نيويورك – لقد كان لصانعي أفلام وثائقية قلائل أثر عميق على المجال مثل الأثر الذي صنعه إيرول موريس.

بعد بعض المشاريع المبكرة المنخفضة الميزانية عن موضوعات غريبة (مقبرة للحيوانات الأليفة، سكان قرية صغيرة في فلوريدا)، أصدر المخرج الأمريكي اليهودي المولود في جزيرة لونغ آيلاند “الخط الأزرق الرفيع” في عام 1988، والذي أخرج فعليا رجل مسجون بشكل خاطئ من مصير الموت.

لم يكن الأمر مجرد بروز مثير للشهرة أدى إلى تحقيق ذلك. فقد أخرج موريس فيلما جيدا ومثيرا.

باستخدام عمليات إعادة تمثيل سينمائية عالية من النوع الذي يجعل الأفلام الوثائقية “الجيدة” صعبة المشاهدة (والنتيجة الأصلية المنومة لفيليب غلاس)، كان موريس واضحا تماما أن أول شيء يتعين على صانعي الأفلام والجماهير قبوله هو أنه لا يوجد شيء اسمه حقيقة كاملة.

مع استمرار مسيرته، ابتكر أداة غريبة تدعى “الإنتيروترون”، والتي يمكن فيها للمشاركين في المقابلة النظر مباشرة إلى الشاشة ورؤية الشخص الذي يستجوبهم، ولكن أيضا يتم تصويرهم عن قرب. يجعل ذلك المشاهد حيوية ومشجعة في بعض الأحيان. (إنها تتضمن مرايا). لقد أدرج هذه التكنولوجيا لصنع سلسلة من الأفلام عن الرجال المهمين من أصحاب المشاكل.

الأول كان “السيد موت: صعود وسقوط فريد ليتشتر الابن”، وهو حول شخص غريب كان لديه مهنة ابتكر أساليب تنفيذ إعدام “إنسانية”، ثم أصبح قائدا في حركة إنكار المحرقة. ثم كان فيلم “ضباب الحرب: إحدى عشر درسا من حياة روبرت مكنامرا”، وهو غوص عميق مع حياة وزير الدفاع الأمريكي السابق. (كان الفيلم التالي له “المجهول المعروف” مع دونالد رامسفيلد رائع ومثير للقلق على حد سواء).

فاز فيلم “ضباب الحرب” عام 2003 بجائزة الأوسكار، ولكن أيضا، دون علم موريس، ولد أحدث مشروع له، “الدارما الأمريكية”، والذي ظهر هذا الأسبوع في نيويورك.

عندما عرض فيلم “ضباب الحرب” في مهرجان تيلورايد السينمائي، المصرفي الاستثماري البالغ من العمر 50 عاما، كان منخرطا بطريقة غير مباشرة في الأفلام وكان صاعقا. هذا الرجل هو ستيفن بانون، الرئيس التنفيذي للحملة الرئاسية لدونالد ترامب، وأحد كبار مستشاريه.

ألهم فيلم موريس لعام 2003، الذي يعتبره الأغلب بأنه ليبرالي تقليدي، بانون في صنع أفلام وثائقية سياسية بفلسفة صعبة يصعب فهمها بدلا من مصطلح “الشعبوي”. لم تنجح هذه الأفلام في النهاية، إلا أنها ربطته بالمبتدئ المغرور في الإنترنت بإسم “أندرو بريتبارت”، وإذا رغبتم في الاستمرار في ربط النقاط، فهذا هو الطريق الذي جلب دونالد ترامب للجلوس في المكتب البيضاوي اليوم.

حسنا، هذه قفزة كبيرة – لكن شهادة بانون في فيلم “الدارما الأمريكية” الجديد الذي يلقى قبولا غريبا توضح قضية جيدة جدا. ما هو مرعب، هو كيف يحوّل أسلوب موريس في صناعة الأفلام انتخابات عام 2016 وكأنها مزحة لها أثر مكهرب.

وكما يمكن لشهادة موريس المهنية أن تدل، فإننا نحمل تحيزاتنا الشخصية معنا في كل مكان. ليس هناك ما يدعو إلى الاختباء بأنني لست من محبي السيد ترامب، وأنا لست من المعجبين بالسيد بانون على وجه الخصوص، الذين أدى عمله في موقع Breitbart.com على تذويب الحمأة الملتهبة لأسوأ نزعات الإنترنت مع الحجج السيئة والأكاذيب الصريحة.

لا أعرف ما إذا كان بانون نفسه عنصريًا ومعادياً للسامية، لكنه بالتأكيد ليس لديه مشكلة في تحقيق أهدافه عن طريق المرور في هذه المياه الوسخة.

صورة توضيحية: زعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية مارين لوبن (يمين) يتشيد بستيف بانون بعد خطابه خلال المؤتمر السنوي للحزب اليميني المتطرف في ليل، فرنسا في 10 مارس، 2018. (AFP Photo / Philippe Huguen)

قبل الفيلم (الذي عرض في مهرجان نيويورك السينمائي، بعد ظهوره في مهرجان فينيسيا ومهرجان تورونتو)، وقفت مع بعض الزملاء في أحد الساحات المرتفعة في لينكولن. لو كنت مدخنا، كنت سأحصل على سيجارة في يدي. “آمل أن يظهر هذا الفيلم أنه مجرد أحمق”، قلت.

بطبيعة الحال، موريس لا يترك أيا منا بهذه السهولة: ستيفن بانون، يؤسفني إبلاغكم، هو رجل ذكي وماكر. يبقى السؤال ما إذا كان يعمل فقط عن طريق الغريزة أو إذا كان على علم جيد بما يفعله. (في كلتا الحالتين، النتيجة ليست جيدة).

لديه بالتأكيد أوهام العظمة. إن الفكرة المهيمنة في فيلم “الدارما الأمريكية” هي حبه للفيلم الكلاسيكي ورجل الحرب القاسي “الساعة الثانية عشر”، كيف يتماشى بانون مع فلسفة غريغوري بيك “أنجز بأي وسيلة ضرورية”. (في الفيلم، كان بيك مصمما على هزيمة النازيين. في عام 2016، كان بانون مصمما على أن يصبح ترامب الرئيس المنتخب).

هدفه، ما يخبرنا به على الأقل، هو نوع من الغوغائية المتشابهة. يكره “النظام”، ويقاتل من أجل الرجل الصغير. إنه يتحدث من مكان رؤية حزن مدرب سابق قتل ابنه في فيتنام، وهو ما شعر أنه حرب لا طائل من ورائها.

بعد بعض النجاحات المبكرة مع أندرو بريتبارت (من خلال عرض تغريدة أنتوني وينر التي كانت موجهة بشكل خاطئ من متجرهم)، أدرك أن الخطاب الخام الخارجي الذى يخرج من فم دونالد ترامب يتماشى مع الأصوات الغاضبة الموجودة فى قسم التعليقات في المقالات التي ينشرها. لذا يقرر بانون ركوب القطار.

أندرو بريتبارت، إلى اليسار، مع محرر بوريبارت جويل بولاك. (Courtesy)

يشير علماء السينما في كثير من الأحيان إلى فيلم “إختر الحرف “م” للقتل” لألفريد هيتشكوك كمثال عن كيفية تقسيم الجمهور لتحالفات. نقضي وقتنا مع شخصية راي ميلاند وهو يخطط لقتل غريس كيلي، وبينما نعلم أن هذا “خطأ” (على الأقل آمل أن نؤمن بذلك جميعًا) لا يمكن إنكار أنه من المثير مشاهدة مخططه الرئيسي يتكون.

كما يصف بانون موريس كيف أنه أخطأ في توجيه الإعلام، زاد من تعجرف ترامب، وفي لحظة واحدة مثيرة للغضب، تأكد من أن الكاميرات التلفزيونية إلتقطت هيلاري كلينتون في الوضعية نفسها مثل النساء اللاتي اتهمن زوجها بالتحرش الجنسي، فهناك جزء من العقل على الأقل الذي يُعجب أن هذه المكائد تعمل على النحو المنشود.

لكن موريس ليس لا مبالياً تماماً، كما هو الحال عندما يدعي بانون أن ترامب كتب خطاباته الخاصة. الأفضل عندما يقلب بانون الحيلة عليه، ويعترف موريس بأن ابنه لا يزال يضايقه من عدم دعم بيرني ساندرز، وأنه دفع كلينتون إلى التفكير بأنها كانت الرهان الأكثر ذكاءا. “كنت أخشى منكم “، قال في لحظة صادقة وغريبة.

في النهاية تم استبعاد بانون من البيت الأبيض وفيه ترامب بعد الأحداث التي وقعت في شارلوتسفيل، عندما انبثق قسم التعليقات في بريتابارت – وأسوأ من ذلك – عن الحياة في مسيرة “توحيد اليمين”، وتم قتل المتظاهرة المضادة هيثر هيير. نرى مقطع للقوميين البيض يصرخون “اليهود لن يحلوا محلنا!”.

يتجاهل بانون كل جانب العنصرية كعنصر صغير، ويعني ضمناً أن شخصاً ما كان عليه أن يتحمل السقوط.

مئات من العنصريين البيض واليمينيين المتطرفين في ضواحي متنزه التحرر خلال تجمع “توحيد اليمين” في شارلوتسفيل، فيرجينيا، 12 أغسطس 2017. (Chip Somodevilla / Getty Images / JTA)

يبقى السؤال، كيف يعود إلى القمة؟ يمكن القول بأن موريس قد خُدع، والإهتمام لمستوي صناعة فيلم وثائقي على يد أحد المخرجين الرئيسيين هو مجرد إضافة الأكسجين إلى توجهه المشتعل.

أنا شخصياً لا أعتقد ذلك، للسبب نفسه الذي لا أعتقد بسببه أنه يجب حظر أليكس جونز وهو مهووس آخر (ربما) يتصرف بسوء نية ومقدم برنامج إذاعي حواري تحريضي، من يوتيوب. أعتقد أنه من الأفضل بكثير إجراء فحص جيد وطويل لهؤلاء الناس، لمحاولة فهم جذور تفكيرهم. لا يمكن للمرء أن يأمل فقط في أن تختفي العناصر العنصرية والمعادية للسامية التي تدفع الكثير من غضب عبر الإنترنت.

إذا كان هناك أي شيء، فيجب أن نشكر إيرول موريس، الذي جلس من ستيفن بانون لأيام للاستماع إلى قصصه – لكي لا نضظر للقيام بذلك بأنفسنا.