هدد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس هذا الأسبوع بإلغاء اتفاقياته مع إسرائيل، وبدا أنه يتهم إسرائيل و/أو اليهود بتزوير التاريخ والدين، وأكد على أن إسرائيل لا تلبي معايير الدولة وبالتالي على المجتمع الدولي إعادة النظر باعترافه بإسرائيل.

ولكن في حين أن المنظمات اليهودية الأمريكية – من بينها، وعلى غير العادة، منظمة “جيه ستريت” – أصدرت ردود فعل انتقدت فيها بشدة خطاب رئيس السلطة الفلسطينية في إسطنبول، كانت ردود فعل القادة والمسؤولين الإسرائيليين ضعيفة بشكل ملحوظ، حيث فضل هؤلاء كما يبدو عدم ركل الرجل وهو في لحظة ضعفه. بعد أن فازوا باعتراف أمريكي طال انتظاره بالقدس عاصمة لإسرائيل، قد يكون قادة الدولة اليهودية قرروا، لبضعة أيام على الأقل، عدم رش المزيد من الملح على جروح عباس.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو أصدر بيانا معتدلا نسبيا على خطاب عباس الناري الأربعاء في “القمة الإسلامية الطارئة” لمنظمة التعاون الإسلامي، لكن مكتبه لم يتطرق مباشرة لبعض أكثر التصريحات إثارة للجدل في خطاب عباس، واختار عدد آخر من القادة الإسرائيليين، قام تايمز أوف إسرائيل بالاتصال بهم، عدم التعليق. الاستثناء الوحيد جاء من نائبة وزير الخارجية تسيبي حاطوفيلي، التي هاجمت في رد مكتوب عباس لما وصفته ب”طريق الأكاذيب” ونفيه “لصلة الشعب اليهودي بأرضه”.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (يسار) ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يجتمعان في مؤتمر للسلام في واشنطن العاصمة في 2 سبتمبر / أيلول 2010. (Moshe Milner/GPO/Flash90)

وقد يعكس هذا الهدوء النسبي في القدس إصرار إدارة ترامب التي أعلنت مرارا وتكرارا – منذ اعتراف الرئيس الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل في 6 ديسمبر – بأنها لا تزال متلزمة بالتوسط في اتفاق تاريخي بين الإسرائيليين والفلسطينيين، مع حرص القدس على عدم الخروج بتصريحات قد تعتبر واشنطن أنها تزيد هذا الطموح تعقيدا. هذه الحساسيات حادة بشكل خاص عشية زيارة نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس إلى إسرائيل في الأسبوع المقبل، التي من غير المتوقع أن يقوم خلالها بزيارة إلى الأراضي الفلسطينية، بعد أن أعلن عباس رفض مقابلته.

في الماضي، على النقيض من ذلك، سارع نتنياهو إلى إصدار انتقادات حادة لخطابات عباس، بما في ذلك اتهام رئيس السلطة الفلسطينية برفضه قبول إسرائيل في أي حدود ونشر الأكاذيب والتشهير، وإثبات عدم وجود شريك للسلام.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ونائب الرئيس مايك بنس من يقف من خلفه، بعد الإعلان عن نية الحكومة الأمريكية الاعتراف رسميا بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل في غرفة ’الإستقبال الدبلوماسية’ في البيت الأبيض، 6 ديسمبر، 2017. (Chip Somodevilla/Getty Images via JTA)

في خطابه الذي استمر لمدة ساعة في إسطنبول، والذي ألقاه في القمة الطارئة للدول الإسلامية والعربية والتي عُقدت في أعقاب إعلان ترامب في شأن القدس، ندد عباس بالإدارة الأمريكية وهدد بإلغاء جميع اتفاقيات السلام منذ أوسلو، وتعهد بالسعي للحصول على عضوية كاملة ل”دولة فلسطين” في الأمم المتحدة. في حين أنه كان أصدر تهديدات مشابهة في الماضي، لكن هذه المرة خرج باتهامات نارية جديدة.

من أبرزها، على سبيل المثال، تصريحه بأنه “لا يوجد هناك من هو أفضل منهم في تزوير التاريخ”، في تصريح يبدو أنه موجه لإسرائيل و/أو اليهود.

وجاء في هذا الجزء من الخطاب، “بالمناسبة، أنا لا أحب أن أناقش في التاريخ أو في الدين، لأنه لا يوجد هناك من هو أفضل منهم في تزوير التاريخ وتزوير الدين. ولكن إذا قرأنا التوراة، تقول إن الكنعانيين موجودون قبل سيدنا إبراهيم ولم يتوقف وجودهم منذ ذلك التاريخ ولم ينقطع إلى يومنا هذا. هذا في التوراه. فحقنا في القدس وغيرها من البلاد موجود إلى الأبد. ولكن إذا أرادوا… ’يحرفون الكلم عن مواضعه’، هذا كلام الله. ولكني لا أريد الدخول في الدين”.

عبارة “تحريف الكلم عن مواضعه” هي عبارة مقتبسة من القرآن، يتم تفسيرها على نطاق واسع بأنها تشير إلى اليهود.

في مقطع آخر من خطابه، زعم عباس أن إسرائيل لا تلبي معايير الدولة، وحض العالم على إعادة النظر بالاعتراف بدولة إسرائيل.

وقال عباس “القانون الدولي يقول إنه لا بد أن تتوفر في الدولة ثلاثة شروط، هي السلطة والسكان والحدود، لكن الشرط الثالث غير متوفر في إسرائيل، وأتحداها أن تقول أين حدودها، وهذا يقودنا إلى أن الاعتراف بها باطل”.

عباس كان يشير على الأرجح إلى نظرية إعلان الدولة، التي تفترض أن الكيان يحتاج إلى الوفاء بمعايير موضوعية معينة قبل أن يُعتبر دولة. بحسب البند الاول من “اتفاقية مونتيفيديو” لعام 1933 حول حقوق وواجبات الدول، والتي اعتُرف بها تقليديا كمعيار لتحديد مصطلح الدولة بموجب القانون الدولي، تحتاج الدولة إلى امتلاك المعايير التالية: سكان دائمون؛ أرض محددة؛ حكومة، والقدرة على الدخول في علاقات مع دول أخرى. لإسرائيل لا توجد حدود محدددة، وبالتالي لا توجد لديها أرض محددة، ولذلك لا يمكن اعتبارها دولة، كما يقول عباس.

وتابع رئيس السلطة الفلسطينية “وإنني أتساءل، كيف يمكن لدول العالم السكوت على هذه الانتهاكات في حق القانون الدولي، وكيف يمكن استمرار اعترافها بإسرائيل والتعامل معها وهي تستخف بالجميع، وتواصل مخالفة الاتفاقيات الموقعة معها، وتقوم بممارساتها القمعية والاستعمارية وخلق واقع الأبارتهايد وامتهان شعوبنا ومقدساتنا المسيحية والإسلامية؟”

وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية “وفا” قامت بنشر نصها الخاص لخطاب عباس باللغة العربية، ومقتطفات منه باللغة الانجليزية.

نتنياهو رد على خطاب عباس بعبارات عامة الأربعاء.

وقال في حفل لتكريم موظفي الموساد المتميزين في مقر إقامة رئيس الدولة  “حري بالفلسطينيين الاعتراف بالواقع والعمل من أجل السلام، وليس التطرف، والإعتراف بحقيقة إضافية فيما يتعلق بالقدس: ليس فقط أنها عاصمة إسرائيل ولكن في القدس نحترم حرية العبادة لجميع الأديان، ونحن من يقوم بصنع هذا الوعد في الشرق الأوسط على الرغم من عدم قيام أي طرف آخر بذلك وعلى الرغم من إخفاقات شديدة متكررة في هذا الصدد”، وأضاف “وبالتي كل هذه التصريحات لا تؤثر علينا. الحقيقة ستنتصر في النهاية وستعترف العديد من الدول بالتأكيد بالقدس عاصمة لإسرائيل وتقوم أيضا بنقل سفاراتها”.

لكن عند محاولة الحصول على تعليق على بعض المقاطع المحددة من خطاب عباس، لم يكن لدى مكتب رئيس الوزراء ما يقوله. وكذلك الأمر بالنسبة لوزارة الخارجية التي اكتفت بالرد على التوجهات إليها من خلال الإشارة إلى تصريحات نتنياهو. (نتنياهو يشغل أيضا منصب وزير الخارجية)

تايمز أوف إسرائيل قام بالتوجه إلى عدد من الساسة – من ضمنهم وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان، ووزير التعاون الإقليمي تساحي هنغبي، ووزير الشؤون الإستراتيجية غلعاد إردان، ووزير المخابرات يسرائيل كاتس، ووزير التربية والتعليم نفتالي بينيت، ورئيس الكنيست يولي إدلشتين، ونائب وزير الدفاع للشؤون الدبلوماسية مايكل أورن، وزعيما المعارضة آفي غباي ويائير لابيد – لكنهم رفضوا جميعا التعليق.

نائبة وزير الخارجية تسيبي حاطوفيلي قالت في رد مكتوب لتايمز أوف إسرائيل: “يصر أبو مازن [عباس] على الاستمرار في طريق الأكاذيب وانكار صلة الشعب اليهودي بأرضه. عندما عاد الحشمونيون إلى مملكة إسرائيل [حوالي العام 110 قبل الميلاد] لم يكن هناك جدل حول صلة الشعب اليهودي التاريخية بأرض إسرائيل. كل حجر في القدس يشهد على علاقة عمرها ألف سنة بين الشعب اليهودي وأرضه”.

نائبة وزير الخارجية تسيبي حاطوفيلي في واشنطن، نوفمبر 2017. (Shmulik Almany/MFA)

وتابعت قائلة إن “القيادة الفلسطينية لا تعمل لمصلحة الفلسطينيين، ولكنها تفضل التعامل فقط مع إلغاء حق إسرائيل بالوجود”، مضيفة “بهذه الطريقة، سيواصلون الوقوف على الخطوط الجانبية ومشاهدة إسرائيل وهي تزدهر وتنمو، في الوقت الذي يفقدون فيه تعاطف العالم”.

ردا على سؤال من تايمز أوف إسرائيل للتعليق على المقطع من الخطاب الذي بدا فيه أن عباس يتهم اليهود و/أو الإسرائيليين بتزييف التاريخ والدين، قال مستشار رئيس السلطة الفلسطينية للشؤون الدينية، محمود الهباش، الجمعة: “ما يقصده هو شيء في ديننا. في القرآن. نحن لا نلوم اليهود كيهود. لا نعتبر أنفسنا في صراع مع اليهودية. عليكم النظر إلى الخطاب ككل. من البداية إلى النهاية. لا تحاولوا اختيار بعض التصريحات هنا والكلمات هناك، في محاولة لتشكيل شيء عن الرئيس”.

وتابع الهباش “عباس ليس معاديا للسامية. نحن عرب. نعتبر أنفسنا جزءا من الشعب السامي. لا نريد الدخول في المنطقة الدينية في الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين. هذا تماما ما قصده أبو مازن. نحن لا نحارب اليهودية. لا نحارب ضد اليهود. نحن نحارب ضد الاحتلال. هذا هو موقفنا. هذا هو موقف الرئيس عباس”.

محمود الهباش (Issam Rimawi/Flash90)

وحول سؤال عن ما قصده عباس ب”منهم” في خطابه عندما قال ” لا يوجد هناك من هو أفضل منهم في تزوير التاريخ وتزوير الدين”، قال الهباش: “المحتلون. أي احتلال استعماري يمكن أن يفعل أي شيء لإقناع شعبه، ولاقناع العالم، بأنه محق، بما في ذلك، كما ذكرت، تشويه الدين. هذا الأمر لا يقتصر على اليهود أو بعض الديانات هنا أو هناك. كل من يستخدم الدين في الصراع السياسي يمكن أن يُدرج في ما قاله أبو مازن. كل من يستخدم الدين لأغراض سيئة في صراع سياسي، كما اقتبس أبو مازن من القرآن، من ’يحرفون الكلم من موضعه’. يعني ذلك لا تحاولوا أخذ الدين إلى مناطق سيئة في صراعكم السياسي أو الشخصي مع بعضكم البعض. الدين لله”.

بعد الإلحاح عليه بشأن التفسير واسع النطاق بأن الآية القرآنية تشير إلى اليهود، أو كما يقول “بني إسرائيل”، قال الحباش: ” إن’بني إسرائيل’ ليسوا اليهود. ليس جميع اليهود جزءا من بني إسرائيل. بنو إسرائيل يعني أبناء يعقوب. ولكن هناك الكثير من اليهود الذين ليسوا جزءا من أبناء يعقوب. هناك الكثير من اليهو العرب في شبه الجزيرة العربية في عصر النبي محمد. لدي أمثلة كثيرة عن يهود ليسوا من بني إسرائيل. أنصح الجميع، يهودا وغير يهود، بعدم محاولة استخدام الدين في هذا الصراع مع الفلسطينيين”.

في خطابه قال أبو مازن “لا أريد الدخول معهم في نقاش حول الدين أو التاريخ. فهذا ليس صراعا حول روايات دينية أو تاريخية. يتمحور هذا الصراع حول المسألة السياسية. عندما تنهون احتلالكم لأرض فلسطين، سينتهي كل شيء. لن تجدونا في صراع معكم”.

الهباش قال إنه “على ثقة بان العديد من القادة الإسرائيليين سيحاولون أخذ التصريحات إلى منطقة اخرى وايجاد بعض الكلمات في الخطاب وتغيير معاني الكلمات. لا تحاولوا ذلك. نحن نقوم بالتركيز على نقطتين: إنهاء الاحتلال وحقوقنا الوطنية”.

فيما يتعلق بدعوة عباس لباقي الدول بإعادة النظر باعترافها بإسرائيل، قال الهباش: “تعرفون لماذا قال أبو مازن ذلك: لأنه لا توجد لإسرائيل حتى الآن حدود معينة. أين هي حدود إسرائيل؟ هل يمكن لنتنياهو بنفسه رسم حدود إسرائيل؟ إذا كنت أريد الإعتراف بإسرائيل، فأين الحدود التي يجب الاعتراف بها؟ هذا ما قصده أبو مازن. إذا كانت أي دولة تريد الاعتراف بإسرائيل، فحسنا، ولكن يمكنك الإعتراف بها في في حدود معروفة ومحددة. ولكن أين هي حدودها؟ هذا هو السؤال. هذا ليس بأمر جديد. ليس بأمر جديد”.