في 16 نوفمبر 1980، سُئل رئيس الوزراء مناحيم بيغن خلال مقابلة مع شبكة NBC الأمريكية حول توقعاته بشأن رد المجتمع الدولي على الضم الإسرائيلي لهضبة الجولان. في ذلك الوقت، تم تقديم مشروع قانون في الكنيست لتوسيع القانون الإسرائيلي ليشمل المنطقة المتنازع عليها، لكن حكومة بيغن لم تكن قد أعلنت بعد دعمها لهذه الخطوة.

وقال بيغن لمحاوره “بما أننا لم نتخذ بعد أي قرار بشأن الخطوة، أعتقد أنه من السابق لأوانه التحدث عن ردود الفعل”.

بعد حوالي عام، دفع بيغن بقانون هضبة الجولان في الكنيست، ولم يكن رد فعل المجتمع الدولي مفاجئا، حيث أدان مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الضم الإسرائيلي بحكم الأمر الواقع باعتباره “تهديدا مستمرا على السلم والأمن الدوليين”، وتمت المصادقة بالاجماع على القرار 497، الذي حصل أيضا على تأييد إدارة ريغن.

بعد أربعة عقود من الزمن: يخطط رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لضم جميع المستوطنات وغور الأردن وأجزاء مهمة أخرى من الضفة الغربية، حيث يسمح له الاتفاق الائتلافي بين حزب “الليكود” الذي ينتمي إليه وحزب بيني غانتس، “أزرق وأبيض” بالدفع بالخطوة قدما في الحكومة القادمة اعتبار من 1 يوليو.

كيف سيكون رد فعل المجتمع الدولي تجاه هذا النوع من الضم الإسرائيلي؟ من المؤكد أنه سيكون هناك الكثير من الازدراء و “الاجتماعات الطارئة” من قبل مجلس الأمن والجامعة العربية، وربما بعض التهديدات من “عواقب” غير محددة.

لكن لا أحد يعرف على وجه اليقين ما إذا كان سيكون لخطوة الضم التي يدفع بها نتنياهو – والتي يصعب التنبؤ بآثارها الفعلية على الأرض – تداعيات سلبية ملموسة على الصعيد الدولي لإسرائيل.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في يسار الصورة، والسفير الأمريكي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، وسط الصورة، ووزير السياحة يريف ليفين خلال لقاء لمناقشة رسم خرائط توسيع السيادة الإسرائيلية لتشمل مناطق في الضفة الغربية، في مستوطنة أريئيل، 24 فبراير، 2020. (David Azagury / US Embassy Jerusalem)

هل سيفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على إسرائيل، كما فعل ضد روسيا بعد ضمها شبه جزيرة القرم في 2014؟ يمكن لبروكسل، على سبيل المثال، تجميد بعض الاتفاقيات الثنائية، أو تعليق التعاون العلمي، أو إلغاء التعريفات الجمركية التفضيلية التي تمنحها للمنتجات الإسرائيلية، أو حظر سلع الضفة الغربية تماما. قد تقوم بعض الدول الأعضاء باستدعاء سفراءها أو الاعتراف بدولة فلسطينية.

يقول نيمرود غورين، رئيس “ميتفيم- المعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية”: “تتفاوت ردود الفعل بين الدول، ولكن في هذه المرحلة لم تتضح بعد العواقب الملموسة للضم”، وأضاف “إن نوع الضم الذي سيختار نتنياهو اتباعه في نهاية المطاف سيؤثر على مدى شدة رد الفعل الدولي. رد فعل الفلسطينيين على الأرض – سواء كان عنيفا أم لا – سيكون أيضا عاملا محددا”.

وأكدت العديد من الدول مؤخرا أن الضم من جانب واحد يعد انتهاكا للقانون الدولي، وهو ما يبين وفقا لغورين أن التحديات التي تواجه خطوة نتنياهو لن تكون على المستوى الثنائي فحسب، ولكن أيضا في ساحة القانون الدولي.

ولكن بما أن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي “محدودان في ردهما على الضم بسبب حق النقض المحتمل لحلفاء إسرائيل هناك، فينبغي لإسرائيل أن تتوقع اعتراضا كبيرا من دول مثل فرنسا وألمانيا والأردن”.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يلقي كلمة خلال جلسة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في مقر المنظمة بنيويورك، 11 فبراير، 2020. (AP Photo/Seth Wenig)

كررت الولايات المتحدة هذا الأسبوع دعمها لخطوات الضم الإسرائيلية، طالما تم ذلك في إطار ما يسمى ب”صفقة القرن” التي طرحها الرئيس دونالد ترامب. ومن المؤكد أن الإدارة ستستخدم حق النقض ضد أي محاولة لإدانة خطوة إسرائيل، ولكن في الجمعية العامة للأمم المتحدة، سيتم تمرير قرار (غير ملزم) بأغلبية ساحقة.

هذا ليس بالوقت المناسب لإطلاق تهديدات؟

في الأسبوع الماضي، مع نشر الاتفاق الإئتلافي بين حزبي “الليكود” و”أزرق أبيض”، حذر مسؤولون في جميع أنحاء العالم الحكومة الإسرائيلية القادمة من إجراءات الضم. وقال جوزيب بوريل، مفوض الاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية، في طريقة تنذر بالشؤم أن بروكسل “ستراقب الوضع عن كثب وانعكاساته الأوسع، وستتصرف وفقا لذلك”.

وقال مسؤول إسرائيلي ل”تايمز أوف إسرائيل” إن بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي شعرت أن الوقت الحالي، وسط جائحة فيروس كورونا، “ليس وقتا للتهديدات” وعرقلت جهودا لإصدار بيان بوريل باسم الكتلة بأكملها.

ومع ذلك، لم تعلن أي دولة باستثناء الولايات المتحدة عن دعمها لخطوة الضم الإسرائيلية، وحتى العديد من أصدقائها المقربين نصحوا بشكل واضح بعدم المضي قدما بها.ألمانيا قالت إن للخطوة ستكون لها “تداعيات خطيرة وسلبية على مكانة إسرائيل داخل المجتمع الدولي”، وحذرت فرنسا من أنها “لن تمر دون اعتراض ولن يتم تجاهلها في علاقتنا مع إسرائيل”.

وأدلت دول أخرى، من ضمنها روسيا والصين وبلجيكا وإسبانيا وأيرلندا وإيطاليا والنرويج، ببيانات مماثلة.

ورحبت القيادة الفلسطينية “بالالتزام العالمي والمبدئي بالتطبيق الدائم والعالمي للقانون الدولي، الذي يحظر الضم بشكل صارم”، ودعت إلى اتخاذ “إجراءات وقائية وملموسة” ضد إسرائيل.

ويقول يغال بالمور، متحدث سابق في وزارة الخارجية الإسرائيلية وهو اليوم مسؤول كبير في الوكالة اليهودية، إنه لا يمكن معرفة ما إذا كان العالم سوف يستجيب لدعوة رام الله ، ولكن لا ينبغي لإسرائيل الانتظار لمعرفة ذلك.

وأضاف “إن تجاهل التحذيرات والتهديدات ليس سياسة سليمة، مهما كانت التهديدات غير دقيقة”، وتابع قائلا “لا ينبغي تجاهل علامات الاستياء العامة هذه، بل يجب أخذها في عين الاعتبار والموازنة بينها وبين أي إجراءات مخطط لها بعناية”.

يتنبأ أنصار الضم عادة بأن العالم سيعرب عن استيائه لبضعة أسابيع وقد يقوم بتمرير بضعة قرارات غير مؤثرة، ولكن في النهاية ستواصل القافلة تحركها، دون التسبب بأكثر من خدش بسيط لمكانة إسرائيل الدولية. لو كان بيغن قلقا بشأن رد فعل العالم، لما كان قد ضم الجولان أو القدس الشرقية (بإصدار قانون أساس يعلن أن المدينة الموحدة ستكون عاصمة لإسرائيل في يوليو 1980)، على حد قولهم.

على النقيض من ذلك، فإن عضو الكنيست يائير لابيد ، زعيم المعارضة القادم، مقتنع بأن تطبيق السيادة على أجزاء من الضفة الغربية من شأنه أن يتسبب بالفعل في “ضرر كبير” للدولة اليهودية. وقال هذا الأسبوع إن أي خطوة من هذا القبيل ستثير “ردود فعل قاسية” من الفلسطينيين والأردنيين والإدارة الأمريكية القادمة (في حالة فوز الديمقراطيين بالبيت الأبيض في وقت لاحق من هذا العام) وبالطبع الأوروبيين.

من ناحية أخرى، أشارت مايا تسيون تسيدكياهو، التي تدير برنامج “ميتفيم” بشأن العلاقات بين إسرائيل وأوروبا، إلى أنه من المستحيل عمليا الحصول على موافقة جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 27 دولة على بيانات تنتقد إسرائيل.

وقالت “لذلك، من المعقول أن نتوقع أن نباح الاتحاد الأوروبي سيكون أقوى من عضته”.

وأضافت أنه من غير المتوقع أن تتخذ بروكسل إجراءات قاسية، مثل تعليق اتفاقية الشراكة، الاتفاقية الرئيسية بين الطرفين. ومع ذلك، قد تنظر في اتخاذ تدابير أخرى، مثل استبعاد إسرائيل من برنامج البحث والابتكار التابع للإتحاد. سيكون ذلك مؤلما لبلد يعتبر نفسه أمة الشركات الناشئة، ولكنه سيضر أيضا بالاتحاد الأوروبي نفسه، وفقا لتسيون تسيدكياهو.

وأضافت “شيء واحد مؤكد وهو أنه في سيناريو دراماتيكي كهذا، ستظل إسرائيل قادرة على الاعتماد على ألمانيا في تخفيف ضربة العصا الأوروبية”.

وحذر إفرايم هاليفي، رئيس الموساد الأسبق الذي عمل أيضا سفيرا لإسرائيل لدى الاتحاد الأوروبي، من اتخاذ أي خطوات قد تثير استياء الأوروبيين.

وقال لتايمز أوف إسرائيل في مقابلة أجريت معه هذا الأسبوع “إن علاقة إسرائيل بالاتحاد الأوروبي ليست سياسية فحسب؛ بل أنها اقتصادية وعلمية وتكنولوجية. وإسرائيل في ضغوطها الاقتصادية الحالية، حيث قد تكون تواجه أكبر أزمة اقتصادية في وجودها – لماذا سنقوم باختبار غضب الأوروبيين؟”

إفرايم هاليفي، رئيس الموساد الأسبق. (Flash90)

وأضاف: “إن الضرر الاقتصادي الذي ستتكبده إسرائيل حتى لو لم يقم الأوروبيون بإلغاء جميع هذه الاتفاقات [الثنائية] وقاموا بتجميدها فقط، يفوق بكثير أي شيء يمكن أن يتخيله أي شخص اليوم”.

وتساءل هاليفي “مع وجود أكثر من مليون شخص عاطل عن العمل بسبب جائحة فيروس كورونا، لماذا يخاطر القادة الإسرائيليون بزيادة التوترات مع الاتحاد الأوروبي، شريكها التجاري الأكثر أهمية؟”

وحذر من أنه “في الوضع الحالي ، حيث يواجه العالم بأسره أزمة صحية وأزمة اقتصادية غير مسبوقة ، سيكون هناك القليل من الصبر تجاه إسرائيل”.

وأضاف “نحن في مياه مجهولة. البند رقم واحد في قائمة الضروريات لدينا هو استعادة صحة واقتصاد إسرائيل. يجب أن يحل ذلك محل أي نوع آخر من الاعتبارات، بما في ذلك الضم السياسي للمناطق التي نسيطر عليها على أي حال”.

ماذا بالنسبة لاتفاق السلام مع الأردن؟

في تحذيرهم لإسرائيل من ضم غور الأردن، قال الكثير من المنتقدين إن الخطوة قد تضر باتفاق السلام الفاتر ولكن المستقر مع المملكة الهاشمية.

وقال لابيد في مؤتمر صحفي ردا على سؤال وجهه تايمز أوف إسرائيل، “هناك احتمال أن يقرر الأردن إلغاء اتفاق السلام معنا. لقد قالوا، بشكل صريح تقريبا، أن هذا من وجهة نظرهم يمكن أن يؤدي إلى إلغاء معاهدة السلام”.

يبدو أن كلمة “تقريبا” هي الكلمة المؤثرة هنا، لأن عمان لم تذكر صراحة أنها ستقوم بإبطال اتفاق السلام الذي تم إبرامه مع إسرائيل في عام 1994.

في مقابلة أجريت في سبتمبر 2019، حذر الملك عبد الله من أن ضم الضفة الغربية سيكون له “تأثير كبير على العلاقات الإسرائيلية الأردنية”، لكنه لم يصل إلى حد التهديد بقطع العلاقات الدبلوماسية.

الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، في الخلفية، يصفق لجنود من الجيش الأردني، يسار، ومن الجيش الإسرائيلي الذين يتحركون سويا في إظهار حسن النية في ختام حفل توقيع معاهدة السلام بين إسرائيل والأردن عند معبر وادي عربة بالقرب من إيلات في إسرائيل في 26 أكتوبر 1994. (AP/Marcy Nighswander)

وفي الآونة الأخيرة، أفاد تقرير أن وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي حث نظرائه في عدة دول على ثني القدس عن خطط الضم، وقيل إنه حذر محاوريه من أن تنفيذ هذه الإجراءات سيكون “مدمرا” وبمثابة إعلان عن نهاية حل الدولتين، وقد تكون له عواقب وخيمة على المنطقة. ولكن مرة أخرى، لم تُسمع كلمة عن إنهاء اتفاق السلام.

قال هاليفي، الذي لعب، بصفته مسؤولا بارزا في الموساد، دورا رئيسيا في إقامة العلاقات الدبلوماسية بين القدس وعمان، إنه من المستحيل التنبؤ بكيفية تأثير الضم على معاهدة السلام.

وقال “هناك حضور فلسطيني هائل في الأردن. لا يمكن لأحد أن يتنبأ في الوقت الحالي بما ستكون ردود الفعل في صفوف الفلسطينيين السابقين الذين هم الآن مواطنون أردنيون”، وأضاف “إذا نظرت إلى البرلمان الأردني وما إلى ذلك، فهذا أمر لا يمكن التنبؤ به”.

وشدد على أنه من المؤكد أن ضم غور الأردن ينطوي على خطر تدهور كبير في العلاقات الثنائية المتوترة أصلا، وقال “بمجرد أن تجد نفسك على منحدر زلق، لا يمكن لأحد التنبؤ بأي شيء. ولا يمكن لأحد أن يستبعد أي شيء”.

دان شابيرو، سفير الولايات المتحدة السابق في إسرائيل وحاليا زميل في معهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب، يوافق على أنه من المستحيل التنبؤ بكيفية رد فعل المملكة على الضم، لكنه يرى أنه من المحتمل أن تحافظ المملكة على السلام مع إسرائيل – لأن ذلك ببساطة مفيد للطرفين.

سفير الولايات المتحدة السابق دان شابيرو يتحدث في حدث للتايمز أوف إسرائيل في القدس، 2 يوليو 2017. (Luke Tress/Times of Israel)

وقال: “إن معاهدة السلام مع إسرائيل تخدم مصالح الأردن، بما في ذلك من خلال التعاون الأمني ​​الثنائي، وإتاحة علاقة وثيقة مع الولايات المتحدة، التي تقدم حوالي 1.3 مليار دولار سنويا كمساعدة”، مضيفا “ستكون الحكومة الأردنية مترددة للغاية في التخلي عن تلك الأصول”.

مايكل أورن، نائب الوزير السابق في العلاقات الدولية، وصف الأمر بصراحة في حديث مع تايمز أوف إسرائيل:”قد يستدعي الملك بالفعل سفيره من تل أبيب، ويعلق عددا من الاتفاقيات الثنائية، ويحتج بصوت عال لأوروبا والعالم. لكن الأردن لا يمكنه إلغاء معاهدة السلام وعلاقته الأمنية مع إسرائيل. فهذه، بكل بساطة، هي شريان حياة”.

ومع ذلك، سيكون على عمان أيضا التعامل مع وجهات النظر القوية لسكانها، كما يحذر شابيرو. “إذا كان هناك رد فعل شعبي فلسطيني قوي على الضم، أو إذا علقت السلطة الفلسطينية التعاون مع إسرائيل أو بدأت في الانهيار، فقد تواجه الحكومة الأردنية ضغوطا شعبية كبيرة لتغيير موقفها تجاه إسرائيل”.

ويتفق داود كتاب، وهو صحافي فلسطيني ومدير إذاعة “البلد “الأردنية، مع الرأي الذي يرى أن الضم الأحادي الجانب لغور الأردن يعرض معاهدة السلام للخطر.

وقال: “”قد يكون الأردن دولة صغيرة ولكن لديه زعيم قوي ومراع لن يخشى اتخاذ قرارات صعبة”، وأضاف “أنا لا أنصح الإسرائيليين باختبار عزم الأردن. هذا هو أحد المجالات التي تنسجم فيه المصلحة الوطنية مع الموقف العام”