في كتابه المشئوم، “نهاية الأيام: الأصولية والنضال من أجل جبل الهيكل”، يقتبس المؤلف جرشوم غورنبرغ محادثة مذهلة التي وقعت في الحرم القدسي الشريف مباشرة بعد إستيلاء المظليين الإسرائيليين عليه في 7 يونيو 1967، بينما لا يزال الجنود المنتصرين ‘يتجولون حول الساحة كما لو كانوا يحلمون’.

الحاخام الأكبر للجيش شلومو غورين، لاحقاً الحاخام الأكبر لإسرائيل، توجه إلى الجنرال عوزي ناركيس، وقال: ‘حان الوقت لوضع مائة كيلوغرام من المتفجرات في جامع عمر (قبة الصخرة)، وهذا هو، مرة واحدة وإلى الأبد سنكون قد إنتهينا منه’.

رد ناركيس: “حضرة الحاخام، توقف”.

‘انك لا تفهم المعنى الهائل لهذا’، ‘استمر الحاخام: ‘هذه هي الفرصة التي يمكن إستغلالها الآن، هذه هي اللحظة، غدا سيكون مستحيلا’.

قال ناركيس: ‘ايها الحاخام، إذا لم تكف عن هذا الآن، سأذهب بك من هنا إلى السجن’.

محبطا، سار غورين يرافقه الصمت بعيدا.

كما يقول غورنبرغ، ساد المنطق في لحظات ذروة تلك الحرب. في 10 حزيران، إلتقى وزير الدفاع موشيه دايان مع السلطات الإسلامية على قمة الجبل، وجلس معهم، حفاه، على سجاد المسجد الأقصى المبارك، وقال لهم أن إسرائيل ستتخذ من الآن فصاعدا المسؤولية الأمنية الشاملة للمكان، ولكن ستفعل ذلك من الخارج. ستحتفظ السلطات الإسلامية بالسيطرة الداخلية. لن يكون اليهود محظورين من المكان الأكثر قدسية لهم، لكنهم لن يسمحوا لتحويله إلى مكان عبادة. لذلك، لديهم الآن الحائط الغربي أسفله.

كوزير الأديان لإسرائيل في ذلك الوقت، زيراح فرهافتيغ، سيقول لغورنبرغ عقود لاحقا: ‘اليهودية المسيحيه هي سر الوجود، هذا صحيح. دونه، ستخمد النار، ولكن على المنطق أن يسود’.

ما يقارب نصف قرن بعد تلك الأيام الوجيزة من الإنتصار المستحيل والمرتجل بسرعة، والقرارات الهامة التي اقتضاها، كان قرار ديان واضحا بما يتعلق في مصير جبل الهيكل – والذي كان آن ذاك في قبضة اليهود للمرة الأولى منذ 1900 عام، ولكن غير متاح لإستخدام اليهود دينيا – ذاك القرار قد عاد ليلاحقنا.

كانت القيادة الإسرائيلية في عام 1967 قادرة على تصور سياسة تمنع الصلاة اليهودية من خلال إستخدام الإجماع العبادي بشكل مريح، حيث يحظر على اليهود تدنيس موقع أقدس الأقداس (الحج إلى الجبل يعتبر تدنيس) ، وبالتالي إمتنعت إسرائيل عن حرب مقدسة محتملة بين اليهودية والإسلام.

إن الإجماع العبادي لا يزال قائم، لكن تم تحديه على نحو متزايد في الآونة الأخيرة. يهودا غليك، يتعافى ببطء في مستشفى شعاري تسيدك من محاولة إغتيال مفرغ منها يوم الأربعاء الماضي في القدس، حيث كان داعية بارزة لحقوق صلاة اليهود في الجبل (ينبغي التأكيد، وإستبعاد حقوق صلاة المسلمين).

يشاركه العديد من أعضاء الكنيست اليمينيين الهدف. وزير الإسكان والبناء الاسرائيلي، أوري أريئيل، من الحزب الأرثوذكسي القومي, حزب هبايت هيهودي، أكد لأولئك الذين تجمعوا في مسيرة للصلاة لغليك ليلة السبت الماضي, أن الوضع الراهن الذي يمنع الصلاة اليهودية على الجبل سيتغير. ثلاثة أعضاء الكنيست – موشيه فيجلين، تسيبي حوتوفيلي، وشولي موعلم-رافائيلي – جالوا في المجمع في مظهر تظاهري للسلطة الإسرائيلية في الأيام منذ اطلاق النار على غليك، مكررين على نطاق أصغر الزيارة رفيعة المستوى إلى الحرم القدسي الشريف في سبتمبر 2000 لزعيم المعارضة في ذلك الحين ارييل شارون. تلك الزيارة من قبل 14 عاما، مباشرة بعد رفض ياسر عرفات لمقترحات السلام لرئيس الوزراء انذاك, ايهود باراك, في كامب ديفيد، التي جاءت كذريعة مثالية لاتباع عرفات ومجموعات إرهابية أخرى لشن ما أصبح الانتفاضة الثانية، أو حرب إرهاب، والتي قتلت أكثر من 1100 مدني إسرائيلي. ينبغي أن يكون واضحا أن خلفاء زيارة شارون لجبل المعبد يلعبون بالنار. إما انهم يملكون ذاكرة قصيرة جدا، أو أنهم أيضا مستحودون بنوع من الحماسة التبشيرية التي حها قادة إسرائيل بحكمة لنزع فتيل عام 1967.

ثم هناك الجانب الآخر من هذا الإشتعال الحارق من التوتر، الأمر الذي يعكس أيضا التأثير التراكمي للقرارات بالغة الأهمية هذه في نهاية حرب الستة أيام.

عن طريق إختيار التخلي عن الغنائم الكاملة للنصر، بإختيار عدم تحقيق قدرة المحتل لفرض إرادته، قوضت قيادة الأمة اليهودية بشكل ذاتي وواضح زعم اليهود لحقهم في جبل الهيكل في عيون العالم الإسلامي. كما شهدت إسرائيل القوية تختار حل وسط بدل اشتعال محتمل، ربما اعرب الكثير من المسلمين عن تقديرهم لضبط النفس، ولكن بالنسبة للكثيرين أيضاً، لا يمكنه إلا أن يكون مؤشرا على عدم وجود رباط يهودي بالمكان. هذا، بدوره، ضمن الصدى بين الفلسطينيين والعالم الإسلامي الأوسع للسرد الكاذب لياسر عرفات أنه ‘تاريخيا, لم يتواجد المعبد في فلسطين’ – وهذا، من خلال استطراد خبيث، للأمة اليهودية لا شرعية سيادة تاريخية في هذا الجزء من العالم اطلاقاً.

وسط تصاعد فظيع حالي في الإرهاب والعنف في القدس – إطلاق النار على يهودا غليك، سلسلة من هجمات ‘الدهس الانتحاري’، وأعمال الشغب في الأحياء العربية في القدس الشرقية، وإشتباكات على جبل الهيكل نفسه – لقد كان من المفزع جدا مشاهدة مقابلة بعد مقابلة تلفزيونية مع مارة الفلسطينيين في الأحياء العربية التي يجتاحها رشق الحجارة، كبار سن الغير مشاركين في أعمال العنف، يحثون إسرائيل للبقاء بعيدا عن الأقصى، وعدم الصلاة في الأقصى، لتفعل أي شيء، ولكن تتجنب الأقصى في جبل الهيكل، ومن الواضح أن لليهود لا توجد أي شرعية على الإطلاق بالنسبة لكثير من الفلسطينيين العاديين.

حماس، حيث لا ترى أي شرعية لاسرائيل إطلاقا، تبذل كل ما في وسعها لإثارة المشاعر حول الأخطار المزعومة زورا حول الأقصى، حيث تقوم بتضخيم والمبالغة وتشويه كل شرارة احتكاك على أمل إشعال حرب مقدسة تسعى اليها من أجل زوال إسرائيل. وأيضا، محرضين داخل المجتمع العربي الإسرائيلي الخاص – وخاصة في الفرع الشمالي للحركة الإسلامية. بعض أعضاء الكنيست العرب أيضا مذنبين بالمبالغة وإساءة وصف الأبعاد الحقيقية لما تم التلاعب به داخل وحول الحرم القدسي الشريف في الأسابيع الأخيرة. كذلك رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس المزداد تطرفاُ، يصب الزيت على النار.

ويستمر تجاهل تأكيدات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الشبه يومية، أن حكومته لا تنوي تغيير المعلمات التي وضعها دايان في عام 1967.

يوم الأربعاء بعد أن حثت حركة فتح التي يتزعمها عباس أنصاره للدفاع عن الأقصى، ثالث أقدس موقع في الإسلام، ضد زيارة مرتقبة من قبل أنصار يهودا غليك، أدت إشتباكات على الجبل إلى مطاردة أفراد الأمن الإسرائيلي لمثيري الشغب الى المسجد (حيث رأوا الحجارة والزجاجات الحارقة وقنابل المولوتوف مكدسة إستعداداً للهجوم). هذا التوغل الغير نمطي بدوره دفعت لشكاوى مريرة من السلطات الإسلامية الرائدة في الأردن للتهديد لإعادة تقييم معاهدة السلام منذ 20 سنة مع إسرائيل، موفرة بلا شك مزيدا من الدوافع الإجرامية لإبراهيم العكاري، سائق يوم الاربعاء الإنتحاري من حماس والذي طفحت صفحته الفيسبوك بمنشورات ضد الوجود اليهودي في الحرم القدسي الشريف. رسالة عكاري الأخيرة على الفيسبوك، والتي نشرت ليلة الثلاثاء، ذكرت التايمز أوف إسرائيل، كانت صورة لوثيقة صادرة عن اللجنة العليا الإسلامية في القدس، والتي تسرد مناوبات لمتطوعين فلسطينيين ليكونوا حاضرين لحماية المسجد الأقصى المبارك يوم الاربعاء.

كارهي إسرائيل ‘يريدون ببساطة إقتلاعنا من هنا’، وقال نتنياهو في الكنيست بعد ظهر ليوم الأربعاء. ‘إنهم يحاولون إعادة كتابة التاريخ، وإنكار تفانينا الشجاع من أجل القدس ويدعون بأننا نحاول تغيير الوضع القائم في الحرم القدسي، ونشر أكاذيب بأننا نريد أن نضر أو ​​ندمر المسجد الأقصى، أو تغيير ترتيبات الصلاة للمسلمين في الحرم. ليس هناك أكبر من هذا الباطل’.

ولكن في غياب الحوار الإسرائيلي الفلسطيني البناء، مع فراغ ملأ هذه الأشهر القليلة الماضية من قبل محرضين دينيين ومنظرين لإشتعال، تنتشر الأباطيل. أكثر من أي وقت مضى، يجب العثور على الحلول في تعليم متسامح، وسائل إعلام مسؤولة، حساسية سياسية، وقيادة روحية حكيمة. أكثر من أي وقت مضى، إن كل هذه في نقص كبير.

القدس بدأت بالإشتعال. الحماس الديني يشتد. المنطق، كما قال زيراخ فرهافتيغ بحق عام 1967، ‘عليه السيطرة على ذلك’، على الفور.