كُتب الكثير عن الإنجاز الهائل الذي حققته “القائمة (العربية) المشتركة” في توحيد التيارات المتباينة في السياسة العربية في إسرائيل في كتلة موحدة في الكنيست. من المهم ألا نقلل من أهمية هذا الإنجاز، ولكنه ليس إنجازا للناخبين العرب في إسرائيل – بل هو إنجاز نخبتهم فقط. كانت القائمة المشتركة فكرة ذات شعبية بين العرب في إسرائيل، والذين يمكن القول بأنهم أقل إعجابا بفكرة الإنقسامات الأيدلوجية عميقة الجذور بين نوابهم، على اساس ان وجود أكبر وأكثر تماسكا في الكنيست قد يكون قادرا على تحقيق فوائد وحلول حقيقية لتحديات كثيرة يواجهها مجتمعهم.

هل يعني ذلك أن الوعي العربي الجديد للقائمة الجديدة سيسعى إلى إندماج أكبر في المجتمع الإسرائيلي وسد الفجوة العرقية بين الأقلية العربية والغالبية اليهودية؟ في حفل أداء اليمين القانونية يوم الخميس الماضي، أجاب رئيس الحزب أيمن عودة بصورة غير مباشرة على هذا السؤال.

أذهل عودة الكثير من المراقبين عندما اختار البقاء في قاعة الكنيست خلال عزف النشيد الوطني الإسرائيلي “هاتيكفا”، حتى عندما اختار معظم نواب “القائمة المشتركة” الخروج من القاعة. “هاتيكفا”، الذي يتحدث عن “روح يهودية” تتوق لأن تكون حرة في أرض إسرائيل، هو نشيد وطني لا يمثل ولأسباب واضحة حتى أكثر مواطنين العرب إخلاصا للدولة. يشتهر قاضي المحكمة العليا سليم جبران، عربي مسيحي، بوقوفه الصامت خلال عزف النشيد خلال طقوس رسمية. القاضي جبران على إطلاع على بعض أكثر الأسرار الحساسة لإسرائيل ومسؤول عن بعض أهم القرارات للمجتمع الإسرائيلي (فلقد شغل منصب رئيس لجنة الإنتخابات المركزية في الإنتخابات الأخيرة)، ولكن هذا لا يغير حقيقة أن روحه – من دون الإطالة في هذه النقطة – ليست بيهودية.

وتساءل الكثيرون عن قرار عودة البقاء في القاعة. هل كان إشارة على احترام لليهود، كما هو الحال مع جبران؟ “إخترت الوقوف في القاعة اليوم خلال عزف النشيد وببساط الوقوف بصمت”، كتب عودة في بيان له في وقت لاحق، بعد إنتهاء حفل أداء اليمين. وفسر قائلا: “كان هذا احتجاجا على نشيد لا يمثلني، الذي هو بالنسبة لي رمز للتهميش. أركز عادة على الجوهر والأشخاص، وليس على الرموز. ولكن اليوم هو كله رمزية وطقوسية، ولذلك من المهم لنا [في القائمة المشتركة]، كل على طريقته، جلب احتجاجنا ضد العنصرية والتهميش إلى الحفل”.

وضح عودة أن “القائمة المشتركة” لم تكن خالية تماما من الهوية السياسية. لقد كانت العروبة، المطلب المشترك لنخبة عربية متنوعة خلاف لذلك لوضع حد للدولة القومية اليهودية لصالح دولة ما بعد القومية وذات قيم عالمية، وهذا كان سبب وجودها. في حين أن الإنقسامات الإجتماعية والسياسية بين العرب في إسرائيل عميقة وحقيقية بصورة لا يمكن إنكارها، فإن مجرد وجودها (ناهيك عن نجاحها) يدل أنه حين يتعلق الأمر بالسياسية، فإنهم إلى درجة ليست بصغيرة متحدون بواسطة شعور بالإنفصال عن المجتمع اليهودي الأكبر. إن التصدعات الأساسية لسياستهم، كما هو الحال مع اليهود، ليست بإقتصادية أو اجتماعية، ولكن عرقية وثقافية.

اعضاء القائمة المشتركة يحتفلون بعد اعلان نتائج استطلاع الخروج 17 مارس 2015، من اليمين الى اليسار: عايدة توما، احمد طيبي، ايمن عودة، جمال زحالقة ودوف حنين (فلاش 90)

اعضاء القائمة المشتركة يحتفلون بعد اعلان نتائج استطلاع الخروج 17 مارس 2015، من اليمين الى اليسار: عايدة توما، احمد طيبي، ايمن عودة، جمال زحالقة ودوف حنين (فلاش 90)

وبالطبع فإن “الليكود” في احتفاله بنصره، يدرك أكثر من أي طرف آخر أن نجاحه كان منتجا لسياسية الهوية. لم يكن ذلك من قبيل الصدفة أنه وسط الحملة الإنتخابية، قام نتنياهو بإقالة حكام من اليسار (وليس من قبيل الصدفة أيضا أشكناز) من لجنة التحكيم لجائزة إسرائيل. في حين أن نخبة الأدباء الإسرائيلية خرجت ضد هذا “التدخل السياسي” الغريب، أصدر نتنياهو بيانا أشار فيه إلى الأصول السياسية والثقافية الضيقة للفائزين بجائزة إسرائيل على مدى السنين. وبالفعل، في نهاية مارس أعلنت لجنة الجائزة أن أعلى جائزة أدبية في البلاد ستذهب إلى الشاعر إيريز بيتون، الذي ولد في الجزائر، في المرة الأولى في تاريخ إسرائيل التي يحصل فيها يهودي شرقي على الجائزة.

لقد كانت هذه حملة إنتخابية بُنيت تماما حول معارضة نخبة اليسار الأشكنازية، وسياسة العرب في إسرائيل التي يقودها عودة وغيره الذين يسعون إلى حل للغز الخاص بهم كأقليه عرقية من خلال حل دولة إسرائيل اليهودية بشكل بارز. تحذير نتنياهو بأن “العرب يصوتون بأعداد كبيرة” يوم الإنتخابات لم يكن تماما “إستخدام للمشاعر العرقية” (race-baiting)، كما شرح عدد كبير من وسائل الإعلام باللغة الإنكليزية. فلهذا المصطلح معنى ثقافي معين في الولايات المتحدة لا ينطبق على السياسات العرقية في الشرق الأوسط. في الواقع، لو قام نتنياهو بمجرد تصريح عنصري، فيمكن القول أن ذلك كان سيكون أقل إشكالية، لأن العنصرية البسيطة لا تحمل تداعيات سياسية. ولكن كانت تلك الرسائل النصية التي رافقت تصريح نتنياهو، والتي جاء فيها أن “حماس تقوم بالإتصال بالعرب في إسرائيل للخروج والتصويت”، التي عبرت عن الرسالة الكاملة. نتنياهو ادعى وبشكل فعال أن المواطنين العرب في إسرائيل على الجانب الخطأ في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وذلك كان من الضروري مواجهة وتحييد نفوذهم السياسي.

ونجح ذلك. الدعوة أخرجت مئات الآلاف من الإسرائيليين – بحسب لجنة الإنتخابات المركزية، في أرقام قياسية – إلى صناديق الإقتراع في الساعتين الأخيرتين من يوم الإنتخابات، بين الساعة 8:00-10:00 مساء، للتصويت ضد ما صورته حملة نتنياهو الإنتخابية باليسار “المعادي للصهيونية” وضد القائمة المشتركة المعادية للصهيونية أكثر من التصويت لحزب “الليكود”.

ما وراء الصناديق

الجنود الذين يتم تجنيدهم في وحدات مختلفة في الجيش الإسرائيلي تعرف بإسمها الجماعي “ناحال”- وهي لواء مشاة وذراع تعليمي مكون من جنود-معلمين الذين يعملون في أحياء فقيرة، من بين وحدات أخرى – يتم تعليمهم في وقت مبكر عن وحدتهم الغير اعتيادية.

يقول المرشد العسكري للمجندين في كل عام، “إذا قمتم بإضاءة الأضواء في البلدات والقرى التي أسسها جنود ناحال فقط، سينتهي بكم الأمر مع خطوط عريضة لحدود دولة إسرائيل”.

“ناحال”، هي اختصار بالعبرية لـ”شباب مقاتلون رواد”، وكانت ظاهرة ثقافية إسرائيلية مميزة: شبان وشابات يجمعون بين الخدمة العسكرية وسنوات من الإستيطان والزراعة على كل حدود إسرائيل. كانت هذه تجربة تكوينية لعدد ليس بصغير من نخبة اليسار الإسرائيلي في السنوات الأولى للدولة.

اليوم، مبنى “الناحال” لا يبدو منطقيا. يقوم الجيش الإسرائيلي ببناء أو سحب ألوية المشاة وفقا للحاجة أكثر من الأيديولوجيا. يتم تقسيم المدن والموافقة عليها على يد بيروقراطيين في وزارات الداخلية والإسكان بحسب النمو السكاني. النظرية الإستراتيجية الأساسية التي تقف وراء “ناحال” – هي وضع فرق من جنود احتياط متامسكين على الحدود كخط دفاع أول ضد الجيوش العربية – لم تعد قابلة للتطبيق في عصر الصواريخ والهجمات وحرب الميليشيات.

ولكن لا يزال “الناحال” قعطة أثرية إجتماعية وجزء لا يتجزأ في عمق النفسية الإسرائيلية. دوافعه لا تزال واضحة في نظرة الجيش لنفسه كنوع من الرعاية الإجتماعية الوطنية ومنظمة لتدريب القيادات. ما زال الجيش يقوم بإرسال جنود للتعليم في مدارس في مناطق محرومة، وما زال يطلق على اسم أحد ألوية المشاة فيه “ناحال” – مع أن اللواء لم يعد يحمل سمات تميزه عن وحدات المشاة الأخرى في الجيش.

وتلك القرى الحدودية الصغيرة التي أسستها فرق “الناحال”، من يوطفاتا في الجنوب إلى سنير في أقصى الشمال، كلها لديها عامل مشترك: لقد صوتوا لليسار في 17 مارس. في سنير، مع نسبة تصويت بلغت 75%، حصل “المعسكر الصهيوني” على 55% من نسبة الأصوات، وحصل “ميرتس” على 14%. في يوطفاتا جنوب وادي عربة، حصل “المعسكر الصهيوني” على نتائج أفضل مع 68% من إجمالي الأصوات، بينما حصل “ميرتس” هنا أيضا على 14%.

إنه لمشهد غريب على خريطة التصويت. سلسلة قوى اليسار التي تقع على حدود البلاد وتحيط مدن اليمين وتجلس على بعد إلقاء حجر من بعض أكثر أعداء إسرائيل مرارة. في الواقع، بعض قرى “ناحال” اليسارية هذه هي مستوطنات في الضفة الغربية، مثل نيران في غور الأردن (المعسكر الصهيوني: 85%)، في حين لا تزال قرى أخرى منها تحمل وطأة آخر الحروبات مع غزة، مثل كيبوتس ناحال عوز، الذي تعرض لإطلاق صواريخ كثيف، (المعسكر الصهيوني: 57%).

حرب غزة هي سبب رئيسي في تصويت عدد كبير من سكان المدن الإسرائيلية لليمين. الناخبون في نيران يصوتون حرفيا ضد مستقبل وجودهم في قريتهم. مع ذلك يبدو أن هذه القرى الصغير تعمل بمنطق خاص بها.

كما تفعل في الواقع العديد من بلدان النواحي. في تل أبيب، على سبيل المثال، حصل حزب “المعسكر الصهيوني” على 34% من الأصوات، ولكن تركز ذلك بشكل كبير في وسط وشمال المدينة. في حي رمات أفيف الشمالي، اجتاز تفوق “المعسكر الصهيوني” على حزب “الليكود”. ولكن في الأحياء الجنوبية الشرقية، في الأحياء الفقيرة وأحياء الطرق الخلفية مثل هاتيكفا وياد إلياهو، انعكست الأرقام، حيث حاز “الليكود” على العدد الوافر من الأصوات بنسبة 39% و33% على التوالي، بينما حل “المعسكر الصهيوني” ثالثا وحتى رابعا. في أحياء وسط يافا والعجمي في جنوب غرب المدينة، تفوقت “القائمة (العربية) المشتركة” بنسبة 40% و59% على التوالي.

لا تتبع أنماط التصويت ببساطة مستويات الدخل. فمنطقة رمات أفيف غيمل اليسارية (المعسكر الصهيوني 44%، يش عتيد 21%، والليكود 14%) هي منطقة معروفة بثراها، ولكن فلورنتين (المعسكر الصهيوني 33%، ميرتس 27%، الليكود 11%) سارت بحسب أنماط أكثر دقة من مجرد مصالح إقتصادية. حددت أصول عرقية والتزام ديني، وكل النقاط المرجعية المؤلمة للهوية التي تقسم الإسرائيليين أكثر من أي عامل آخر كيفية تصويتهم.

في مدينة تلو الأخرى، النمط كان نفسه. في هرتسليا، عاصمة التقنية العالية ونسبة التعليم العالية، فاز “المعسكر الصهيوني” في كل منطقة باستثناء اثنتين، حي ياد هاتيشا في أقصى شرق المدينة، الذي يسكنه يهود من شمال أفريقيا، وحي نيفيه عمال، مع معابد يهودية كثيرة وفئات متنوعة من المهاجرين.

في مدينة الطبقة العاملة، بئر السبع، فاز “الليكود” بنسبة كبيرة (الليكود 38%، إسرائيل بيتنا 12%، المعسكؤ الصهيوني 12%)، في بلدة عومر التي تقع على ضواحي المدينة، حيث يصل معدل الدخل السنوي إلى حوالي ضعف معدل الدخل الوطني، مالت الكفة بشكل حاسم إلى اليسار (المعسكر الصهيوني 38%، الليكود 22%، يش عتيد 15%). لا حاجة للإشارة إلى أن عومر تسكنها أغلبية أشكنازية، في حين أن بئر السبع، في أحياء لا يشكل فيها المهاجرون الناطقون بالروسية أغلبية، تضم سفارديم بشكل كبير.

كلما تعمقنا أكثر في الأرقام، كلما ظهرت هذه الإنقسامات الثقافية القوية: مستوطنات نائية في الضفة الغربية صوتت لليسار بسبب إرتباطها الثقافي لنخبة اليسار القديمة؛ من الأسهل التنبؤ بتصويت سكان الطبقة الوسطى في هرتسليا استنادا على جذور دينية وعرقية أكثر من الإستناد على ظروف إقتصادية؛ التوترات العربية-اليهودية جنوب تل أبيب بدت واضحة من النتائج في حي دكار في يافا، حيث حصلت “القائمة المشتركة” على نسبة 32% من الأصوات، والليكود على 22%.

“مقبلو الميزوزا”

فوجئ اليسار بخسارته للإنتخابات، وفي الوقت الذي بحث فيه عن الجناة، لم يبدو أي شيء أكثر وضوحا من سياسات الهوية المتجذرة عميقا.

أحداث مثل خطاب يائير غاربوز، عضو سابق في كيبوتس وفنان يأتي من عمق النخبة الثقافية اليسارية، ساعد المدراء السياسيين في اليسار لتفسير الخسارة. في تظاهرة إنتخابية في 9 مارس، صعد غاربوز إلى المنصة للتحدث ضد خسارة اليسار للبلاد لـ”مقبلي الميزوزا” (تعويذة يتم تعليقها على الباب عند اليهود) وفئات إجتماعية جاهلة أخرى – في إشارة واضحة منه إلى اليهود السفارديم الذين لديهم ذكريات من التهميش الذي تعرضوا له من قبل النخبة الأشكنازية في العقود الأولى للدولة. تحول خطاب غاربوز إلى صرخة لحشد اليمين.

ولكن حتى عندما كان يشعر بالقلق إزاء النزعة العرقية، شهد اليسار تشنجات إشمئزاز من أفقر مجتمعات إسرائيل، التي صوتت بأعدادا كبيرة لحزب “الليكود” برئاسة بنيامين نتنياهو. إن “الليكود” هو معقل الإقتصاد الليبرالي، فهؤلاء الفقراء اليهود إذا صوتوا ضد ما يفترض أن تكون مصلحتهم الإقتصادية، كما قال عشرات الآلاف من الناخبين في اليسار.

“لن نتبرع بعد الآن” للفقراء في مدن النواحي، قالت الدعوة التي شاركها الآلاف من اليساريين أبناء المدينة على فيسبوك.

لم يكن جلد الذات ولا الإشمئزاز ردود فعل مدروسة جيدا على خسارة الإنتخابات. ينسى اليسار بسهولة أن الإسرائيليين الناطقين بالروسية، الذين يعتبرهم مديري السياسة في اليسار متشددين وصقوريين، صوتوا مرة لحزب “العمل” برئاسة إيهود باراك وتحولوا إلى اليمين فقط بعد الإنتفاضة الثانية. ينسى أن نسبة التصويت في مدن يسارية بمعظمها مثل تل أبيب وصلت نسبة التصويت إلى 65%، في حين في بعض أكبر المستوطنات اليمينية بمعظمها اجتازت نسبة التصويت خط الـ 80%. وينسى أن الفقراء يشكلون الأقلية بين الناخبين الإسرائيليين الذين معظمهم من الطبقة الوسطى، وأنهم يتركزون بشكل كبير في بلدات متدينة وعربية التي تصوت لصالح الأحزاب التي تمثلها، وليس لبنيامين نتنياهو؛ هذا يعني أن اليسار يخسر الإنتخابات لإنه يفشل بالفوز بالطبقة الوسطى في إسرائيل، وليس بفقرائها. وستجد في اليسار على الأرجح ناخبين أثرياء يحتفلون بحقيقة التصويت ضد مصالحهم الإقتصادية – في حين في الوقت نفسه يعربون عن إشمئزازهم من قيام إسرائيليين من شريحة إقتصادية أو إجتماعية أخرى بالشيء نفسه.

بإختصار، لا يوجد أي شيء منطقي في ردورد الفعل في اليسار على خسارة الإنتخابات. في الواقع، لا يوجد أي مكان تبدو فيه قبلية نخبة اليسار الإسرائيلي أكثر وضوحا من المكان الذي تظهر فيها إحباطها من القبلية عند بقية الناخبين.

بطبيعة الحال فإن اليسار هو ليس الوحيد الذي يخضع لحروب الثقافات التي وجهت بكل وضوح نمط تصويت معظم الناخبين الإسرائيليين.

حزب “شاس” أيضا أدار حملة إنتخابية قامت على الإنقسامات العرقية بين اليهود. في حملة “الغير مرئيين” الإنتخابية، توجه رئيس الحزب أرييه درعي للفقراء “الغير مرئيين” والعمال أصحاب الأجور المنخفضة والمسنين الذين يصارعون من أجل تغطية نفقاتهم. ولكن الحملة أيضا كانت موجهة لـ”المزراحيم الغير مرئيين”، أو اليهود الشرقيين، الذين قال درعي أن النخبة الأشكنازية جعلت منهم “غير مرئيين”. لمعرفة أية مجموعة، الفقراء أم السفارديم، يعتبرها حزب “شاس” ذات أهمية أكبر، يجب إلقاء نظرة على محادثات الإئتلاف الأخيرة، حيث يطالب درعي كما تقول الأنباء بوزارتي الداخلية والأديان، وليس بوزارة الرفاه التي يمكنه من خلالها التخفيف من حالة فقراء إسرائيل.

“رأب الصدع”

عندما يتم إنتخابهم، يجد أعضاء الكنيست أنفسهم عادة يعملون على قضية مشتركة في مواضيع متعددة مع نواب من أحزاب ودوائر إنتخابية مختلفة. يعمل العرب واليهود المتدينون معا للضغط من أجل رفع الإعانات المالية التي تقدمها الدولة للأطفال؛ يحارب العلمانيون في “يش عتيد” والمتدينون الصهاينة في “البيت اليهودي” معا لإصلاح المؤسسات الدينية اليهودية الحكومية؛ أعضاء كنيست من “ميرتس” و”الليكود” يعملون معا لتعزيز حماية حقوق العمل بالنسبة للنساء الحوامل. يغذي هذا الواقع البرلماني وهما بين أعضاء الكنيست ووسائل الإعلام أن الكنيست تمثل نوعا ما من الكل الموحد، أمة هادئة تقوم بعملها.

ولكن في كل إنتخابات، يتحطم هذا التعاون الهادئ في الحياة اليومية ويعود فجأة لسياسات الهوية. في نهاية اليوم، المشكلة التي يصفها الإسرائيليون عادة بـ”الحكم”- كنيست منقسمة إلى 12 حزب، يركز كل واحد منه على استمراريته أكثر من تركيزه على الصالح العام- هي أعمق من النظام الإنتخابي. لطالما كانت السياسة في إسرائيل قبلية، وتم افتتاح نظام قائمة الأحزاب في إسرائيل عند إقامة الدولة باعتراف بهذه الحقيقة. ولكن هذا النظام لا يعكس فقط الهويات المتباينة للإسرائيليين، بل يعززها أيضا. حملة “شاس” للحصول على أصوات السفارديم كانت في جزء منها من خلال القول للإسرائيليين بأن الإنقسام بين السفارديم والأشكناز هو ضروري ودائم. مستقبل القائمة العربية يعتمد على إقناع العرب بأنهم منفصلون سياسيا عن اليهود. بينما خرج “الليكود” و”العمل” بحملات إنتخابية لا تناقش الطرف الآخر، بل تعمل على نزع الشرعية عنه.

صحيح أن في الكنيست الـ 20 هناك أكبر عدد للنساء في تاريخ البلاد، 29 من أصل 120 نائب، أكثر بنائبتين من الكنيست الـ 19. كذلك فيها أصغر عدد أحزاب منذ 1992، وهي حقيقية فد تكون مؤشرا على عودة إلى سياسة الأحزاب الكبيرة بعد عقدين من إئتلافات حكومية منشقة. لقد انتخبت هذه الكنيست بأكبر نسبة تصويت منذ 1999. وفيها أيضا 4 أعضاء كنيست عرب في أحزاب “يهودية” صهيونية، أكثر بنائبين من الكنيست الأخيرة. ولكن هذه التحسينات التدريجية تبقى هامشية أمام الحقائق الأكبر التي يمكن للمرء أن يجمعها من بيانات نسب التصويت، أو من حملات نزع الشرعية والتهميش التي أدارها كل حزب تقريبا في شهر الإنتخابات الأخير.

قد يحتفل المراقبون بالديمقراطية الإسرائيلية في كل مرة تجري فيها البلاد إنتخابات. كما أكد نتنياهو خلال حفل تأدية اليمين القانونية في الأسبوع الماضي (عندما لم تعد مشاعر كهذه تحمل معها تكلفة سياسية)، “أعتزم تشكيل حكومة ستعمل لكل المواطنين في إسرائيل من دون إستثناء. مهمتها الأولى هي رأب الصدع”.

لكن المجتمع الإسرائيلي منقسم عشائريا على نفسه، وكانت نبضات أجهزة الطرد المركزي هذه هي التي وجهت سلوك الناخبين يوم الإنتخابات. لا يغفل أعضاء الكنيست هذه الحقيقة. فهم يدركون كيف ولماذا تم إنتخابهم، وهذا الجزء من النفسية الإسرائيلية منحهم الوظيفة. لذلك فإن أكبر تحديات الكنيست الـ 20 قد تكون الحقيقة البسيطة، التي ظهرت بشكل صارخ من خلال الإطلاع على نتائج الإنتخابات، بأنه لم يتم إنتخابها من قبل أي مظهر من مظاهر أمة إسرائيلية متماسكة، ولكن من خلال نفور متبادل من مجتمع منقسم بعمق. بالنظر إلى الولاية القادمة، سيكون من الغريب أن نتوقع منها التصرف خلاف ذلك.