بالنسبة للفلسطينيين في قطاع غزة، كان يوم الجمعة يوما صعبا آخر.

بالنسبة للفلسطينيين في الضفة الغربية، كان يوم الجمعة يوما عاديا آخر – يوم لحفلات الزفاف والتجمعات العائلية، وللبعض، للتمتع بوجبات طعام في مطاعم فاخرة في رام الله ونابلس.

لقد ولت الأيام التي كان يدفع فيها سقوط قتلى فلسطينيين في قطاع غزة (بنيران إسرائيلية) الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى الإعلان عن إضراب عام للخروج إلى الشارع والمشاركة في احتجاجات ضد إسرائيل.

صحيح، كانت هناك بعض المواجهات بين محتجين فلسطينيين والقوات الإسرائيلية في الضفة الغربية الجمعة، ولكن لم يكن هناك أي شيء إستثنئائي بشأن الاحتجاجات. هذه الاحتجاجات، وخاصة في قرى في منطقتي رام الله ونابلس، تجري كل يوم جمعة منذ عدة سنوات.

أحد المتظاهرين الفلسطينيين يلوح بعلمه الوطني خلال اشتباكات مع قوات الأمن الإسرائيلية على الحدود بين غزة وإسرائيل، شرق مدينة غزة في 6 أبريل، 2018. (AFP PHOTO / MAHMUD HAMS)

لقد ولت أيضا الأيام التي كان يؤدي فيها مقتل فلسطيني في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية إلى إثارة احتجاجات وإضراب عام في قطاع غزة.

خلال سنوات السبعينيات والثمانينيات كان الوضع مختلفا، وخاصة في سنوات الانتفاضة الأولى، التي اندلعت في أواخر عام 1987.

كانت هناك سنوات عندما شعر الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة بأنهم شعب واحد وكان الرابط بينهم أقوى من أي وقت مضى.

لكن الفصل على أرض الواقع بين الضفة الغربية وقطاع غزة، والذي بدأ بعد التوقيع على معاهدة أوسلو ووصل إلى ذروته قبل 11 عاما، عندما استولت حماس على السلطة في القطاع بصورة عنيفة، زاد من البعد بين الفلسطينيين في هذين المنطقتين عن بعضهم البعض.

اليوم، لا يوجد هناك اي اتصال مباشر تقريبا بين الفلسطينيين في الضفة الغربية وأولئك الذين يعيشون في قطاع غزة. الغالبية العظمى من الفلسطينيين في الضفة الغربية لم يزوروا قطاع غزة قط. قطاع غزة، بالنسبة لهم، لا يختلف كثيرا عن سوريا أو لبنان أو العراق.

المسألة ليست أن الفلسطينيين في الضفة الغربية لم يعودوا يهتمون بإخوانهم في قطاع غزة، لكن الشعور من مشاهدة الأخبار القادمة من قطاع غزة لم يعد مختلفا كثيرا عن مشاهدة ما يحدث في سوريا والعراق وفي أماكن أخرى حول العالم.

ما يتبادر إلى الذهن في هذ الحالة هو المثل العربي القائل: “البعيد عن العين بعيد عن القلب”. هذا التعبير يُستخدم للإشارة إلى حقيقة أن البعد الجغرافي يؤدي إلى بعد عاطفي.

في الوقت الذي تظاهر فيه الفلسطينيون في قطاع غزة بالقرب من الحدود مع إسرائيل الجمعة، في إطار ما تُسمى ب”مسيرة العودة”، استمر إخوانهم في الضفة الغربية بحياتهم اليومية. مرة أخرى، وكأن الأحداث في قطاع غزة كانت تجري في بلد آخر.

بعض الفلسطينيين يرون أنه يوجد هناك أكثر مما يبدو للعيان.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (وسط الصورة) يشارك في مؤتمر ’مؤتمر القدس كعاصمة للشباب الإسلامي’ في مدينة رام الله في الضفة الغربية، 5 فبراير، 2018. (AFP PHOTO / ABBAS MOMANI)

أحمد النتشة، وهو رجل آخر من سكان القدس، يعزو اللامبالاة في صفوف الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى عوامل اقتصادية، وشرح قائلا إن “الناس يريدون فقط كسب لقمة العيش والاهتمام بعائلاتهم”، ويضيف أن “الإضرابات العامة تتسبب فقط بالضرر. عندما يقوم تاجر بإغلاق محله، سيعاني هو وعائلته. لا تأثير لذلك على إسرائيل. اليوم، تغيرت الأمور ومعظم الناس يتصرفون حسب ما تصبو إليه مصلحتهم الشخصية”.

إبراهيم دعيبس، وهو صحافي بارز ومدير مدرسة سابق من القدس الشرقية، يوافقة الرأي ويقول “يفكر ويتصرف الناس اليوم على أساس شخصي وليس وطني”. كما يلقي دعيبس باللوم على ما يصفه ب”شبه الانقطاع” بين الفلسطينيين وقادتهم.

توضيحية: كشافة وفرق في شوراع رام الله في الضفة الغربية، قبل يوم من عيد الأضحى، 11 سبتمبر، 2016. (Flash 90)

يبدو هذا التصريح كانتقاد ضمني لقيادة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. في نظر الكثير من الفلسطينيين، فإن قادة السلطة الفلسطينية لا يهتمون حقا بمصالح ورفاه شعبهم، وكل ما يهمهم هو الحفاظ على كراسيهم وإثراء حساباتهم المصرفية.

الحملة المستمرة التي تشنها أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية ضد شخصيات في حركتي حماس والجهاد الإسلامي في الضفة الغربية، التي زادت كما يبدو في الأسابيع الأخيرة، يُنظر إليها من قبل بعض الفلسطينيين على أنها أحد الأسباب وراء الهدوء النسبي في المناطق الخاضعة لأجهزة الأمن التابعة للسلطة.

هذه الحملة، التي نتج عنها اعتقال أكثر من 200 عنصر من حماس والجهاد الإسلامي في الأسابيع الأربعة الأخيرة، ردعت الكثير من الفلسطنييين، الذين يتجنبون إظهار الدعم العلني لقطاع غزة خشية أن يتم استهدافهم من قبل أجهزة الأمن الفلسطينية المختلفة.

من الجهة الأخرى، هناك بعض الفلسطينيين الذين يرون بأن معاهدة أوسلو، التي تم التوقيع عليها بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في عام 1993، جلبت معها “ثقافة جديدة ومختلفة” – ثقافة تسببت بنفاذ ما يحفز الكثير من الشبان، وخاصة في الضفة الغربية، لمواصلة القتال ضد إسرائيل. هؤلاء يرون أن “جيل أوسلو” يظهر حماسا أقل للانخراط في الأنشطة المعادية لإسرائيل واهتماما أكثر في كسب المال وتحسين ظروفه المعيشية.

لقد شهد العقدان الأخيران تغييرات كبيرة في الساحة الفلسطينية. بصرف النظر عن كونهم منقسمين جغرافيا إلى كيانين منفصلين – أحدهما في قطاع غزة وآخر في الضفة الغربية – يبدو أن الفلسطينيين أصبحوا الآن منقسمين إلى شعبين أيضا.