موسكو– لا توجد في شوارع موسكو يافطات عملاقة تعرض صورا لبوتين الأصلع وصاحب النظرة الباردة. لا توجد تماثيل ضخمة، تنتظر اليوم التي يتم إسقاطها فيه. ولا توجد صور جدارية تغطي جوانب المباني كاملة. في عام 2014، الرئيس ليس بحاجة لتعزيز عبادة الشخصية بأسلوب بشار الأسد وصدام حسين، إو إذا تجرأ أحد على أن يقول جوزيف ساتلين.

أنه في جميع أنحاء شبكة الإنترنت والجرائد والتلفزيون- ساحر بطول 1.78 م يدير أكبر دولة في العالم، على ما يبدو بمفرده، يتحدى قوة عظمى متراجعة ويضحك كل الطريق إلى إحياء الإمبراطورية الروسية.

في الساحة الحمراء، عند بوابة القيامة، يقف فنانو شارع مقلدون لشخصيتي لينين وستالين لساعات مع السياح المحليين (هناك القليل من السياح الأجانب هناك)، ويحصلان على على رسوم رمزية، شكرا جزيلا، مقابل كل صورة.

شخص يشبه بوتين يحمل حقيبة على ظهرة يظهر بين الحين والآخر- يصافح الأيدي بخفة، ويبدو مشغولا- ولكن يختفي من جديد بعد ذلك. حتى للأشخاص الذين يقلدون بوتين، كما يبدو، لا يوجد وقت للعبث.

حاخام حاباد الأكبر
الزعيم اليهودي الاقرب لبوتين هو بيريل لازار من حاباد، وهو واحد من الحاخامين الأكبرين لروسيا، ولد في ميلانو، مبعوث  متجه الغاية لنيويورك، والذي أتى إلى هنا أول مرة في أواخر الثمانينات في عدة رحلات لتعليم اليهودية للأشخاص الذين رفض منحهم تصريح بالهجرة إلى خارج الاتحاد السوفييتي، وتم تعيينه بعد ذلك من قبل حاخام لوبوفيتش، الحاخام مناحم مندل شنيرسون، للمساعدة في إحياء وتعزيز الطائفة اليهودية في الوقت الذي كان فيه الإتحاد السوفييتي يلفظ أنفاسه الأخيرة.

هو أب ل-12 طفل ويبلغ من العمر 49 عاما، ومع لحيته الشائبة والدفئ المعروف لحاباد- فقد دعاني على الفور إلى عشاء السبت عند لقائنا- يعمل لازار من مكتبه في الطابق السادس لمبنى مركز الطائفة اليهودية في موسكو الذي يضم كنيس منطقة “ماريينا روسخا” المزدهر.

يتذكر لازار أنه عند وصوله إلى هنا كان هناك أشخاص يقودون سرا العودة إلى اليهودية. عند حلول عام 1989 منح ميخائيل غورباتشوف “تصريحا غير رسمي لبناء مدرسة ومعهد ديني.” وعند انهيار الإتحاد السوفييتي في عام 1991، فمعظم من كانت تهمهم اليهودية تركوا البلاد. “أصبح المكان شبه خال. السفارة الإسرائيلية كانت متأكدة من أنه لن يبقى أي يهودي،” يقول لازار. “ضحكوا منا عندما حاولنا ترميم المعابد اليهودية. كان ذلك مثل الوقوف على حزام ناقل: تأتي إلى الكنيس، تتعلم اليهودية وتذهب إلى إسرائيل. لم يؤمن أحد بوجود مستقبل هنا.”

إذا، من ناحية رسمية، جاءت عائلة لازار لسنة واحدة. “ولكن الحاخام طلب منا البقاء، للاستثمار في التعليم وفي الطائفة اليهودية. منذ عام 1994 حتى 1996 كان المكان خاليا. وتم إحراق الكنيس القديم”- ألقيت قنبلة حارقة على أيدي مجهولين في عام 1993. “كان لدينا فقط ’مينيان’ [نصاب ١٠ اشخاص للصلاة] مرة في الأسبوع، يوم السبت. أحيانا كنا نضطر للوقوف في الشارع للعثور على يهودي من إجل اتمام ’المينيان’. ولكن، تبين أن هناك يهود في الخزانة والذين قرروا البقاء، وفي هذه الأيام، كل يوم، يخرج ناس أكثر منها.”

وبالفعل، في الطابق السفلي من الكنيس، في منتصف صباح يوم الجمعة، يصلي بضعة عشرات من الشبان، ويدرسون ويتجمعون بحلقات. في الطرف الآخر من المدينة، في كنيس “خورال”- الكنيس الرئيسي في موسكو، والذي بقي مفتوحا خلال الفترة السوفييتية- فإن جماعة المصلين مساء الجمعة مكونة بمعظمها من الشبان، رجال في أواخر سنوات المراهقة وفي سنوات العشرين.

الكنيس الرئيسي في موسكو (Mikhail Yakovlev/Wikipedia)

الكنيس الرئيسي في موسكو (Mikhail Yakovlev/Wikipedia)

إذا لم يتبقي في منتصف سنوات ال-90 أشخاص عرفوا عن أنفسهم كيهود، يقدر مسؤول اليوم أن الطائفة اليهودية يصل عددها إلى نصف مليون نسمة. ولكن الحاخام يعتقد بأن الرقم قد يصل إلى مليون وأكثر من ذلك.

لماذا هذا الازدياد في العدد؟ “هذأ أمر رائع، أن تكون يهوديا،” كما يقول. “هذا مقبول أكثر. وليس بأمر خطير. في الماضي تم حرق الكنيس، كانت هناك اعتداءات على المقابر. اليوم، والحمد لله، الأمور هادئة. المسألة اليهودية لم تعد بقضية. سيقول لك الناس أن هناك أعداء [للطائفة]، ولكن الحقيقة هي أنه في بعض الأحيان يأتي إلينا أشخاص ويقولون، نحن نحبكم.”

في الليلة الماضية كان برنامج على التلفزيون من برامج تلفزيون الواقع (رياليتي) عن الفصح اليهودي. وكان إيجابيا جدا. تحدث عن المصة (الخبز غير المخمر)، وعن “قصة الفصح. تم عرض اليهود كأصدقاء وبأنهم جيدون لروسيا. كان الأمر سيرياليا تقريبا. وكان ذلك في وقت الذروة على التلفزيون الرسمي في روسيا.”

وأين يدخل بوتين في كل ذلك؟ “أنا أعتقد أنه جاء بالكثير من التغيير [للطائفة اليهودية ولرفاهيتها].جلب غورباتشوف [ورئيس الفدرالية الروسية الأولى بوريس] يلتسين بالتغيير، ولكن بوتين جاء حقا وحارب معاداة السامية. تحت حكم يلتسين [1991-1999]، إذا كانت هناك أحداث معادية للسامية، قال، ’تجاهلوها، ستختفي’. بوتين واجه ذلك، وجها لوجه. رسالته كانت، ’لا تأذوا اليهود. سيتم القبض عليكم ومعاقبتكم.’ جاء فتى صغير إلى الكنيس مع سكين. كان في 17-18 من العمر. سُجن لستة عشر عاما.”

“رأت سيدة غير يهودية لافتة على جانب الطريق كُتب عليها ’الموت لليهود.’ وذهبت لإزالتها، ولكنها انفجرت في وجها. كان فيها مسامير. قمنا بنقلها إلى إسرائيل لأن الأطباء هنا قالوا أنهم غير قادرين على انقاذ بصرها. في إسرائيل، قام الأطباء بمعجزات وعادت إلى هنا مع استعادة نظرها. اتصل بها بوتين وشكرها على عملها البطولي.”

لقد بعث برسالة بأنه لن يتساهل مع معاداة السامية. التقى بنا وبعث برسالة قوية إلى الشعب، “إلى اليهود في روسيا، تغيرت الأمور بشكل جذري. هذا ليس بأقل من معجزة. ولذلك خرج اليهود [للاعتراف بعقيدتهم]. كل يوم، يخرج المئات.”

سألت لازار عن المخاوف بشأن كونه مقربا أكثر من اللازم من بوتين- بأنه يقدم نوعا ما شهادة اعتراف يهودية بأنشطة بوتبن. “هذا سخيف،” يقول ذلك بهدوء ولكن بحزم. “يعتقد الناس أنني أقوم برفع سماعة الهاتف وأتحدث معه.” ويهز رأسه لعبثية الفكرة. “هناك أربع ديانات رئيسية في التقاليد الروسية: الكنيسة الأرثوذكسية الروسية والمسلمين والبوذيين واليهود. لا يمكنني القول بأنهم كانوا المفضلين لديه. يتعامل معنا بطريقة مشابهة لطريقة تعاملة مع أية ديانة أخرى.”

ويتابع الحاخام، “لقد فعل الكثير لروسيا ولليهود،” ويضيف، “نحن نحترمه على ذلك. ما الذي يفكره عني، أنا لا أعرف. فنحن لا نخرج للعشاء أو للعب الغولف. عندما ترغب الحكومة الروسية بالتحدث إلى الطائفة اليهودية، فهي تتحدث إلى الحاخام. هذا الشيء ينطبق على كل الديانات. فهم يتحدثون إلى القيادات الدينية. مع اليهود، لا يتحدثون مع الاتحاد أو مع اليهود الأغنياء. لذلك نعم، هم يتحدثون معي.”

مع ذلك، لا يشعر لازار بحاجة للاعتذار عن حماسه الشديد للرئيس، على الرغم من قلقه من دخول الوطنية إلى منعطف قومي خطير. عن السؤال إلى أين يأخذ بوتين روسيا، يرد لازار، “إنه وطني روسي قوي. من دونه، من الناحية الجغرافية السياسية، لا أعرف أين ستكون روسيا. قبل مجيئه إلى الساحة، كانت روسيا مسحوقة. خجل اليهود الروس من القول بأنهم روس. اليوم هناك فخر جديد. أنا لا أقول أن كل شيء جيد. إنه شعبي جدا. فهو يبث هذه الرسالة: لا تتورط مع روسيا. ما نهتم به في الطائفة اليهودية هو أن لا يتحول ذلك إلى شعور قومي. اليوم نحن نشعر بالراحة. ولكننا نراقب، ونحترس من اللغة [المعادية للسامية]. يقول الأشخاص أحيانا أمورا على التلفزيون ونحن نخرج ضد ذلك بقوة.”

مثل ماذا؟ السياسي الشعبوي فلاديمير زهيرزنزفسكي “ألقى بكلمة [مزعجة] في الدوما. وتبين أن والده يهودي. وجدنا قبر والده في إسرائيل. جاء وطلب منه المغفرة. كانت هناك سيدة على التلفزيون تلمح إلى إنكار المحرقة، قائلة أن اليهود يبالغون. ووضح التلفزيون ذلك في اليوم التالي. هذه روسيا ولا يمكنك أن تعرف كيف ستتحول الأشياء. أنا لا أقول أن الروس معادون للسامية، ولكن يتطلب الأمر شرارة صغيرة لإشعال مشاعر قومية.”

ألم يشعل بوتين مشاعرا قومية؟ “أنا أعتقد أنه وطني روسي. هناك فجوة صغيرة بين المشاعر الوطنية والقومية. عليك أن تكون حذرا في كل مكان، وخاصة في روسيا. عندما ترى أن ذلك يخرج ’فقط’ على الأجانب وضد الآسيويين، هناك من يقول، ’انظر انهم مشغولون بهم. أنت بأمان’ هذا غير صحيح، أيا كانت المشاعر القومية فهي ليست بجيدة.”

سألت الحاخام ما إذا كانت روسيا دولة ديمقراطية. “بعيون أمريكية، لا يمكن قول ذلك. الكثير من المؤسسات ليست بديمقراطية بحسب المعايير الأمريكية. هل هي مستعدة لديمقراطية كاملة؟ لست متأكدا من ذلك. كما رأينا في بعض الدول العربية، الناس ليسوا دائما على استعداد. بعد 78 عاما من الشيوعية، الكثير من الناس هنا غير مستعدين للديمقراطية. في زمن يلتسين، كان هناك شعور بأن روسيا في صدد دخول ديمقراطية كاملة، ولكن كان ذلك مثل الغرب المتوحش في امريكا قديما. كان اليهود يقتلون مرة في الأسبوع. ليس لكونهم يهودا، ولكن لأن ذلك كان غابة. كان هناك معاداة للسامية وابتزاز- شعرنا بعدم الأمان. استعاد بوتين النظام. لقد استخدم قبضة قوية؛ قد يقول البعض أقوى من اللازم. لا يزال هناك الكثير من الفساد، وهناك الكثير من قضايا حقوق الإنسان، ولكن هناك نظام أكثر ويشعر الناس بالأمان أكثر. لدي إيمان بأنه سيجيء بديمقراطية أكثر. الإنترنت مفتوح. (*انظر أسفل هذه المقالة.) ولد الجيل الشاب في الحرية وهم منفتحون. لا يمكنك غسل دماغهم. 80 بالمئة من مواطني البلاد يشعرون أن الأمور تحسنت. ولكن لا تزال هناك أمور ا متخلفة جدا- في الطب وفي المحاكم والشرطة والفساد وفي مستويات أخرى.”

هل هو قلق من تحول بوتين ضد اليهود؟ “لا يمكنك معرفة ذلك أبدا، ولكن لا أعتقد ذلك. هو يقدر ما يمثله اليهود- قيمنا ومساهمتنا في البلاد. بعد أشهر قليلة من تسلمه منصب الرئيس، جاء إلى مدخل الكنيس الخاص بنا. لم يكن ذلك شعبيا. لم أضمن له أية أصوات، ولكن كان ذلك واحدا من أول الأحداث التي شارك بها، وقال في ذلك اليوم، بالطبع ترك اليهود [روسيا] عندما كان بمقدورهم فعل ذلك. انظروا كيف تمت معاملتهم. وقال أننا بحاجة لفعل كل شيء لجعل اليهود يشعرون براحة أكثر- سواء كان ذلك في التعليم أو في مراكز الطائفة أو محاربة المعاداة للسامية. ينبغي أن يكون لديهم شعور بالإنتماء.

“تلقيت مكالمة في الأسبوع الماضي بأنه يريد أن يلتقي بي في ال-15 من أبريل. قلت له بأنني لا أستطيع، بسبب العيد اليهودي”- اليوم الاول من عيد الفصح. “فبحثوا في روزنامته الخاصة وسألوني عن ال-14 في الساعة 6 مساء بدلا من ذلك. فكان علي أن أشرح لهم أن ذلك لن ينفع لأن الوقت سيكون متأخرا بالنسبة لي للعودة قبل بداية الاحتفال في هذا المساء. كان جدول أعماله مليئا. ولكنهم قاموا بتغيير كل شيء مجددا وقابلني في الساعة ال-5 مساء. النقطة هنا أنهم قاموا بفعل كل شيء، وكان ذلك فقط لتقديم التهاني بالعيد.”

مدينة الدخان
لشخص غريب مثلي فإن موسكو هي مدينة مثيرة للاهتمام. فهي هادئة بشكل مفاجئ، وتمنع الهمهمة المستمرة لحركة السير- لا صوت لأبواق السيارات، تتسرب الموسيقى قليلا من السيارات أو البيوت. في مركز العاصمة، الأشخاص هناك في أفضل هندام، ويتباهى المكان بمراكز التسوق المليئة بأرقى المتاجر. متجر GUM في الساحة الحمراء- وهي الآن مجموعة من محلات أفضل العلامات التجارية- وهو باهظ الثمن بشكل تدمع له العين وتقريبا لا وجود لمشترين. تتكدس الأحياء النائية بمشاريع إسكان مكنظة وفقيرة بشكل واضح.

مترو الأنفاق في موسكو، والذي يعود تاريخه إلى ثلاثينات القرن الماضي، هو لوحة معمارية- مداخل المحطة الرائعة تقودك عميقا إلى المنصات المتألقة والممرات الرخامية، وبعض التماثيل، ومنشآت أخرى من الزجاج الملون. ولافتات التوجيه واضحة، حتى بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من صعوبات في قراءة الأحرف السيريلية؛ وهي متصلة بالواي-فاي، والجميع يقرأ في الآي باد في رحلتهم الطويلة على الدرج إلى الأسفل؛ وهي نظيفة ومضاءة بشكل زاه- بالكاد مصباح معطل واحد من بين آلاف المصابيح التي تشمل ثريات مزخرفةبشكل مثير للامتعاض. والمحطة فعالة بشكل مذهل كذلك، حيث أنها تستقبل مسافرين أكثر من “التيوب” في لندن وقطار أنفاق نيويورك معا. لا يوجد أشخاص يركضون للحاق بالقطار، لأنهم يدركون أن القطار التالي سيأتي بعد دقيقة.

محطة الميترو سلافانسكي بولفار في موسكو (Van Elsing.16/Wikipedia)

محطة الميترو سلافانسكي بولفار في موسكو (Van Elsing.16/Wikipedia)

يبدو أن كل الأشخاص في موسكو يدخنون، تقريبا في كل مكان، ويشمل ذلك المطاعم بكل تأكيد (ولكن ليس في المترو). ومعظم الناس يبدون غير سعيدين- كئيبين، حتى في أيام مشمسة بشكل غير متوقع في أبريل.

حاجز اللغة واضح جدا. يتحدث القليل من الناس الانجليزية، بالرغم من أن البعض يعتقد أنه إذا تحدث بالروسية بصوت أعلى فإن ذلك قد يعزز الفهم.

ذهبت إلى عرض لفرقة تعزف للبيتلز- “كارفين بيتلز”. أفترضت ان ذلك سيكون في حانة كئيبة في مكان ناء. في الواقع كان ذلك في “بيت الموسيقى الدولي” في موسكو، وهو قاعة فخمة تتسع ل-1,700 شخص وهي ممتلئة بسكان موسكو من جميع الأعمار وبأحسن هندام- الرجال يرتدون البدلات، وتضع النساء الجواهر. يصفق الجمهور لكل أغنية بحرارة. ويرقص عدد قليل من الأشخاص فقط. وتعزف “البيتلز” أغنية “Back in the USSR”؛ لا تسمع هتاف أحد وإلا سيكون ذلك اعترافا واضحا بالأهمية الموقعية. (من الواضح أنهم لا يعرفون كم هم محظوظون.) عند انتهاء الحفل، يخرج الجمهور بهدوء، كأنه يخرج من جنازة.

ذهبت إلى الساحة الحمراء. لا توجد علامة تشير إلى بداية ونهاية صف الناس الذين يريدون رؤية لينين المحنط وتبين أنه يبدأ مئات اليارادت بعيدا عن ضريحه. مكتب شراء التذاكر لدخول الكرملين، بمخزن الأسلحة والكاتدرائيات، أبعد من ذلك أيضا. أكشاء بيع البطاقات مغطاة بزجاج أسود اللون. من المستحيل معرفة ما إذا كان هناك شخص في الداخل. نوافذ بيع البطاقات عبارة عن فتحات صغيرة من الصعب إجراء أية محادثة من خلالها إذا كنت تتقن اللغة اصلا. من خلال هذه النوافذ يصرخ صوت من دون جسم مرارا وتكرارا كلمة واحدة “بنك!” ردا على طلباتي المؤدبة ولكن التي زادت احتجاجا.

الساحة الحمراء موسكو (Christophe Meneboeuf)

الساحة الحمراء موسكو (Christophe Meneboeuf)

أصبحت الساعة 12:30 وفهمت في نهاية المطاف بأنني لن أستطيع الذهاب لرؤية مخزن الأسلحة، مع ما يتضمنه من مجموعة بيض الفابرجي وأمجاد أخرى، قبل الساعة 2:30. ولا أستطيع شراء البطاقة لدخول مخزن الاسلحة في الساعة 2:30 قبل 1:45. ولا، لا أستطيع التجول في الكرملين وشراء بطاقة مخزن الأسلحة قبل اقتراب الموعد، لذلك فأنا لست مضطرا للانتظار هنا  بلا هدف أو التكاسل. تم إنقاذي على يد دليلي السياحي التي تتحدث الانجليزية واسمها ألكسندرا “من السهل تذكر ذلك، مثل ألكسندر العظيم،” وغردت قائلة، “بالطبع بامكانك شراء البطاقة في مخزن الأسلحة. هناك مكتب لشراء البطاقات هناك لن يخبرك عنه أحد. أنت في روسيا، أتتذكر ذلك؟ فهناك الطريقة القانونية، والطريقة الغير قانونية.”

للحظة، شعرت أنني في البيت تقريبا.

أستاذ شرانسكي في اللغة العبرية
تجرأت دخول المترو مع ثقة متزايدة، انطلقت للقاء ميخائيل خلينوف، الأمين العام للمؤتمر اليهودي الأوروبي-الآسيوي (الذي يمثل الجاليات اليهودية في المنطقة)، وأن اطرح علية بعض الأسئلة التي طرحتها على لازار.

خلينوف، 73 عاما، هو أكاديمي وزعيم يهودي بشخصية أبوية بالإضافة إلى كونه أستاذ اللغة العبرية الأول لناتان شارانسكي. (لست متأكدا ما إذا كنت سأعترف بذلك.) استدعته المخابرات السوفييتية وحققت معه عندما اعتُقل شارانسكي، قال ذلك من دون اظهار أي حماس؛ “لم تكن هذه اسوأ تجاربي.”

عرض بروفسور خلينوف وجهة نظر تاريخية أكثر من لازار عن روسيا بوتين، حيث عاش خلال عقود من التحول السوفييتي، والملاحقة بسبب أنشطته اليهودية. مع ذلك، يعتبر هو أيضا الوضع الحالي لليهود في روسيا بجيد نسبيا، وحكم بوتين بخير نسبيا. “إذا نظرت على الأرقام، كانت هناك 27 حادثة [اعتداءات معادية للسامية] في السنة الماضية، بما في ذلك ستة اعتداءات عنيفة. كان هناك 25 في أوكرانيا. في فرنسا، كان هناك 600. يفترض الغرب أن هناك الكثير من المعاداة للسامية. هناك وجود لذلك، وهو يشكل خطر. ولكنه متواضع وليس بالمستويات التي يتم تصورها غالبا. وأيضا المهاجرين من أماكن أخرى في الاتحاد السوفييتي سابقا يتسببون بالهجمات.”

من خلال استدعاء المنظور التاريخي، يشير خلينوف إلى أن المعادة للسامية كانت “تحت رعاية الأقوياء هنا منذ القرن ال-16 وحتى نهاية الاتحاد السوفييتي. توقف ذلك في نهاية التسعينيات. اليوم، لا توجد حكومة من دول الاتحاد السوفييتي سابقا تقوم برعاية معاداة-السامية؛ على العكس. مع بوتين، هذا مثير للاهتمام. هو يحاول خلق امبرطورية روسية معينة، ولكنه ليس بمعاد للسامية. الجميع يعرف أن لديه أصدقاء في إسرائيل وبأنه يقوم بزيارة إسرائيل.”

تقديرات خلينوف لعدد اليهود في روسيا اليوم هي أقل من تقديرات لازار، ولكنه يضحك من استحالة التقديرات. “انظر، قبل 25 سنة، كان هناك 3 مليون يهودي… ترك منهم حوالي 1.5. الآن يوجد على الأرجح 700 ألفا أو 800 ألفا في روسيا، وربما 1.5 مليون في باقي الاتحاد السوفييتي سابقا، اللذين يحق لهم [الحصول على الجنسية الإسرائيلية] بموجب قانون العودة [بحكم وجود جد يهودي واحد على الأقل]. في التعداد السكاني لعام 2010 في روسيا، قال 155 ألفا بأنهم يهود عندما سؤلوا عن قوميتهم. في الغرب، بعتبر اليهود أنفسهم يهودا بحسب الدين. في الإتحاد السوفييتي مُنع اليهود من ممارسة دينهم، الهوية الدينية تستند على القومية.”

سألت خلينوف عن العلاقة الوطيدة بين بوتين ولازار. “اختار بوتين النظر إلى حاباد على أنها القيادة اليهودية في روسيا، ليس لأنه عرف شيئا عنهم، ولكن لأنهم ساعدوه في عام 2000” عندما كان يؤسس نفسه كخليفة ليلتسين، كما قال خلينوف. “كان بوتين يصارع ويحارب [منافس سياسي، الزعيم اليهودي وقطب الاعلام فلاديمير] غوزينيكي. جاءت حاباد إليه. قالوا له، ها هو الحاخام الخاص بنا ويإمكانه أن يكون حاخامك. تم اختيار لازار كالحاخام الأكبر الثاني، والحاخام الأكبر الأول [أدولف شايفيخ، الذي كان مقربا من غوزينسكي] تم نسيانه. إن هذا تحالف استراتيجي- سياسي واقتصادي. شجع الكرملين رجال الأعمال اليهود في أقاليم روسيا على إعطاء أموال لحاباد.”

كيف ساعدت حاباد بوتين بالضبط؟ تم اعتقال غوزينسكي، الذي ترأس “الكونغرس الروسي اليهودي”، ووجهت إليه التهم بجرائم مختلفة خلال عام 2000، بما في ذلك السرقة والإختلاس من شركات مملوكة للدولة، “وكان ينوي الذهاب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل والتنديد ببوتين كرئيس روسي معاد للسامية،” كما قال خلينوف. “في الوقت ذاته، يذهب بوتين إلى الافتتاح الكبير لكنيس حاباد”- مركز الطائفة التابع للازار في سبتمبر 2000. “وأضاء شمعة أيضا” في الكنيس هناك في عيد الحانوكاه في شهر ديسمبر في ذلك الوقت. “وألقى كلمة طويلة حول دور اليهود ومساهمتهم للبشرية. وأشار إلى أنه عاش في منزل في لينيغراد مع ست عائلات أخرى، بما في ذلك يهود، وتذكر أضواء الحانوكاه الخاصة بهم.”

ووعد بوتين أيضاالجمهور الذي احتتشد بالمئات في هذه الليلة أن “الضوء واللطف الذي سيشعه هذا (الشمعدان) سيضيء الكرملين دائما”- وهي تصريحات لاقت رد فعل مرحب من نتنياهو، والذي كان في زيارة خاصة إلى روسيا في ذلك الوقت (وكان قد خسر منصب رئيس الوزراء في العام السابق). “إذا كنت تريد دليلا قويا على التغيير الذي حدث في روسيا، تعالوا إلى هنا الليلة، وانظروا ما يحدث هنا الليلة،” كما قال نتنياهو وأضاف، “اليوم سيأتي رئيس روسيا إلى هنا، في مركز يهودي جديد، وسيضيء الشمعة الأولى لعيدنا القديم، الحانوكاه. إن هذا تغيير، تغيير كبير، تغيير إيجاتي، تغيير قوي.”

بنيامين نتنياهو وفلاديمير بوتين في الكرملين  موسكو ٢٠١٣ ( Kobi Gideon/GPO/FLASH90)

بنيامين نتنياهو وفلاديمير بوتين في الكرملين موسكو ٢٠١٣ ( Kobi Gideon/GPO/FLASH90)

غوزينسكي كان في السجن في إسبانيا في ذلك الوقت، يحارب ضد تسليمه إلى روسيا لمواجهة تهم الإختلاس، والتي أصر على أن دوافع سياسية تقف من ورائها. ولقد ربح المعركة، ولكن تم تجريده في وقت لاحق من جنسيته الروسية. واستنكر عدد من الزعماء اليهود ما وصفوه بمضايقة غوزينسكي، وعبروا عن مخاوفهم من أن ذلك سيزيد من الضغوط على يهود روسيا. حذر شارانسكي من أن “ذلك يثير كل أنواع المخاوف بشأن الحريات المدنية في روسيا.” تغير ذلك، بحسب قول خلينوف، بعد أن ربط بوتين نفسه بتحالف قوي مع حاباد.

ساعد حاباد بوتين لأن يهود العالم توقفوا عن اتهامه بسحق الكونغرس اليهودي التابع لغوزنسكي. العداوة اليهودية في العالم اختفت، وكان لذلك أهمية بالفعل. ”

هل بوتين معاد للسماية؟ يقول خلينوف “لا” بحزم ويضيف أن تركيز الرئيس على غوزنسكي كان لأن “غوزينسكي قام بتمويل بعض خصومه. بوتين ليس فقط غير معاد للسامية، بل هو فيلو-سامي.”

وماذا بشأن أوكرانيا؟ “يريد بوتين إستعادة جوانب من المجد الروسي.”

إلى أي مدى؟ “هذا سؤال جيد.”

هل روسيا تتوجه نحو الديمقراطية أو بعيدا عنها؟ “بالتأكيد بعيدا عنها. هو يريد خلق مزيج من أيديولوجية أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في روسيا، وفي الإتحاد السوفييتي- الإتحاد السوفييتي كما يراه هو- من دون معاداة السامية.” (قال بوتين في مقابلة لقناة ألمانية عام 2005، “كل من لا يأسف على رحيل الإتحاد السوفييتي لا قلب له. كل من يريد إعادة بنائه لا عقل له.”)

يريد بوتين روسيا كقوة عظمى منافسة على الساحة العالمية؟ “هو يريد أن لا تجثو روسيا على ركبيتيها، وبأن تستعيد روسيا مجدها في عالم متعدد الأقطاب.”

وأهدافه في سوريا وإيران؟ “إنه يعيد تأكيد روسيا في الشرق الأوسط.”

هل هذا جيد لإسرائيل؟ “ربما ليس بهذا السوء. غريزته ودية لإسرائيل. الأسد هو حليفه الأخير، ومن سيحل محل الأسد؟ هذا ليس جيد، صحيح؟ بالنسبة لإيران، هناك 300 سنة من علاقات التنافس. إيران هي منافس دائم. إيران بطريقة أو بأخرى هي جزء من الثقافة الروسية. إيران هي جار معروف- ليس مريحا، ولكنه معروف. في السياسة الروسية، يُعتقد أن إسرائيل تبالغ بشأن التهديد الإيراني أو أنها تحاول تحقيق مكاسب سياسية من ذلك. بالطبع روسيا ليست الوحيدة التي تعتقد ذلك. [القادة الأمنيين السابقين مئير] داغان و[يوفال] ديسكين قالا الشيء ذاته.”

“بوتين ينظر إلى العالم ويقول لنفسه بأنه في القرم العالم لم يقم بأي شيء. في جنيف للتو، هل قالوا أخرج من أوكرانيا؟ لا، لقد أصدروا بيانا ضعيفا بين أن الغرب على استعداد لابتلاع طموحاته. هو ليس بغبي. هو ليس بجنكيز خان، وهو ليس بماو. هو يقوم بخطوات كبيرة إلى الأمام، وخطوات صغيرة إلى الوراء.”

الصفة الجيدة الوحيدة  لبوتين
يوم الجمعة في كنيس “خورال” الرئيسي في موسكو، سنحت لي الفرصة بالتحدث مع مجموعة من الشبان، عاد عدد منهم إلى المدينة بعد أن قضوا سنوات في إسرائيل. أشار البعض منهم إلى أسباب عائلية جعلتهم يعودون إلى هنا. قال شخص أو شخصان بأنهما لم ينجحا بتدبر الأمور المالية.

الرئيس يذهب ويعود منذ عام 2000، ومن الواضح أنه يخطط للبقاء في المستقبل المنظور، يتمتع فلاديمير بوتين بشعبية غير عادية في روسيا حاليا- بمستويات ال-80 بالمئة، وفقا لما نقلته صحيفة “واشنطن بوست” عن استطلاع رأي. ولكن هناك مشككون في هذه المجموعة من اليهود الشباب، ويعبر اثنين منهم عن عدم ارتياحهما بشأن ما يصفانه بالتصور، الذي نشأ نتيجة تضامن لازار الواضح مع الرئيس، بأن الجالية اليهودية ككل تدعم بوتين بشكل كبير.

ويقول أحد هؤلاء الشبان، “بوتين يسيطر على الإعلام. روسيا بوتين فاسدة. بوتين يدمر الديمقراطية،” ويضيف، “صفته الجيدة الوحيدة أنه يحب اليهود.”

_________________________

* في 24 أبريل، صرح بوتين أن الإنترنت هو “مشروع لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية”، وأنه “لا يزال يتطور على هذا النحو.” لمحاربة التأثير، كما قال بوتين، على روسيا “القتال من أجل مصالحها” على الانترنت. وذكرت وكالة الأسوشيتد برس أن الكرملين كان حريصا على ممارسة سيطرة أكبر على الانترنت، حيث يقوم نشطاء من المعارضة- الممنوعين من الظهور على التلفزيون- باستخدامه لعرض أفكارهم وتنظيم احتجاجات. مرر البرلمان الروسي في الأسبوع الماضي قانونا يلزم مواقع التواصل الإجتماعي بالاحتفاظ ببياناتهم في روسيا وحفظ كل المعلومات عن مستخدميهم لنصف سنة على الأقل. وكذلك يسيطر رجال أعمال مقربون من بوتين على موقع التواصل الاجتماعي الرائد في روسيا، “فكونتاكي”.