لفترة وجيزة، صباح يوم السبت، بدا أن هذه الجولة من الصراع بين إسرائيل وحماس قد تكون قد اقتربت من نهايتها. خف إطلاق الصواريخ لبضعة ساعات، وتحدثت وسائل الإعلام العبرية عن صياغة إتفاق وقف إطلاق نار مصري.

ولكن مساء السبت، بعد إطلاق نار كثيف من قبل حماس على القدس وعلى وسط إسرائيل، كان من الواضح أن الصراع متواصل على قدم وساق. لم يتوقف إطلاق الصواريخ على عدة أهداف في جنوب ووسط إسرائيل، وتسببت الغارات الجوية الإسرائيلية في غزة، بما في ذلك على منازل لأعضاء القيادة السياسية في حركة حماس، بمقتل حوالي 190 شخصا.

ما تغير يوم السبت هو “عرض” لحماس. في الساعة 8 مساء، في إعلان أعد ليتزامن مع نشرات الأخبار الرئيسية في إسرائيل، تباهت الحركة بأنها ستقوم في الساعة 9 مساء بإطلاق وابل جديد من الصواريخ، من طراز J80 (الجعبري، على إسم قائدها السابق، أحمد الجعبري، الذي قتلته إسرائيل في بداية عملية “عامود السحاب” عام 2012) على تل أبيب، وبعد دقائق قليلة من الساعة الموعودة، أمطرت الصواريخ بالفعل على المنطقة.

لم تتسبب هذه الصواريخ بإصابات، ولكن تقارير وإشاعات كاذبة مفادها أنها تسببت بإصابات في صفوف الإسرائيليين كانت كافية لتحريك مشاهد الإحتفال في مخيم جباليا للاجئين. انضمت قناة الجزيرة إلى الإحتفالات، وتحدثت عن أن الهجوم الصاروخي حقق إنجازا غير مسبوق في الحرب ضد إسرائيل.

في هذه الأثناء يبدو إقتراح وقف إطلاق المصري بأنه مجموعة من الأفكار القديمة التي جرى تداولها في الأيام التي سبقت عملية “الجرف الصامد”، وتم رفضها بشدة من قبل حماس- أفكار مثل “الهدوء مقابل الهدوء”، وتخفيف الإغلاق في معبر رفح، ودخول المزيد من مواد البناء من إسرائيل إلى غزة. رفضت حماس هذه المقترحات. فهي أرادت أطلاق سراح 56 أسيرا تم الإفراج عنهم في صفقة شاليط عام 2011، والذين تم إعتقالهم من قبل إسرائيل خلال المطاردة (المستمرة) لقتلة الفتية الإسرائيليين الثلاثة الذين اختُطفوا في الشهر الماضي، وهو ما رفضته إسرائيل.

هناك إجماع بين كل من كان على إتصال بحماس مؤخرا- إسرائيليون (هناك البعض من هؤلاء) ومصريون وأوربيون وفلسطينيون (مبعوثو السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس): القيادة الإسلامية في غزة لا ترغب بوقف لإطلاق النار. قال مسؤول بارز في السلطة الفلسطينية والذي كان على اتصال مع حماس وغزة لهذا الصحافي يوم السبت: “لا يوجد ما تناقشه معهم”، ونفى مصدر مصري فكرة وقف إطلاق وشيك بوساطة مصرية. الجهود المصرية متواصلة، كما قال، ولكنها من دون جدوى.

وشددت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية كذلك على أن الصراع بعيد عن نهايته.

في هذه الأثناء، حصيلة القتلى في غزة مستمرة بالإرتفاع، مع وجود الكثير من المدنيين بين الضحايا. لا تزال قيادة حماس العسكرية والسياسية تختبئ في الأنفاق وبالكاد تضررت. يوم السبت قُتل نضال الملش، ابن شقيقة رئيس حكومة حماس السابق إسماعيل هنية، في غارة جوية إسرائيلية على حي “الشيخ رضوان”، ولكن خاله على ما يرام.

يصر مسؤلون إسرائيليون على أن حماس محبطة بسبب عدم قدرتها على تعطيل الحياة اليومية في إسرائيل بشكل كبير وإلحاق خسائر إسرائيلية أكبر. ولكن يزيد مقتل وإصابة مدنيين في غزة الذين لا علاقة لهم بالقتال من دعم حماس في الرأي العام الغزاوي، وشعبية الحركة في ارتفاع مستمر في الضفة الغربية والعالم العربي.

بالنسبة للفلسطينيين والعالم العربي، تثبت قدرة منظمة فلسطينية صغيرة على مهاجمة تل أبيب وديمونا وحيفا إصرارها البطولي في مواجهة “الصهاينة”. لا تظهر حماس اية علامات تبين بأنها تتوق للإستسلام، أو حتى وقف الصراع، بدافع اليأس. وبذلك فإن الطريق إلى توغل بري إسرائيلي تبدو قصيرة.

ومع ذلك، وبالرغم من الدعم المتزايد لحماس في الشارع الفلسطيني والعربي، يواصل عباس مفاجآته بإظهار شخصية قيادية. ليلة الجمعة، في الجمعة الثانية من رمضان، في خضم أنباء عن عشرات القتلى في غزة، أدلى رئيس السلطة الفلسطينية بمقابلة مع قناة “الميادين” المقربة من حزب الله ولم يتردد بإنتقاد حماس على التصعيد المستمر. وقال عباس- الذي يحافظ على قنوات إتصال مع الحركة الإسلامية- أن شروط حماس “غير ضرورية وغير مطلوبة”.

وأضاف أن “من يخسر في كل دقيقة تستمر فيها الحرب هم الفلسطينيين” وأن وقف عاجل لإطلاق النار هو أمر ضروري، من دون شروط مسبقة. وقدم التعازي لعائلات الشهداء في غزة معتبرا أنهم “وقود لتجار الحرب وأنا ضد هؤلاء التجار من الجانبين”.

بشكل لا يدعو إلى الدهشة، أثارت هذه التصريحات موجة من الإنتقادات الحادة في حماس ضد عباس. مع ذلك، قد يكون هناك من يصغي على الجانب الإسرائيلي. ومع إنتهاء العملية، قد يرون في الواقع أن هناك شخصا يمكن التحدث معه.