نتقدم بالسيارة ببطء في أسفل جبل حمولة عويسات في جبل المكبر. يوم الثلاثاء خرج من هذه القرية ثلاثة شبان قاموا بتنفيذ عمليتين منفصلتين، الأولى في حي “أرمون هنتسيف” والأخرى في شارع “مالخي يسرائيل”. قُتل في هذا الهجوم ثلاثة اسرائيليين.

في اليوم نفسه تحدثت تقارير عن أن الحكومة قررت فرض ما يشبه طوقا على القرى في القدس الشرقية. ولكن عند الوصول إلى مدخل القرية تدرك إلى أي مدى بعيدة تصريحات الحكومة عن الواقع. بضعة جنود من شرطة حرس الحدود يقفون مكتوفي الأيدي عند المدخل من جهة ممشى “أرمون هنتسيف” وكذلك من الجهة الأخرى عند المدخل من الحي. عند المخرج بإتجاه سلوان لا يقف جنود.

تتوقف السيارة عند بيت يقف على سطحه بضعة أطفال ملثمين. لاحظوا وجودنا وألقوا بإتجاهنا… زيتون. بعد نقاشات ومحاولات وافقوا على النزول والتحدث مع “الإسرائيليين”.

من الواضح أن الصغار من بينهم لا يفهمون الوضع بالضبط. أطفال في الثامنة والتاسعة من العمر الذين يلعبون لعبة منفذي الهجمات “الأخيار”، أي أولئك الذين يقاتلون الصهاينة واليهود. يدركون أن هناك ترقب حذر في القرية لأن عددا من سكانها قاموا بتنفيذ “عمليات” (كما يصفون هذه الهجمات)، ضد اليهود، ولكن في كل لحظة يغيرون روايتهم إزاء الوضع الحالي وما يحدث من حولهم.

الشرطة وطواقم الاسعاف تعالج ضحايا هجوم في حي ارمون هناتسيف في القدس، 13 اكتوبر 2015 (Israel Police)

الشرطة وطواقم الاسعاف تعالج ضحايا هجوم في حي ارمون هناتسيف في القدس، 13 اكتوبر 2015 (Israel Police)

أحد الأطفال (12 عاما)، يضيف أنه يرغب بأن يطعن يهودا بالسكين. عندما سألته عن السبب، بدأ بالتلعثم وقال، “أخذوا أرضي”، قالها من دون أن يدرك حقا معنى هذه الكلمات.

عندما يسمعون أحد الأطفال الذي يعبر عن موقف واضح ومؤيد للهجمات، يقومون بتغيير روايتهم ويعربون عن رغبتهم بأن يصبحوا “أبطالا” مثل أولئك الذين نفذوا هجمات.

معظم الأطفال يتعلمون هنا في مدارس في القرية، التي تعمل تحت رقابة بلدية القدس. هل التحريض هو بسبب المدارس؟ لا يبدو الأمر كذلك.

لا يمكن أيضا تحميل السلطة الفلسطينية المسؤولية في التحريض في نظام التعليم هنا.

المحفز الرئيسي لإنجراف الجيل الشاب نحو الخروج وتنفيذ عمليات نابع من أساطير يتم نشرها في مواقع التواصل الإجتماعي وبين الأصدقاء. بالنسبة لهم فإن المستوطنين يحاولون السيطرة على الأقصى وطرد المسلمين من هناك. الحقائق لم تعد مهمة.

ولكن أحد الأطفال الآخرين، أكبر سنا، في الصف الثامن، يلفت نظرنا. يحمل بين يديه قميصا كُتب عليه بالإنجليزية: “Peace begins in me” (السلام يبدأ بي). وهو أمر مختلف تماما عما يمكن أن تتوقعه من فتى في جيله في قرية مثل جبل المكبر. يشرح والده أنه يتعلم في مدرسة أمريكية خارج القرية وهذا قميص المدرسة.

لا أوافق على قتل الأبرياء”، كما قال الفتى (أ). “أعرف أن الوضع تفجر بسبب دخول المستوطنين إلى الحرم القدسي والإعتداء على النساء الفلسطينيات. ولكن لا أؤيد ما قاموا به”.

صورة توضيحية، الشرطة الاسرائيلية تعتقل نشطاء يهود حاولوا دخول جبل الهيكل (باحة الاقصى) في مدينة القدس القديمة 30 أكتوبر، 2014   Yonatan Sindel/Flash90

صورة توضيحية، الشرطة الاسرائيلية تعتقل نشطاء يهود حاولوا دخول جبل الهيكل (باحة الاقصى) في مدينة القدس القديمة 30 أكتوبر، 2014 Yonatan Sindel/Flash90

يقول أن والده لا يسمح له بمشاهدة الأخبار على التلفزيون. “بسبب التحريض، فأشاهدها عند جدتي. ولكن أحصل على معظم الأخبار من الفيس، أو الهاتف”، كما يقول. بحسب أقواله فإن معظم أصدقائه يعتقدون أن ما بدأ الأحداث الأخيرة هو المس بالأقصى والكثيرون منهم يشعرون بالغضب على المس بـ”الأطفال”، أي منفذي الهجمات الشبان الذين خرجوا لتنفيذ هجوم وأُصيبوا بعد ذلك من حشد غاضب أو قوات الأمن. “إنهم جنود مدربون، حتى إذا جاء فتى إبن 14 عاما مع سكين، بإمكانهم إسقاطه”، كما يقول.

سألته إذا كان يعرف ماذا حل بمصير أحمد مناصرة (13 عاما)، التي ظهرت صورته في كل مكان على مواقع التواصل الإجتماعي الفلسطينية، بعد أن أُصيب خلال عملية طعن. يقول لي أنه غير متأكد. “البعض يقول أنه قُتل وآخرون يقولون أنه أُصيب، أنت تعرف كيف تجري الأمور في الأخبار”. أحمد طبعا على قيد الحياة ويتلقى العلاج في مستشفى “هداسا”.

المشكلة هي أن (أ)، إبن الـ14 عاما، هو حالة إستثنائية.

كانت علمانية في الماضي

في الجانب الآخر من الجبل، يقع منزل بهاء عليان، أحد منفذي الهجوم على الحافلة في “أرمون هنتسيف”. أقامت العائلة خيمة عزاء، ولكن تنفيذا لوصية بهاء التي كُتبت في عام 2014، لا توجد هناك أعلام لفصائل فلسطينية والعائلة ترفض إجراء لقاءات مع وسائل الإعلام. هذا هو طلب “الشهيد”، بصورة إستثنائية.

هذه خيمة العزاء الأولى التي أقوم بزيارتها منذ عام 2000، والتي لا تظهر فيها أية علامات سياسية. عليان أضاف في وصيته أنه لا يريد طبع صورته على قمصان أو ملصقات، وامتنعت عائلته عن القيام بذلك أيضا. تبين أن والده، أبو طارق، كان أحد أعضاء الخلية التي فجرت ثلاجة في القدس عام 1975. دخل إلى السجن وتم إطلاق سراحه بعد 10 أعوام في إطار صفقة جبريل.

الشارع الرئيسي في جبل المكبر (Jessica Steinberg/Times of Israel)

الشارع الرئيسي في جبل المكبر (Jessica Steinberg/Times of Israel)

خارج خيمة العزاء يجلس مختار القرية، الذي يعمل كوسيط في قضايا تكون موضع إختلاف، حسين عويسات. “لديكم كل الطرق لحل الوضع”، كما يقول. “عليك أن تفهم، الأقصى هو ليس بخط أحمر، هو عشرين خط أحمر. كل مس به يشعل النيران من جنين حتى رفح. وأقول لك إنه يجب الكف عن صعود اليهود إلى الأقصى، كفى. في اليوم الذي يعلن فيه نتنياهو عن ذلك سيتوقف العنف”.

ولكن ما الذي تغير في الأقصى؟ فمنذ 2003 بإمكان اليهود زيارته.

“الذي تغير هو أن الحكومة تحمي وتشجع المستوطنين على الصعود إلى الأقصى. يصعدون إلى هناك ويريدون الصلاة هناك. وهذه الحكومة تدافع عنهم في كل مكان. انظر ما فعلوا بالقرب من الخليل (عائلة دوابشة في قرية دوما). نحن لا نريد الحرب ونريد السلام. وأنا أقولها لك، على حكومتكم أن تعيد حساباتها وإتخاذ خطوات لتهدئة الوضع”.

’كان الناس يشربون الكحول في سنوات الـ70 في رمضان. في سنة 88 تقريبا دخل الإسلاميون إلى هنا’

على الطريق هناك بيت “شهيد” آخر، هذه المرة من محاولة الهجوم بالقرب من باب الأسباط. وفد يضم عشرات الموظفين من الأمم المتحدة يخرج لتوه من البيت.

(ع)، من سكان القرية، يقول لنا أن جبل المكبر مرت بتغيير كبير في العقود الأخيرة. “مرة كان الشيوعيون الأقوى هنا. كانت هذه قرية علمانية تماما. كان الناس يشربون الكحول في سنوات الـ70 في رمضان. في سنة 88 تقريبا دخل الإسلاميون إلى هنا وبدأ الناس بالإعتقاد بأنك إذا كنت تصلي في مسجد فعليك أن تصوت لحماس. وإلا فأنت لست بمسلم حقيقي، أو فلسطيني”.

بنظره فإن مقاطع الفيديو التي صورها إسرائيليون بعد الهجمات تحمل أهمية كبيرة في تجنيد المزيد من الشبان لمزيد من الهجمات. “أنتم لا تركون ما الذي يفعله رؤية طفل ملقى وهو ينزف والناس تصرخ نحوه ’يا أخو الشرموطة’. أثار ذلك جنون الشبان التي انتشرت بينهم هذه الأفلام عبر الواتس آب. ومع ذلك، أقول لك بالتأكيد، إذا توقفت زيارات اليهود للأقصى، سيتوقف كل هذا الجنون”.