نشرت صحيفة إيطالية مقتطفات من مذكرات زعمت أنها للزعيم الفلسطيني السابق ياسر عرفات كشفت فيها عن اتفاق سري لحماية إيطاليا من هجمات مسلحين فلسطينيين.

في المذكرات، التي نشرتها صحيفة “إسبريسو”، يكتب عرفات أيضا عن قيامه بالكذب من أجل مساعدة رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق سيلفيو برلوسكوني في تجنب تهم بالاحتيال ضده، وصداقته مع الدكتاتور الكوبي السابق فيدل كاسترو ومعارضته للزعيم العراقي صدام حسين خلال حرب الخليج في عام 1991.

المجلدات ال19 من مذكرات عرفات، الذي قاد منظمة التحرير الفلسطينية لعقود طويلة وتوفي في عام 2004، عُهد بها إلى زوج من الأمناء في لوكسمبورغ، ولكن تم بيعها مؤخرا لمؤسسة فرنسية حتى تتم دراستها. وذكرت الصحيفة الإيطالية أن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها نشر المذكرات.

وتؤكد المجلدات وجود اتفاق عدم اعتداء متبادل تحدثت عنه تقارير لمدة طويلة بين السلطات في روما ومنظمة التحرير الفلسطينة، والذي دفع السلطات الإيطالية إلى السماح للفلسطينيين الذين وقفوا وراء اختطاف سفينة “أكيلي لاورو” الإيطالية بالهروب في عام 1985.

عقب عملية الإختطاف، التي قُتل فيها المسافر الأمريكي اليهودي ليون كلينغهوفر، والذي كان قعيدا على كرسي متحرك، كانت هناك مواجهة بين السلطات الإيطالية والأمريكية حول المحاولات لتقديم المهاجمين للعدالة.

بحسب المذكرات، سمح وزير الخارجية الإيطالي حينذلك جوليو أندريوتي للعقل المدبر وراء العملية، محمد زيدان، الملقب باسمه الحركي أبو العباس، بالهروب من تسليمه إلى الولايات المتحدة والفرار من روما إلى يوغوسلافيا.

ليون كينغهوفر، 1916-1985 (لقطة شاشة: Youtube)

جاء ذلك بعد اتفاق بين الفلسطينيين والسلطات الإيطالية يعود لعشر سنوات قبل العملية، بموجبه تعهد الفلسطينيون بعدم تنفيذ هجمات في إيطاليا مقابل السماح بحرية التحرك للنشطاء الفلسطينيين من منظمة التحرير الفلسطينية والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وفصائل أخرى في مختلف أنحاء البلاد.

وكتب عرفات أن “إيطاليا هي شاطئ فلسطيني على البحر الأبيض المتوسط”.

وكان الرئيس الإيطالي الأسبق فرانشيسكو كوسيغا قد كشف عن الاتفاق بين روما والفلسطينيين في وقت سابق في عام 2008، وكتب في صحيفة إيطالية في ذلك الوقت أن رئيس الوزراء ألدو مورو هو الذي توصل إلى الاتفاق.

إلا أن تقارير أخرى تناولت الاتفاق أشارت إلى أنه تم التوصل إليه في عام 1973، عندما كان أندريوتي رئيسا للوزراء.

التقرير أشار إلى أن أندريوتي، الذي توفي في عام 2013، كان سرا شخصية مركزية في المفاوضات بين منظمة التحرير الفلسطينية ودول أخرى.

وأفيد أن اتفاق مماثل، تحدث عن إلييتش راميريز سانشيز، الملقب أيضا ب”كارلوس الثعلب”، حمى سويسرا من الهجمات الفلسطينية في سنوات السبعينيات والثمانينيات.

وتكشف المذكرات، التي كُتبت بين عام 1985 وحتى قبل وفاته بفترة قصيرة في عام 2004، عن حصول عرفات على رشوة من برلوسكوني مقابل الكذب في شهادته أمام وكلاء النيابة الإيطاليين في عام 1998 حول تلقي مبلغ حوالي 10 مليون ليرة (21.5 مليون شيكل) الذي ذهب في الواقع إلى الحزب الإشتراكي الإيطالي.

وجاء الاتفاق بعد اجتماع الرجلين في عاصمة أوروبية، بحسب التقرير. ولا يكشف التقرير عن المبلغ الذي حصل عليه عرفات، ولكنه يشير إلى أن المذكرات تضمنت تفاصيل حول تحويل أموال.

وكتب القائد الفلسطيني، الذي وجه عمليات منظمة التحرير الفلسطينية ضد الإسرائيليين لعقود قبل التوقيع على اتفاقية أوسلو مع إسرائيل في عام 1994، بأنه لم يصدر أوامره يوما بتنفيذ هجمات، وكان يكتفي بالقول للآخرين “القرار يعود لكم”، عند طرح خطة عليه. بعد تنفيذ الخطة، كان يعلق “جيد، جيد”.

لكنه يكتب أيضا عن المفاوضات السرية التي أجراها مع رئيس الوزراء الإسرائيلي يتسحاق رابين ومع شمعون بيرس، الذي وصفه بأنه “شخص ممتاز… جميل”. تم منح الثلاثة جائزة نوبل للسلام في عام 1994 بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو.

وياتي هذا التقرير بعد أسابيع من كشف الصحافي الإسرائيلي رونين برغمان عن جهود إسرائيل لمحاولة اغتيال عرفات، بما في ذلك من خلال خطة جرت دراستها لفترة قصيرة لاغتياله من خلال إسقاط طائرة مسافرين.

يتسحاق رابين، من اليسار، يتبادل الحديث مع ياسر عرفات، في وسط الصورة، وشمعون بيرس بعد حصول الثلاثة على جائزة نوبل للسلام في أوسلو في عام 1994. (GPO)

في المذكرات، تحدث عرفات عن محاولته مناقشة الطاغية العراقي صدام حسين خلال حرب الخليج في عام 1991. وشملت الحرب، التي أثارها غزو العراق للكويت والرد الأمريكي بغزو العراق، قيام صدام حسين بإطلاق 39 صاروخ من طراز “سكود” باتجاه إسرائيل.

وكتب عرفات، بحسب التقرير، “عليّ الوقوف إلى جانبه، يفرض شعبي ذلك عليّ، ولكنني حاولت في  العديد من المكالمات الهاتفية إقناعه بالكف عن حماقته”. ولم يشر التقرير إلى تفاصيل المحاولات التي قام بها عرفات لإقناع صدام حسين بالتراجع.

وتحدث عرفات عن مذكراته في مقابلة أجراها معه الصحافي تي دي ألمان من مجلة “فانيتي فير” في عام 1989، الذي أشار إلى قيام الزعيم الفلسطيني بالكتابة في دفتر صغير بعد انتهائه من العمل على بعض الأوراق.

وقال عرفات لألمان حينذاك بأنه لن يكون بإمكانه الاطلاع على الأوراق وبأنها مخبأة في أماكن مختلفة.

وقال للمجلة “أقوم بملئ عدد منها في كل عام”، وأضاف “إنها تتحدث عن كل مفاوضاتي السرية. كل شيء مسجل، حتى تتمكن الأجيال القادمة من فهم ما حدث بالضبط. من واجبي القيام بذلك، نظرا لكوني من كوادر التاريخ”.