يوم الاحد، عشية يوم ذكرى المحرقة في إسرائيل، سيتم الاعتراف باثنين من الباباوات اللذان أحدثا ثورة بعلاقة الكنيسة الكاثوليكية مع اليهود- يوحنا ال-23 ويوحنا بولس الثاني- كقديسين خلال حفل سيقام في الفاتيكان. كما هو متقع، هناك إثارة واضحة في العالم الكاثوليكي، حيث سيحضر أكثر من مليون شخص مراسم الحفل. ولكن الأمر اللافت للنظر حقا هو رد فعل المنظمات اليهودية والقادة اليهود لهذا التطويب.

وقال الحاخام دافيد روزين، المدير الدلوي لشؤوم الأديان في اللجنة اليهودية الأمريكية، والذي سيحذر الحفل في ميدان القديس بطرس أن هذين الباباوين هم “أكثر المسؤولين عن الثورة الدراماتيكية في العلاقات الكاثوليكية-اليهودية في عصرنا.”

وقال روزن للتايمز أوف إسرائيل، “إنهما البطلين العظيمين للمصالحة الكاثوليكية-اليهودية.”

وقال مدير رابطة مكافحة التشهير أبراهام فوكسمان في تصريح له انه بالنسبة للطائفة اليهودية فإن “الباباوين يوحنا بولس الثاني ويوحنا ال-23 هما بمثابة قديسين منذ فترة طويلة.”

من خلال المثال الشخصي والتعاليم الرسمية، غير الباباوين علاقة الكاثوليكية باليهودية، في الماضي والحاضر، وتركا ورائهما كنيسة مع طاقة وتركيز جديدين. وجه إرثهما حوار الكنيسة المستمر مع الطوائف اليهودية حول العالم ومع إسرائيل، ولكن لا تزال هناك مسائل عالقة. يأمل الكثير من اليهود والكاثوليك أن هذا التطويب يدل على نية الفاتيكان على تكثيف الحوار في محاولة لرأب صدع الخلافات العالقة بين الطائفتين.

الرحلة لا تزال في بدايتها

وُلد أنجيلو رونكالي في إيطاليا عام 1881. وقضى السنوات الأولى لحياته المهنية كدبلوماسي للفاتيكان، بما في ذلك تسعة أعوام كمندوب الرسولية في تركيا واليونان- من 1935-1944. في هذا المنصب، أنقذ رونكالي آلاف اليهود من هنغاريا ورومانيا وسلوفاكيا وبلغاريا، من خلال إصداره لوثائق مزورة والضغط على مسؤولي المحور شخصيا.

كتب رونكالي في ذلك الوقت، “نحن نتعامل مع واحد من أعظم الألغاز في تاريخ البشرية،” وأضاف، “أطفال إسرائيل المساكين. أنا أسمع تأوهاتهم من حولي يوميا. هو أقارب وأبناء بلد المسيح. ليأت الخلص الإلهي لنجدتهم ولإنارة طريقهم.”

جاء رونكالي خلفا للبابا بيوس الثاني عام 1958، مع توقعات بأن يكون البابا البالغ من العمر 78 عاما شخصية انتقالية. منذ البداية، كان واضحا أنه لم يكن ينوي أن يكون كذلك. أصاب الكنيسة بذهول عندما اختار أن يكون اسمه الباباوي “يوحنا ال-23″، وكان آخر من استعمل هذا الاسم بابا مزيف.

بعد أشهر، أعلن بشكل غير متوقع عن المجمع الفاتيكاني الثاني.

انفتاح البابا يوحنا على البحث الرائد في جذور المعادة للسماية في المسيحية، والذي قام به المؤرخ الفرنسي اليهودي جول يتسحاق، أدى إلى لقاء مصيري عام 1960، وفي نهاية المطاف إلى إنشاء وثيقة “نوسترا اتاتي” (عصرنا)، وهي الوثيقة التاريخية لمجمع الفاتيكان الثاني حول علاقة الكاثوليكية مع ديانات أخرى.

البابا فرانسيس يمس تمثال لمريم العذراء في القداس تقديس البابوات يوحنا الثالث والعشرين ويوحنا بولس الثاني في الفاتيكان في 27 أبريل 2014.. AFP PHOTO / VINCENZO PINTO

البابا فرانسيس يمس تمثال لمريم العذراء في القداس تقديس البابوات يوحنا الثالث والعشرين ويوحنا بولس الثاني في الفاتيكان في 27 أبريل 2014.. AFP PHOTO / VINCENZO PINTO

وكان يوحنا ال-23 القوة الدافعة وراء المجمع. على الرغم من وجود بعض النقاشات حول مجمع في عصر الباباوين الذين سبقاه، “هناك أحساس جلي أن يوحنا وصل إلى القرار ‘لى جد كبير من تلقاء نغسه،” كما يقول أندرو ستارون، أستاذ كساعد في علم اللاهوت والدراسات الدينية في جامعة “ويلنغ اليسوعية”. “أو ربما أفضل من ذلك، تحدث يوحنا بنفسه عن ذلك بأنه إلهام مفاجئ.”

على الرغم من أنه لم يكن سببا مباشرا في الإجراءات، فلقد كان مصدر إلهام للعديد من الأساقفة. قال ستارون، “وعبر يوحنا عن اعتزازه بقوله أنه هو نفسه من قام بكتابة كلمة الافتتاح.”

ولم يكن مجمع الفاتيكان الثاني في المقام الأول عن علاقة الكنيسة باليهود، ولكن حول التفكير من جديد بنهجها تجاه اليهودية والشعب اليهودي كان جزءا أساسبا من المهمة التي فرضها على نفسه المجمع بالعودة إلى مصادر سابقة وتحديث نفسها للانخراط في العالم الحديث.

توفي البابا يوحنا ال-23 عام 1963، قبل أن ينتهي مجمع الفاتيطان الثاني من أعماله. ولكنه ترك بصمة لا جدال فيها على العلاقات الكاثوليكية-اليهودية. وقالت ماري واتسون، من مؤسسي مركز التعليم اليهودي-الكاثوليكي-المسلم في جامعة “ويسترن أونتاريو” للتايمز أوف إسرائيل، “لقد بدأ رحلة جاءت فعلا بعدد كبير من الثمار على المستويين العالمي والمحلي، ولا تزال بالفعل في بداياتها فقط.”

كان البابا يوحنا ال-23 مدركا جدا لل”جانب المظلم” للمواقف الطاثوليكية التقليدية تجاه اليهود، وإلى الطرق التي تم بها استغلال هذه التعاليم من قبل النازية بأساليب معادية للسامية بشكل رهيب، كما تقول واتسون. لقد سن عدة تغييرات ملحوظة للتعاليم الكاثوليكية والصلوات، واستبعد الإشارة إلى اليهود ك”غدارين” في قداس يوم الجمعة العظيمة، واستبعاد ألفاظ حول “الخطأ العبري” في رفض يسوع من طقوس المعمودية لليهود الذي يحولون دينهم إلى المسيحية.

وقالت واتسون، “في نواح كثيرة، بدأ يوحنا ال-23 شخصيا بالعملية التي أدت بنا [الكاثوليك وغيرهم من المسيحيين] إلى ما نحن عليه اليوم، إلى التفكير باليهود واليهودية بطريقة مختلفة كليا.”

كما وضع يوحنا الأسس لإنشاء علاقة دبلوماسية رسمية مع إسرائيل بعد ثلاثة عقود، حيث التقلى مع مسؤولين إسرائيليين ورد على رسالة من الرئيس يتسحاق بن تسفي. حتى أنه قام بترجمة واحد من منشوراته الرئيسية حول العدالة الاجتماعية والسلام (تحت عنوان “ماتر إيت ماجيسترا”، والتي نشرت عام 1961) إلى اللغة العبرية الحديثة، حتى تكون قراءتها في إسرائيل بشكل أسهل.

وتم العتراف بيوحنا كشخص يحمل حبا حقيقيا للطائفة اليهودية، وهو شعور تشكل من خلال ما شهده خلال المحرقة. وجاء رد الجالية اليهودية في روما بالمثل، عندما ترأس الحاخام الأكبر للجالية في ذلك الوقت، إليو طواف، بعثة لميدان القديس بطرس للصلاة من أجل البابا قبل ليلة واحدة من وفاته عام 1963.

’أنتم إخوتنا الكبار’

ولد كارول جوزيف فويتيالا في بولندا عام 1920، وستكون لأصدقاءالطفولة للبابا يوحنا بولس الثاني تأثير كبير عليه خلال توليه منصب الباوباوية. عاش فويتيالا خلال فترة الاحتلال النازي في بولندا، حيث اختبأ من عملية تجميع المدنيين من قبل النازيين وقام بإنقاذ لاجئة يهودي في ال-14 من عمرها والتي وقعت على سكة حديدية.

تم انتخاب فويتيالا لمنصب الباباوية خلال عملية التصويت الثامنة في أوكتوبر عام 1978. وقالت ستارون، الأستاذة المساعدة في جامعة “ويلنغ اليسوعية، أن بابوايته “تميزت بمشكاركة شجاعة مع العالم وتأكيد على الرحمة الإلهية،” وأضافت أنه “استغل التغييرات في الاتصالات، وقام بتحويل مكتل البابا إلى مكتب القس العالمي.”

وكانت العلاقات مع اليهود نقط محوريه خلال فترته. لم يكن ذلك محض الصدفة أن يكون اللقاء الخاص الأول مع الجمهور ليوحنا بولس الثاني مع جيرسي كلوغر، صديق طفولة يهودي.

عام 1986، أصبح البابا يوحنا بولص الثاني البا الأول بعد القديس بطرس الذي يزور معبد الصلاة اليهودي. وخلال تواجه في كنيس “تيمبيو ماجيوري” في روما قال يوحنا بولس الثاني، “الدين اليهودي ليس ب’غريب’ بالنسبة لنا، ولكنه بطريقة ما هو ’جوهري’ لديننا. بالتالي فإن لدينا مع اليهودية علاقة غير موجودة مع أي دين آخر. أنتم أخوتنا الأعزاء، بطريفة معيتة، يمكن القول أنكم إخوتنا الكبار.”

في عشرات الرسائل والبيانات العامة، أنشأ يوحنا بولس الثاني مجموعة هائلة من التعاليم حول العلاقات اليهودية-المسيحية، نبذ من خلالها المعادة للسامية والمعاداة لليهودية.

وقالت واتسون، “أشرف يوحنا بولس نشر المبادء اليهودية الموسعة لتعاليم الكاثوليكية والوعظ عن اليهود عام 1985، وعلى غصدار وثيقة مهمة عام 2002 من قبل لجنة الكتاب المقدس البابوية، تحت عنوان ’الشعب اليهودي ونصوصه المقدسة في الانجيل المسيحي،’ والتي عرضت توجيهات بشان فهم العلاقة بين العهدين، وكيفية تفسير عدد من المقاطع الأكثر صعوبة أو جدلية في العهد الجديد.”

وتم نشر وثيقة مكونة من 1,200 كلمة حول التعاليم الكنسية الرسمية بشأن الحوار بين الأديان بعد وقت قصير من وفاة البابا يوحنا الثاني في عام 2005، وجاءت بمعظمها من فترة البابا يوحنا بواس الثاني في المنصب.

عام 1993، قام البابا يوحنا بولس الثاني بخطوة الاعتراف بإسرائيل والتي طال انتظارها. وتبعها بعد ذلك زيارته إلى الدولة اليهودية عام 2000، حيث أصيب الإسرائيليين بالذهول عند رؤيتهم الحبر الأعظم يترك ورقة في حائط المبكى يسأل فيها الله المغفرة على معاملة الكاثوليك لليهود وزيارته إلى متحف “ياد فاشيم” ولقاءاته مع مسؤولين إسرائيليين.

كما حدث في أيام البابا يوحنا ال-23 الاخيرة، قام الحاخام الأكبر في روما بترأس بعثة إلى الفاتيكان للصلاة من أجل شفاء يوحنا بولس الثاني قبل وفاته بوقت قصير.

وقالت واتسون، “أمد من جديد مرارا وتكرارا على الطبيعة الجارية للمواثيق المبرمة بين الله والشعب اليهودي.” وأضافت أن “حياته بأكملها اتسمت بحبه العميق للشعب اليهودي، حتى لو ان بعض قراراته كانت غير حساسة أو غير مفيدة.”

حياة بطولة

لن يقوم افاتيكان بتطويب يوحنا ال-23 ويوحنا بواس الثاني كقديسين يوم الأحد. في الواقع، لا يمكن للفاتيكان أن تجعل أي شخص قديسا. “الله هول الوحيد الذي يقوم بذلك،” كما قلات واتسون. دور الكنيسة هو التمييز والاعتراف، استنادا على الأدلة الموجودة، بهؤلاء الأشخاص الذي ينبغي اعتبار حياتهم نموذجا للفضية المسيحية.

ووضح ستارون أن “التقديس الرسمي يعلن أن هذا الشخص الذ عاش حياة ’الفضيلة البطولية’ هو الآن مع الله في الجنة،” وأضاف أن “الإيمان بشفاعة القديس هو الاقتناع بأن هذا الشخص يصلي جنبا إلى جنب معنا، ويطلب من الله مساعدتنا.”

عملية الاعتراف بشخص كقديس هي عادة عملية شاملة. يقوم مجمع دعاوى القديسين، وهو هيئة فاتيكانية، بدراسة مفصلة لحياة الشخص وكتاباته.