ندتت منظمة التحرير الفلسطينية يوم الأحد بمشاركة مسؤولين أمريكيين كبار في مراسم افتتاح طريق أثري للحجاج اليهود تم التنقيب عنه في حي سلوان في القدس الشرقية معتبرة أنها مشاركة في “جريمة حرب” وقال إن إدارة ترامب تعمل على تأجيج الصراع.

وانضم السفير الأمريكي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان وشخصيات إسرائيلية وأمريكية بارزة أخرى في مراسم تحطيم رمزي لجدار يؤدي إلى “طريق الحج”، وهو درج تحت الأرض يُقال أنه استخدم في الماضي كممر رئيسي للحجاج اليهود للوصول إلى جبل الهيكل قبل آلاف السنين.

على مدى السنوات الثمانية الماضية شارك علماء آثار في أعمال تنقيب أجريت في موقع “مدينة داوود” الواقع في حي سلوان الفلسطيني. ويوجد في المنطقة عدة جيوب يهودية صغيرة.

ونددت منظمة التحرير الفلسطينية ببناء النفق وهاجمت الولايات المتحدة على مشاركة مبعوثيها في الحدث.

وجاء في بيان صادر عنها “نعتبر مشاركة (المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط) جيسون غرينبلات وديفيد فريدمان بمثابة تواطؤ جنائي في ارتكاب جريمة حرب يجب إدانتها ومواجهتها عالميا وبشكل لا لبس فيه”.

السفير الأمريكي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان (يسار) ومبعوث البيت الأبيض للشرق الأوسط جيسون غرينبلات يحطمان الجدار المتبقي الأخير أمام ’طريق الحج’، في مراسم أقيمت في حي سلوان بالقدس الشرقية، 30 يونيو، 2019. (Facebook/Screen capture)

وأضافت منظمة التحرير الفلسطينية في بيانها إن “الإدارة الأمريكية تعاونت مع منظمات مستوطنين متطرفة لإثارة التوترات الدينية وتأجيج نيران الصراع. معا، يشكلون تهديدا على السلام والأمن الدوليين”.

ويُعتبر الحرم القدسي (جبل الهيكل بحسب التسمية اليهودية) أكبر بؤر الصراع في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني في السنوات الأخيرة.

في وقت سابق، كتب كبير المفاوضين الفلسطينيين، صائب عريقات، في تغريدة نشرها على حسابه في “تويتر” أن فريدمان قبل أن يصبح سفيرا كان من المتبرعين للحركة الاستيطانية، وأنه هو بنفسه “مستوطن إسرائيلي متطرف”.

وأثار الحفل غضب السلطة الفلسطينية وعدد من المنظمات الغير حكومية الإسرائيلية، التي قالت إن افتتاح الموقع يزيد من ترسيخ الوجود الإسرائيلي في الأجزاء الشرقية من المدينة التي يأمل الفلسطينيون بأن تكون يوما ما عاصمة لدولتهم المنشودة.

وفي حين أن ترامب قال إن القرار الذي اتخذه في أواخر 2017 بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل لا علاقة له بحدود المدينة، التي سيتم تحديدها في اتفاق سلام نهائي، إلا أن مراسم يوم الأحد يبدو أنها تشير إلى اعتراف أمريكي من نوع ما بالسيادة الإسرائيلية في القدس الشرقية.

وقال فريدمان قبل قيامه بتحطيم الجدار بمطرقة: “إذا كان هناك أي شك حول دقة وحكمة وصراحة الرئيس [الأمريكي دونالد] ترامب في الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، فأنا أعتقد أن هذا يضع حدا لجميع الشكوك”.

وأضاف فريدمان أمام حشد ضم حوالي 100 شخص، من ضمنهم سارة نتنياهو؛ سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة رون ديرمر؛ رئيس بلدية القدس السابق وعضو الكنيست الحالي عن حزب “الليكود” نير بركات؛ السناتورالأمريكي  الجمهوري ليندسي غراهام؛ المليادرير الأمريكي شيلدون أدلسون وزوجته ميريام، والسفراء الأمريكيون لدى البرتغال وفرنسا والدنمارك، “يؤكد ذلك بالأدلة وبالعلم وبدراسات علم الآثار ما كان يعرفه العديدون منا من قبل، وبالتأكيد في قلوبنا: مركزية مدينة القدس للشعب اليهودي”.

وأوضح فريدمان أن قراره حضور الاحتفال بصفته سفيرا للولايات المتحدة ينبع من الأهمية البالغة التي تتسم بها مدينة القدس بالنسبة للتاريخ الأمريكي، وقال إن “الأسس الروحية لمجتمعنا، حجر الأساس لمبادئنا التي نحترم فيها كرامة كل حياة إنسانية جاءت من القدس”، مضيفا أن “هذا المكان هو تراث الولايات المتحدة بقدر ما هو تراث إسرائيل”.

السفير الأمريكي لدى إسرائيل، ديفيد فريدمان (يسار)، يلقي كلمة خلال افتتاح طريق أثري في موقع “مدينة داوود” الأثري والسياحي في حي سلوان بالقدس الشرقية، 30 يونيو، 2019. (Tsafrir Abayov/AFP)

متحدثا بعد فريدمان، قال بركات – وسط تصفيق الحضور – إن الاكتشاف الأثري الحديث سوف [يتيح] للعالم كما نأمل بأن يفهم لماذا لن نقوم أبدا بتقسيم مدينة القدس”.

وتظاهر عشرات النشطاء من منظمة “سلام الآن” المناهضة للمستوطنات خارج موقع الحدث في القدس الشرقية. وقالت المنظمة إن الأعمال في الموقع الأثري “تسببت بإخلاء منازل فلسطينية في الحي وزادت من التوتر بين السكان الفلسطينيين والمستوطنين اليهود، الذين يعملون بشكل مكثف أكثر من أي وقت مضى في السنوات الأخيرة لتهويد الحي، في إطار الجهود لإفساد حل الدولتين”.

وأظهرت صور من تظاهرة “سلام الآن” تعرض أحد الناشطين للاعتقال من قبل الشرطة.

ودانت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية “المخططات الاستعمارية” والحضور الأميركي للحدث.

وقالت الوزارة في بيان الاحد “ندين بأشد العبارات المخططات الاستعمارية التهويدية الهادفة إلى استبدال الواقع القائم في القدس المحتلة ومحيط بلدتها القديمة”.

عضو الكنيست عن حزب ’الليكود’ نير بركات (يسار) وشيلدون أديلسون يحطمان الجدار المتبقي الأخير أمام ’طريق الحج’، في مراسم أقيمت في حي سلوان بالقدس الشرقية، 30 يونيو، 2019. (Facebook/Screen capture)

وأضاف البيان، “نعتبر الحضور الأميركي (…) نشاطا عدائيا ضد الفلسطينيين وانصهارا فاضحا في مخططات اليمين الحاكم في إسرائيل (…) واستكمالا للقرارات المنحازة لدولة الاحتلال”.

ورفض غرينبلات الاتهام بأن حضوره للحفل يمثل اعترافا آخر بالسيادة الإسرائيلية على القدس الشرقية، وقال عبر حسابه على موقع تويتر “تدعي السلطة الفلسطينية أن حضورنا لهذا الحدث التاريخي يدعم تهويد القدس، ويشكل عملا عدائيا ضد الفلسطينيين”.

وأضاف المبعوث الأميركي: “لا يمكننا تهويد ما يظهره التاريخ وعلم الآثار، يمكننا التعرف عليه ويمكنكم التوقف عن التظاهر بأنه غير صحيح، لا يمكن بناء السلام إلا على الحقيقة”.

ويعود تاريح “طريق الحج”، الذي يمتد من “بركة سلوان” صعودا إلى الحرم القدسي، إلى ما قبل 30-31 م، خلال عصر الحاكم الروماني سيء السمعة بيلاطس البنطي. وكانت هذه هي الفترة التي حُكم فيها على السيد المسيح بالإعدام، بحسب ما قاله عالم الآثار في مدينة داوود، ناحشون زانتون، في جولة عبر الفيديو في الموقع في عام 2017.

وكتب نائب رئيس مؤسسة “مدينة داوود”، دورون سبيلمان، في مقال رأي نشره تايمز أوف إسرائيل الأحد، “على عكس معظم الحفريات الأثرية التي بدأت من الأرض إلى الأسفل، فإن عمليات التنقيب هنا تمت تحت الأرض. تم استخدام عشرات كاميرات كوابل الألياف الضوئية لفك رموز أماكن التنقيب، في حين مهدت خرائط ورسوم بيانية وضعها علماء آثار على مدار القرن ونصف القرن الماضيين الطريق للمضي قدما”.

إلا أن منظمة “عيمق شبيه” الإسرائيلية غير الحكومية والتي تعنى بالحفاظ على المواقع الأثرية كممتلكات عامة لكل المجتمعات والشعوب، لا تتفق مع نتائج مؤسسة “مدينة داوود”، وتقول إنه على الرغم من أنه يتم عرض الطريق على أنه جزء من “طريق الحج”، فإن “أسلوب الحفر الأفقي وشح النشر العلمي، لا يتيح لنا التأكد من الفترة التي بُني فيها الشارع وكيف تم دمجه في المخطط الحضري لمدينة القدس”.

خريطة ’مدينة داوود’ التي تظهر ’طريق الحج’، الذي يُعتقد بأنه كان طريقا مؤديا إلى الهيكل اليهودي القديم في القدس. (Facebook/Screen capture)

ساهم في هذا التقرير أماندا بورشيل دان وميخائيل باخنر ووكالة فرانس برس.