نيويورك – يعتقد الكثيرون أنه لو لم يعين دونالد ترامب رئيس “بريتبارت نيوز” السابق ستيف بانون ليصبح مدير حملته في وقت متأخر من اللعبة الإنتخابية، فما كان ليصبح رئيسا. ستيف بانون يؤمن بذلك بالتأكيد.

الحكمة الشائعة هي أن تسليح الكراهية الكامنة على شبكة الإنترنت وضعت ترامب في القمة، ولكن رد الفعل جاء مع تجمع “توحيد اليمين” في تشارلوتسفيل في أغسطس 2017. بعد الهتافات النازية وقتل متظاهرة معادية لها، فُصل بانون من البيت الأبيض الذي يديره ترامب.

ماذا يفعل الرجل الذي بدأ حظر السفر ضد المسلمين منذ ذلك الحين؟ لقد قام بنقل عرضه إلى أوروبا، حيث يجتمع مع مرشحين قوميين، لتشكيل ائتلاف يسمى ببساطة “الحركة”. يدّعي هذا الإئتلاف أنه يدعم الطبقة العاملة، ولكن في جوهره نفس التوجه الترامبي لكراهية الأجانب .

المخرجة السينمائية اليهودية الأمريكية أليسون كلايمان إنضمت إلى بانون أثناء رحلاته. تشمل أفلامها السابقة صورة للفنان والمنشق الصيني إي ويمي (“إي ويمي: غير آسف”) وكشف عن صناعة الأدوية الخاصة بالصحة العقلية (“خذوا أدويتكم”). الآن، مسلحة بكاميرا ومدعومة برغبة بانون الفطرية في أن يكون دائما أمام الكاميرات، فيلمها الجديد “الحافة” (ذا برينك) والذي يبدأ العرض هذا الأسبوع هو نظرة سريعة ورائعة على عالم السياسة الدولية الغريب.

أليسون كلايمان، مخرجة فيلم “الحافة”. (Monic Wollschläger/Courtesy Magnolia Pictures)

كثيرا ما نسمع عبارة “الكواليس”. هنا نراها كما هي.

إذا كنتم من محبي بانون، فستظلون كذلك على الأرجح حتى بعد المشاهدة. الرجل بارع وذا وعي ذاتي. إنه أيضا خبيث للغاية؛ لا يمكن أبدا معرفة متى يؤمن بالسم الذي يبيعه.

شيء واحد مؤكد: إنه يكرس نفسه للهدف. فريق بانون الصغير من ثوريي السياسة لا يأخذون استراحة من اجتماعاتهم ومقابلاتهم والصور الفوتوغرافية. من خلال تأطير الفيلم حول الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة عام 2018 (عدد قليل من المرشحين ينتمون بشكل فضفاض إلى “الحركة”)، تعرض كلايمان كيف أن فوز بانون عام 2016 له بالفعل آثار غير متوقعة. الأمر لا يثير الحماس تماما بشأن مسألة معاداة السامية، سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا. (فيكتور أوربان يظهر في الفيلم).

كان من حسن حظي التحدث إلى أليسون كلايمان في نيويورك، والتاريخ المحدد لهذه المحادثة – 15 مارس 2019 – مهم. تحدثنا في اليوم الذي اندلعت فيه أنباء إطلاق النار في المساجد في كرايستشيرش، نيوزيلندا.

في ما يلي نصا معدّلا لمحادثاتنا.

لقد شاهدت فيلمك الليلة الماضية قبل الذهاب إلى النوم، وفيه إشارع واضحة مفاهدها “استعدوا لمزيد من الهجمات، خاصة في مناطق غير متوقعة من العالم”. هل فوجئت بالأخبار هذا الصباح؟

يمكنني الإشارة إلى أسطر في الفيلم تسير جنبا إلى جنب مع أيديولوجية هذا البيان. مثل تسلسل عشاء للأحزاب الأوروبية اليمينية المتطرفة، بما في ذلك ميشيل مودريكامن من “حزب الشعب” البلجيكي – الذي هو في الواقع يهودي، بالمناسبة. هناك حديث عن “معدل الولادات” لدى المسلمين. بالنظر لكمية الجهد التي يبذلها بانون حتى لا يبدو عنصريا بشكل علني – هل تجلس مثلا للحديث عن معدل ولادة الأوروبيين؟ هناك شيء ما يوصله الفيلم، كما آمل، وهو المفهوم أن الاستخدام المشفر للغة يؤدي إلى العنف.

اعتدت على الاعتقاد بأن بانون كان يبحث فقط عن ربح سريع. الآن أعتقد أنه في الحقيقة مؤمن حقيقي بشيء.

لقد شاهد العديد من المشاهدين هذا الفيلم وتوصلوا إلى النتيجة العكسية التي رأيتها. هو فقط الذي يعرف ما في قلبه. أنا أعطي أفضل صورة بزاوية 360 درجة، ولكن في النهاية، لا يهم حقا. أفعاله تشير إلى بعض المعتقدات الأيديولوجية وغيرها من الدوافع.

مع من يقضي الوقت؟ هل هو في مركز أبحاث؟ هل يطور سياسة اقتصادية؟ لا، انظر إلى ما يفعله، حرفيا الآن: الذهاب لتجمعات تتعلق ببناء الجدار.

عندما يذهب إلى أوروبا، يقول إنه يريد مساعدة الأشخاص الذين بالحصول على وظائف، لكنني أعتقد أنها خدعة جيدة لتسويق نفسه من جديد. يقضي الكثير من الوقت مع المليارديرات، ويتحدث في نفس نوع الأحداث التي ينتقد هيلاري كلينتون على حضورها.

هناك الكثير من الطائرات الخاصة في هذا الفيلم.

إن تقييد حركة الناس وليس حركة المال هو في الأساس نظرته إلى العالم. لا تنعكس القومية الاقتصادية “للرجل الصغير” في سياساته على الإطلاق. أشعر بأن تقييد الهجرة وبناء الجدار لا يفعل شيئا للمساعدة في توفير وظائف أفضل؛ يأتي التغيير في هذا الجانب من خلال التنظيم، من خلال الحد الأدنى للأجور. بانون لا يرى شيئا خاطئا في الشركات العملاقة.

ستيفن بانون في مشهد من فيلم “الحافة”. (Courtesy Magnolia Pictures)

حسنا، إذن أي شخص يتحدث إليك لمدة 15 دقيقة يرى أنك يسارية سياسيا. لماذا سمح لك بانون بعمل هذا الفيلم؟

عمليا؟ [تستهجن وتقول أنا لا أعرف]. يجب أن نسأله.

هو ومنتجتي ماري تيريز جرجس كانا يعرفان أحدهما الآخر عندما كان بانون يعمل في مجال الأفلام في ويلسبرينغ. كانت على اتصال معه، رغم أنها عبرت عن استيائها عندما انضم إلى حملة ترامب. لكنها رأت الفرصة، لأنها عرفته كمختلف عن عبقرية الشر ذات البعد الأحادي والبسيطة. أعربت عن قلقها من أن التصور ربما كان شيئا يكتسب منه، لكنها شعرت أنه غير دقيق. إنه لا يتنفس النار طوال اليوم. من المهم أن نتعرف على الناس. هذا الفيلم يعمل بشكل أفضل كتحصين.

إنه إنسان، ولديه لحظات من عدم الثقة حول الظهور على شاشات التلفزيون، حول قمصانه التي يرتديها، ووجبات الإفطار التي يأكلها. وهذا على الأرجح الجزء الأكثر إثارة للدهشة في الفيلم، عندما يتحدث عن تصميم معسكر أوشفيتز وأصوله “الإنسانية”، والذي يعتبر مشهد غريب..

نعم.

سنتطرق إلى ذلك في غضون لحظة، لأن القضية الأكبر هي: يمكن مشاهدة هذا الفيلم، وإغلاق أجزاء معينة من الدماغ، وبشكل مفاجئ ومثير للاشمئزاز – يظهر ستيف بانون كشخص محبوب.

نعم. إنها “تفاهة الشر” أو ربما “سحر الشر”؟ في غضون 30 ثانية بعد مقابلته عرفت أن هذا الفيلم الوثائقي سوف ينجح. لا يروجه الفيلم بأي شكل من الأشكال، لكن سيكون من غير العادل تأطيره كشخص غير لطيف أو مضحك بتاتا.

إنها صورة عادلة – وقد شاهد الفيلم واعترف بذلك. إنه ليس “مقطعا مركبا” على يوتيوب يشمل كل مرة قال فيها شيئا “سيئا”. وإلا فماذا ستكون الفائدة من هذا الفيلم؟

إنه من نوع الأشياء التي يصنعها هو.

بالضبط، يتباهى بأنه يصنع الدعاية ويعتقد أنها أمر جيد. أنا لا أفعل ذلك. ومع ذلك، فإن الأفلام الوثائقية لديها مؤلف. كل الخيارات هي خياراتي. كيف أظهر أنه لطيف؟ علاقاته الجيدة مع الصحافة. وهذا يؤدي إلى أسئلة مهمة. أظن أن الصحافة بحاجة إلى تغطيته – إنه شخصية تاريخية في هذه المرحلة – لكن هل “تغرق” من خلال هذا اللطف وإتاحة التواصل معه؟ أعتقد أن لهجة الفيلم تدرس ذلك.

ستيفن بانون في مشهد من فيلم “الحافة”. (Courtesy Magnolia Pictures)

حسنا إذن، المشهد الافتتاحي، الجزء الأول من الفيلم، يروي قصة ويتطرق إلى معسكر أوشفيتز النازي، ثم يؤدي هذا إلى تعجبه، يشبه الطفل تقريبا، حول الإنجاز التقني – وإنه أمر غريب.

لم أخبر الكثير من الناس أنني كنت أعمل في فيلم وثائقي يصور حياة بانون أثناء صنع الفيلم. لكنني أخبرت زميلا سألني “لماذا أنت؟” لم أفكر في الأمر كثيرا، ثم أدركت أن الامر مرتبط بنسبة 100٪ بتربيتي وتاريخ المحرقة في عائلتي. مرتبط بأجدادي، الذين كانوا ناجين من المحرقة. عندما كنت طفلة، كنت مهووسة إلى حد ما وكان لدي الكثير من الكوابيس التفصيلية حول هذا الموضوع. تدير أمي أنشطة يوم ذكرى المحرقة في كنيس بلدي. ثم كبرت وأصبت بشيء يشبه الغطاس: “ماذا لو كنت نازية؟”

محارق الجثث في معسكر الموت النازي السابق أوشفيتز الأول. كان بنائها بداية لمحارق محرقة أكبر بكثير تم بناؤها لاحقًا في بيركيناو أو أوشفيتز الثاني، في بولندا، أكتوبر 2017. (Matt Lebovic/The Times of Israel)

بدا ذلك مرعبا للغاية بالنسبة لي، أو على الأقل كأمر يتعذر تفسيره، إمكانية أن لا أكون ضحية. عندما تدرك أن الأشرار ليسوا أجانب أو روبوتات، بل هم أشخاص. كيف يمكن لهذا الأمر أن يعمل في العالم؟ وفي عامي 2016 و 2017، بدا الأمر وكأنه سؤال ضروري. لهذا السبب انتهى بي الأمر في الحصول على فيلم سينمائي منحني الوصول لستيف بانون.

لذلك في يوم من الأيام، بعد ثمانية أشهر من التصوير، إندمج في هذه القصة. “ما قلته عن أوشفيتز كان رائعا”، هكذا كان يتحدث. تحدث عن نقل أحد مشاريع أفلامه إلى أماكن مختلفة في أوروبا. هو يعرف أنني يهودية وأجدادي من الناجين من المحرقة.

لقد تابع القصة، وليس لدي أي فكرة إلى أين تتجه. هذا هو السبب في أنها الجزء الأول من الفيلم، لأنه لا يمكن التنبؤ بها. مثلا، يعتقد بعض الأشخاص أن يكون بداية لإنكار المحرقة. أو أن المحرقة “جيدة”. لكن هذا ليس إتجاه القصة. يبدو الأمر كما قلت: إنه أمر غريب.

إنه يشعر بالبهجة تجاه الهندسة، الاستراتيجية، و “فناجين القهوة في الاجتماعات”، والناس الطيبين في مكتبهم. لقد تقشعرت لأنه لم يكن يعلم أنه كان حرفيا يستعرض الأطروحة الموضوعية لفيلمي. وأنا لم أقوده لقول ذلك!

لن يقول أبدا “توقفوا! أنا معاد للسامية!” لكنني أعتقد أنه يحب الضغط على الأزرار، وأنه يتم التفكير فيه كشخص ليس له حدود. وإذا حصلت على “تحفيزك”، فهذه مشكلتك.

الأمر معقد. لديه الكثير من المانحين اليهود، وهناك أناس مثل مودريكامن في أوروبا؛ لقد حصل على هذه الحمايات. وهو أيضا موالي لإسرائيل.

هناك الكثير من الناس الذين يحبون كل شيء يتعلق بإسرائيل باستثناء اليهود.

يهود في أرضهم ذوي حدود قوية، لكنك تعلم أن الأمر يتناسب مع نظرته القومية العالمية الأكبر.

ستيفن بانون في مشهد من فيلم “الحافة”. (Courtesy Magnolia Pictures)

إذن متى كانت آخر مرة تحدثت إليه؟

الثانية صباحا عشية [الانتخابات] النصفية، عندما أخذت الميكروفون منه.

واو – وهذا كان كل شيء؟

كنا على اتصال وثيق طوال الوقت، لكنها كانت علاقة مهنية.

أنت لست في عجلة من أمرك لتسمعي منه؟ عندما يخرج هذا الفيلم ويحصل على تقييم جيد في النيويورك تايمز، هل سيرسل لك رسالة يقول فيها مبروك؟

بصراحة، أنا لا أهتم. أنا لا أنهي فيلما وأحرق كل جسر فيه لأن هذا ليس منهج عملي ولكن … نعم … لا يهمني.

يختلف عن الحصول على رسالة نصية من إي ويمي.

لقد تناولنا الإفطار مؤخرا! لذلك، نعم، علاقة مختلفة.

أي اتصالات بين الرجلين؟

من حيث عملية متابعة شخص ما يعتبر إستفزازي او محرض سوف تبدو متشابهة إلى حد ما. يعتقد بانون أنه متمرد، لكنني أجريت معه محادثات حيث قال إن دنغ شياوبينغ كان على صواب لإرسال دبابات إلى الطلاب. لذلك لا يمكن أن يكونوا من الأضداد الأيديولوجية.

هل شعرت بالحزن على بانون في ليلة الانتخابات؟

لا، ومع ذلك، كانت هناك أوقات شعرت فيها بالحزب على أشياء شخصية. الأشياء الجسدية. مثل، عندما نكون متعبين جميعا وهو لم يأكل طوال اليوم، لكنه مدمن للعمل. ولكن فقط في تلك الحالات. لم أشعر قط بالاستثمار في تحقيق أهدافه.

ما هو تأثير صنع هذا الفيلم عليك؟ أنت تعملين في مثل هذه الأماكن القريبة مع شخص تحتقريه؟ ما هي الحصيلة هناك؟ أتخيل أنها طاقم التصوير والصوت يكرهونه، أيضا؟

هيه – أنا صورت الفيلم بأكمله. وسجلت الصوت أيضا!

واو! خطيرة!

التجربة عزلتني عن العالم أحيانا. لم أكن هناك لأتحدث عن رأيي. لكن هذه هي طريقتي في الانفصال قليلا؛ أفكر دائما في اللقطة، والزاوية التقنية. “كيف الإضاءة؟” لكنه كان أشبه بسكب السم في أذنك طوال اليوم. ما يقوله عادة ما يكون غير دقيق أو مليء بالكراهية أو يسبب الغضب، وكنت آمل دائما أن يواجهه الشخص الذي يقف أمام الكاميرا.

ستيفن بانون في مشهد من فيلم “الحافة”. (Courtesy Magnolia Pictures)

يحدث هذا قليلا مع بول لويس من صحيفة “الغارديان”، والذي يواجهه باستمرار على استخدامه لمصطلح “أنصار العولمة” المعاد للسامية، وبعد ذلك، في نهاية الفيلم، تتحديته أنت أيضا.

في الحقيقة، كان هناك العديد من المرات التي تحديته فيهها، لكن عند تحرير الفيلم، قررت أن أتوقف عن ذلك. الأمر أكثر جاذبية للمشاهدة، وليس للتفاعل بصوت خلف الكاميرا.

لكنك تفكر كثيرا، كما هو الحال مع نوايا هذه الكلمة. القراءة الأكثر سخاء هي أنه مجرد متنمر وحقير. لكنني أعتقد أن هذا يتركه خارج الخطاف. بعد إطلاق النار في كنيس بيتسبيرغ، هذا كان الوقت الذي قلت فيه أخيرا، “كفى”.

كان لدينا لحظة خاصة على إنفراد. يقول دائما “القومية الاقتصادية الوطنية لا تهتم بعرقك أو جنسك أو ميلك الجنسي”. سترى ذلك في الفيلم. وذات مرة ألقى “الهوية الجندرية”. ةحينها تدخلت وقلت، “لا أعتقد أن أي شخص في حركتك يناضل من أجل حقوق المتحولين جنسيا”، واعترف، نعم، حسنا هذا مدى بعيد جدا.

هو يعرف. هو يعلم تماما.