قال كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات يوم الثلاثاء إنه قدما بلاغا للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي حول ما وصفه ب”جرائم حرب إسرائيلية” في قرية بدوية من المزمع هدمها يوم الأربعاء.

ويأتي الإعلان بعد يوم واحد من قيام مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتحذير المحكمة من ملاحقة مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين قضائيا بسبب جرائم حرب مزعومة في الشرق الأوسط.

وقال عريقات في مؤتمر صحفي عُقد في رام الله: “ندعو المحكمة الجنائية الدولية إلى الإسراع في فتح تحقيق في جرائم إسرائيل”.

ويشمل الملف الذي تم تقديمه “تركيزا على جرائم الحرب التي تواجه الخان الأحمر، وبالتحديد جرائم التهجير القصري وتدمير ممتلكات مدنية”.

في مقطع فيديو نشره على الصفحة الرسمية لمنظمة التحرير الفلسطينية على “تويتر”، قال عريقات إنه يريد من المحكمة الدولية التحقيق في الوضع في قرية الخان الأحمر البدوية الواقعة في الضفة الغربية ودعا ممثلي الإدعاء إلى لقاء مجلس القرية.

ومهد حكم أصدرته محكمة العدل العليا في الأسبوع الماضي الطريق أمام هدم الخان الأحمر، بعد أن رفضت التماسا أخيرا في القضية التي اثارت انتقادات دولية.

ولقد مورست ضغوط دولية قوية على إسرائيل لإلغاء خطتها في هدم القرية، التي تقول السلطات الإسرائيلية إنها بُنيت بصورة غير قانونية. القرية الواقعة شرقي القدس قريبة من العديد من المستوطنات الرئيسية الكبرى ومتاخمة لطريق سريع يؤدي إلى البحر الميت.

وتقول الدولة إن المباني، التي بمعظمها أكواخ مؤقتة وخيام، تم بناؤها من دون الحصول على تصاريح البناء اللازمة وتشكل تهديدا على سكان القرية بسبب قربها من طريق سريع.

متظاهرون يلوحون بالأعلام الفلسطينية اثناء مظاهرة ضد هدم قرية الخان الأحمر البدوية في الضفة الغربية في 4 يوليو 2018 (AFP Photo/Abbas Momani)

لكن سكان القرية – الذين يعيشون في المكان، الذي كان تحت السيطرة الأردنية حينذاك، منذ سنوات الخمسينيات، بعد أن قامت الدولة بإخلائهم من منازلهم في النقب – لا يمكلون بديلا آخر سوى البناء من دون تصاريح بناء إسرائيلية التي لا يتم تقريبا إصدارها للفلسطينيين لبناء مبان في أجزاء من الضفة الغربية، مثل الخان الأحمر، حيث لإسرائيل سيادة كاملة على الشؤون المدنية.

وقال عريقات أيضا إنه لا يعتقد بأن إدارة ترامب قادرة على لعب أي دور في مفاوضات السلام لأنها “جزء من المشكلة وليست جزءا من الحل”.

صائب عريقات يتحدث مع الصحافيين في مدينة رام الله في الضفة الغربية، 1 سبتمبر، 2018. (AFP/Ahmad Gharabli)

واختتم كبير المفاوضين الفلسطينيين حديثه بالقول إن الطريقة الوحيدة التي يمكن فيها لمستشار ترامب، جاريد كوشنر، ومبعوث الشرق الأوسط، جيسون غرينبلات، والسفير الأمريكي لدى إسرائيل، ديفيد فريدمان – ثلاثتهم يهود – أن يكونوا جزءا من أي اتفاق سلام هي إذا أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن ضمهم إلى فريق التفاوض الإسرائيلي.

يوم الإثنين، وصف مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض جون بولتون المحكمة الجنائية الدولية التي تتخذ من لاهاي مقرا لها “غير خاضعة للمساءلة” و”خطيرة” على الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاء آخرين، وقال إن أي تحقيق ضد جنود أمريكيين سيكون “لا أساس له من الصحة وغير مبرر”.

في الخطاب نفسه، أكد بولتون أن الولايات المتحدة ستقوم بإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في العاصمة واشنطن.

مستشار الأمن القومي الأمريكي، جون بولتون، يتحدث أمام ’الجمعية الفدرالية’ في واشنطن، 10 سبتمبر، 2018. (AFP PHOTO / ANDREW CABALLERO-REYNOLDS)

في تصريحاته امام مؤسسة “الجمعية الفدرالية” المحافظة في واشنطن، قال بولتون: “إن قامت المحكمة بملاحقتنا أو ملاحقة إسرائيل أو حلفاء آخرين لأمريكا، لن نجلس مكتوفي الأيدي… سوف تستخدم الولايات المتحدة تستخدم جميع الأساليب الضرورية لحماية مواطنينا ومواطني حلفائنا من الملاحقة غير العادلة من قبل هذه المحكمة غير الشرعية”.

واشار بولتون الى طلب مدعية المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2017 لفتح تحقيق في جرائم حرب مفترضة ارتكبها جنود ومسؤولي مخابرات امريكيين في افغانستان، خاصة حول اساءة معاملة معتقلين. ولم تقدم افغانستان او اي حكومة اخرى موقعة على معاهدة روما للمحكمة الدولية طلبا للفتح التحقيق، كما قال بولتون.

وأضاف أنه يمكن للمحكمة الجنائية الدولية فتح التحقيق “بأي يوم الان”.

واشار ايضا الى خطوة قام بها قادة فلسطينيون مؤخرا لملاحقة مسؤولين اسرائيليين في المحكمة بتهمة انتهاك حقوق الانسان.

في حين أنه “من الناحية النظرية، تحاسب المحكمة الجنائية الدولية مرتكبي أبشع الفظائع على جرائمهم، وتوفر العدل للضحايا وتردع الانتهاكات المستقبلية”، كما قال، إلا أنها “عمليا… غير فعالة، غير خاضعة للمساءلة، وفي الحقيقة خطيرة”.

وأضاف: “لجميع المقاصد والأغراض، المحكمة الجنائية الدولية ميتة بالنسبة لنا”.

واضاف بولتون انه “بينما ترحب المحكمة بعضوية ما يسمى بدولة فلسطين، فلقد قامت بتهديد اسرائيل، دولة ليبرالية وديمقراطية، بالتحقيق في افعالها في الضفة الغربية وغزة لحماية مواطنيها من الهجمات الارهابية”.

واشار الى الاقتراحات الاخيرة “بتحقيق المحكمة الجنائية الدولية في بناء اسرائيل لمشاريع اسكان في الضفة الغربية”، وقال ان “الولايات المتحدة سوف تقف دائما مع صديقتنا وحليفتنا اسرائيل”.

وقال: “لقد انتقدت إسرائيل هي أيضا المحكمة الجنائية الدولية بحدة”.

في الشهر الماضي قدمت إسرائيل احتجاجا رسميا للمحكمة الجنائية الدولية لإطلاقها حملة للتواصل مع “ضحايا الاوضاع في فلسطين”، وهي خطوة استثنائية يدّعي مسؤولون في القدس انها تلقي بشكوك على قدرة المحكمة في معاملة الدولة اليهودية بشكل منصف.

مقر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، هولندا، 12 يناير، 2016. (AP Photo/Mike Corder)

وقال بولتون ان قرار وزارة الخارجية الامريكية إغلاق مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن يعكس “مخاوف الكونغرس من محاولات الفلسطينيين دفع المحكمة الجنائية الدولية إلى فتح تحقيق ضد اسرائيل”.

وقال: “ادارة ترامب لن تبقي المكاتب مفتوحة عندما يرفض الفلسطينيون اتخاذ خطوات لبدء مفاوضات مباشرة وحقيقية مع اسرائيل”.

وأضاف أن “الولايات المتحدة تدعم عملية سلام مباشرة وقوية، ولن نسمح للمحكمة الجنائية الدولية او اي منظمة اخرى تقييد حق اسرائيل بالدفاع عن نفسها”.

في عام 2015 أصدر الكونغرس تفويضا بإغلاق بعثة منظمة التحرير الفلسطينية في حال بادر الفلسطينيون إلى تحقيق من قبل المحكمة ضد اسرائيليين أو دعموا تحقيقا كهذا.

وهدد بولتون أيضا باعتقال وملاحقة القضاة ومسؤولين اخرين من المحكمة الجنائية الدولية في حال محاولتها ادانة اي امريكي خدم في افغانستان بجرائم حرب.

وقال: “سوف نمنع قضاها ومدعيها من دخول الولايات المتحدة. سوف نفرض عقوبات على اموالهم في النظام المالي الامريكي، وسوف نلاحقهم في النظام الجنائي الامريكي”، وأضاف “وسوف نقوم بالمثل لأي شركة او دولة تساعد في تحقيق المحكمة الجنائية الدولية ضد امريكيين”.

ولدى المحكمة الجنائية الدولية، التي مقرها في لاهاي، تفويض لملاحقة جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية والابادة الجماعية.

ووقع الرئيس بيل كلينتون على نظام روما الأساسي الذي أعلن تأسيس المحكمة، ولكن خليفته، جورج دبليو بوش، سحب التوقيع، مشيرا الى مخاوف من أن يتم ملاحقة الأمريكيين بشكل غير عادل لأسباب سياسية.

وتضاف ادانة المحكمة الجنائية الدولية الى رفض البيت الابيض الى العديد من المؤسسات والمعاهدات الدولية التي لا يعتقد الرئيس انها تفيد الولايات المتحدة.

وأدان بولتون ايضا سجل المحكمة منذ قيامها رسميا عام 2002، وادعى ان معظم الدول الكبرى لم تنضم إليها.

وقال انها حققت ثمان ادانات فقط بالرغم من انفاق اكثر من 1.5 مليار دولار، وقال انها لم توقف الفظائع في انحاء العالم.

وأضاف: “في الحقيقة، بالرغم من تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية الجارية، يستمر وقوع الفظائع في جمهورية الكونغو الديمقراطية، السودان، ليبيا، سوريا ودول عديدة اخرى”.

إلا أن قال بولتون ان اعتراض ادارة ترامب الرئيسي هو على فكرة ان يكون للمحكمة الجنائية الدولية صلاحية اعلى من الدستور الامريكي والسيادة الامريكية.

وقال “من ناحية علمانية، لا نعترف بصلاحية اعلى من الدستور الامريكي”.

وأضاف “لن يسمح الرئيس بملاحقة اي مواطن امريكي من قبل بيروقراطيين اجانب، ولن يسمح لدول اخرى املاء اساليب دفاعنا عن أنفسنا”.

وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في وقت سابق عن أنها أوعزت بإغلاق بعثة منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، بدعوى ان الفلسطينيين لا يدعمون مفاوضات السلام مع اسرائيل.

أشخاص يقفون خارج مكتي منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن العاصمة، 10 سبتمبر، 2018.(AFP PHOTO / Andrew CABALLERO-REYNOLDS)

وقالت الناطقة باسم وزارة الخارجية هيذر نويرت “لقد سمحنا لمكاتب منظمة التحرير الفلسطينية لإجراء عمليات تدعم هدف تحقيق سلام دائم وشمال بين الإسرائيليين والفلسطينيين منذ انتهاء صلاحية قرار قرار سابق للامتناع عن (إغلاق مكتب المنظمة) في نوفمبر 2017″.

المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية هيذر نويرت تتحدث مع الصحافيين خلال مؤتمر صحفي في العاصمة الأمريكية في 8 يونيو، 2017. (screen capture)

وأضافت: “ولكن منظمة التحرير الفلسطينية لم تتخذ خطوات لدفع بدء مفاوضات مباشرة وحقيقية مع اسرائيل… على العكس، أدانت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية خطة السلام الامريكية التي لم تتطلع عليها بعد ورفضت التعامل مع الحكومة الامريكية بخصوص مبادرات السلام وغير ذلك. ولهذا، وفيما يعكس مخاوف الكونغرس، قررت الادارة انه سيتم اغلاق مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن في الوقت الحالي”.

ورحبت اسرائيل بالخطوة، وقال مكتب رئيس الوزراء ان “الالتماس الفلسطيني الى المحكمة الجنائية الدولية ورفضهم المفاوضات مع اسرائيل والولايات المتحدة ليست الطريقة لتحقيق السلام، ومن الجيد ان تتخذ الولايات المتحدة موقفا واضحا حول المسألة”.

ووصف أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات الخطوة ب”هجمة تصعيدية مدروسة ستكون لها عواقب سياسية وخيمة في تخريب النظام الدولي برمّته من أجل حماية منظومة الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه”.

وكرر دعوته أيضا إلى المحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق ضد إسرائيل وتعهد بأن الفلسطينيين لن يستسلموا ل”التهديدات والبلطجة الأمريكية”.

وتقاطع السلطة الفلسطينية إدارة ترامب وترفض جهودها للسلام منذ اعتراف الرئيس الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل في ديسمبر من العام الماضي. ويعتبر الفلسطينيون القدس الشرقية – التي استولت عليها إسرائيل من الأردن في حرب “الأيام الستة” في عام 1967 وضمتها إليها في وقت لاحق – عاصمة لدولتهم المستقبلية.

في شهر مايو، قال متحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي إن البيت الأبيض يدرس إغلاق بعثة منظمة التحرير الفلسطينية بعد أن تقدم وزير الخارجية الفلسطيني ب”إحالة” للمحكمة الجنائية الدولية تدعو إلى التحقيق في سياسة الاستيطان الإسرائيلية في الضفة الغربية والمواجهات العنيفة على حدود غزة.