير على مشرعين بريطانيين. وقالت “أوفكوم” إن تقرير الشبكة، الذي دفع شاي ماسوت الذي صُور وهو يخطط ل”إسقاط” مشرعين بريطانيين اعتُبروا معادين لإسرائيل إلى تقديم استقالته، لم يكن معاديا للسامية.

وخلصت “أوفكوم” أيضا إلى أن البرنامج كان “برنامجا وثائقيا إستقصائيا جديا استكشف أنشطة السفارة الإسرائيلية، وبالأخص، المسؤول الكبير فيها حينذاك شاي ماسوت وعلاقاته مع عدد من المنظمات السياسية التي تروج لوجهة النظر المؤيدة لإسرائيل”.