أصبحت إسرائيل مرتاحة، إن لم تكن متيمة، مع سياسة الغموض خاصتها. ليست السياسة التي إرتجلها شمعون بيرس خلال لقائه عام 1963 مع الرئيس الأمريكي جون ف.كنيدي، والذي قال خلاله أن “إسرائيل لن تكون الأولى التي ستدخل الأسلحة النووية إلى الشرق الأوسط”، ولكن الغموض المحيط بعمليات المخابرات السرية وقواتها الجوية.

في رد على الإتهامات بأن إسرائيل قامت بقصف قافلة ومستودع أسلحة داخل سوريا يوم الأحد، قالت كل الأطراف في إسرائيل مبتسمة “نحن لا نعلق على تقارير أجنبية”.

بالنسبة للمؤسسة الدفاعية، هناك الكثير من الإيجابيات لهذه السياسة. بدأ أعداء إسرائيل، على الأقل أولئك الذين يميلون قليلا نحو جنون العظمة، بالشعور بأن كل قنبلة تنفجر في الشرق الأوسط يتم زرعها من قبل الذراع الطويلة للموساد. التفكير هو: إذا كان الخوف مسيطر عليهم، فستقل قدرتهم ورغبتهم وتركيزهم على الإرهاب.

وفي شرق أوسط يركز كثيرا على موضوع الكرامة، يترك ذلك أيضا مساحة للإنكار، مما يغني عما يفترض أت تكون ضرورة الرد.

كان هذا هو الحال، على سبيل المثال، في سبتمبر 2007 عندما زُعم إن إسرائيل قامت بقصف مفاعل البلوتونيوم النووي في سوريا في دير الزور، وفي 2008، عند اغتيال القادئد العكسري لحزب الله، عماد مغنية، في وسط العاصمة دمشق.

يبدو أن الجمهور والسياسيين في إسرائيل يستمتعون غالبا بهذه اللعبة الغامضة. في مايو 2002، خلال برنامج إخباري في الساعة الخامسة مساءا، قطع المذيع مقابلة مع وزير الخارجية شمعون بيرس ليعلن مقتل جهاد جبريل، نجل زعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أحمد جبريل، في انفجار في لبنان. الله اعلم، هناك الكثير من الأشخاص الذين لديهم مصلحة في قتل جبريل. ولكن عندما توجه المضيف لبيرس للحصول على تعليق منه، سائلا إياه حول ما إذا كانت لإسرائيل دور في ذلك، ابتسم بيرس بحياء وقال بصوته العميق، “باروخ ديان هئيميت” – الكلمات التقليدية للتعزية بالعبرية، ومعناها “الحمد لله قاضي الحقيقة”.

معظم الأشخاص شاركوه فرحته.

ولكن في سوريا اليوم، على الأقل من وجهة نظر سورية، يبدو أن صلاحية سياسة الغموض هذه قد انتهت. حيث نقلت وكالة “سانا”، وكالة الأنباء التي يسيطر عليها الرئيس بشار الأسد سيطرة تامة، نبأ القصف يوم الأحد ووجهت أصبح الإتهام مباشرة نحو إسرائيل. وهذا ما قامت به الوسائل الإعلامية التابعة لحزب الله أيضا.

هل يجب وضع حد لهذه السياسة في إسرائيل أيضا؟ قصف طائرات مقاتلة للبنان أو سوريا أو السودان هو نشاط حربي كلاسيكي – وليس اغتيالات سرية – والسؤال هو ما إذا كان الجمهور الإسرائيلي، وبالتأكيد وسط حملة انتخابية، يجب أن يعرف سبب شن هذه الهجمات بالضبط.

تجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أنه تم نزع الأسلحة الكيميائية من النظام السوري في العام الماضي. وهناك سبب وجيه للإعتقاد بأن الأسد كان قادرا على الاحتفاظ ببعض أسلحته الإستراتيجية – أسلحة سيكون بحاجة إليها بكل تأكيد إذا أجبر في نهاية المطاف على ترك دمشق إلى الجيوب العلوية. إذا كان سيقوم بتحويل بعض هذه الأسلحة إلى حزب الله، سواء لوضعها في مكان آمن أو مقابل الدور الحاسم الذي تلعبة المنظمة الشيعية في تأمين صموده في السلطة، فمعظم الإسرائيليين سيأيدون ضربة جوية بكل تأكيد، مهما كان الثمن، بدلا من رؤية المنظمة التي قدمت للعالم مهزلة التفجيرات الإنتحارية تتسلح بأسلحة دمار شامل.

ولكن هل ينطبق ذلك أيضا على “فاتح-110″؟ في مايو 2013، كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” أنه في وقت سابق من الشهر قامت إسرائيل بضرب شحنة صواريخ أرض-أرض إيرانية الصنع من طراز “فاتح-110” بالقرب من مطار دمشق الدولي. هذه الصواريخ تحمل رؤوسا حربية ثقيلة، ويصل مداها إلى مسافة 300 كيلومتر وأكثر دقة من معظم أسلحة حزب الله. إنها تمثل تهديدا حقيقيا على إسرائيل. ولكن حزب الله يمتلك أصلا ترسانة صواريخ من طراز “فاتح-110″، وإن كانت أقل تطورا ربما، وخلال حرب لبنان الثانية، تمكن الجيش الإسرائيلي من القضاء على معظم صواريخ حزب الله المتطورة في الليلة الأولى من القتال. هل يجب توضيح الصورة كاملة للإسرائيليين؟ كيف كانوا سيشعرون لو تم تقديم المعلومات لهم بشكل كامل؟

وماذا بشأن صواريخ أرض-بحر؟ هل السفن الإسرائيلية غير قادرة على الدفاع من هذه الصواريخ؟ إذا دفعت غارة جوية إسرائيلية الأسد إلى إطلاق عشرات الصواريخ من طراز “سكود-دي” على وسط مدينة تل أبيب – بإمكانه أن يقول أنها استهدفت المقر الرئيس للجيش الإسرائيلي وسط المدينة – هل سيستمر الجمهور باعتبار ذلك جديرا بالمخاطرة؟

أو ماذا بشأن “SA-17” – صواريخ أرض-جو متطورة لدى إسرائيل على الأرجح القدرة على إحباطها، ولكن مع خطورة وصعوبة أكبر لسلاح الجو؟

في شهر مارس، عند سعيهما إلى الدفع بقضيتهما ضد النظام في إيران، كشف الجيش والحكومة الإسرائيليين عن معلومات كثيرة حل سفينة الأسلحة “كلوس-سي”. ولم يتم عرض الكنز، الذي تم الإستيلاء عليه قبالة سواحل السودان، على العالم ليراه في ميناء إيلات فحسب – سافر رئيس الوزراء بنفسه إلى هناك لترؤس الحفل – بل أن الجيش قدم للصحفيين نظرة تفصيلية نادرة على مسار السفينة المتناقض، من إيران إلى العراق ومن ثم السودان، والطريقة التي حاولت فيها إخفاء الشحنة الحقيقة التي ضمت صواريخ وقذائف وذخيرة.

بالتأكيد أن هناك أوقاتا تتطلب فيها حماية مصدر إستخباراتي هام حجب معلومات معينة. ولا يتم الإدعاء بأي حال من الأحوال أن الدوافع التي تقف وراء الغارات في سوريا ولبنان هي دوافع سياسية – حيث أن كاتب هذه المقالة لا يعتقد أن هذه هي الحالة هنا. ولكن مع عدم وجود نهاية للحرب السورية في الأفق، ومع شرق أوسط ضعيف أكثر من أي وقت مضى وتوجه الإسرائيليين لصناديق الإقتراع لإنتخاب قيادة سياسية جديدة، قد يكون الوقت قد حان للجمهور بالكف عن التمتع بتوهج سياسة الغموض والبدء بطرح بعض الأسئلة.