تذكر جمانة محاميد، والدة شابة لطفلين من بلدة أم الفحم، اليوم الذي قُتلت فيه أعز صديقاتها.

قائلة: “كان عام 2005. أنا وأمل كنا طالبات في الجامعة. كانت تدرس العمل الإجتماعي في الجامعة العبرية وأنا أدرس العلاج الفيزيائي في تل أبيب. كانت موهوبة وبديعة”.

وتذكر جمانة أن أمل كانت واقفة في شارع في أم الفحم عندما مرت سيارة ببطء. “اعتقد أنهم كانوا يحاولون اطلاق النار على فتاة تقف خلفها، ولكنهم اخطأوا، ودخلت الرصاصة مباشرة إلى قلبها. وتوفيت بعد ساعة”.

وتضيف جمانة: “كنت منهارة. عائلتها كانت منهارة. لم نكتشف أبدا من المسؤول”.

يقول السكان أن هذه من أوائل حالات اطلاق النار التي يذكرونها في أم الفحم، التي يقطن فيها 50,000 نسمة وتقع شمال إسرائيل. ولكن منذ ذلك الحين، وقعت على الأقل 10 عمليات قتل بإطلاق النار – ومعظمها لم يتم حلها. والأسلحة أصبحت منتشرة في العقد الأخير لدرجة أن جمانة تسمع صوت الرصاص والرشاشات عدة مرات خلال اليوم. وعثر والديها وجيرانها على رصاص داخل منازلهم، في ساحاتهم، وعلى أسطحهم. وقبل شهر، تم اطلاق النار على سيارة واقفة بجانب مدرسة ابتدائية بينما كان الأطفال يدرسون.

“حتى الآن، كنت في الخارج انشر الغسيل، وسمعت 15 دقيقة من اطلاق النار، فدخلت حتى يتوقف [إطلاق النار]”.

بالنسبة للمواطنين العرب، الذين لا يسكنون في مدن مع أغلبية يهودية أو مدن مختلطة، اطلاق النار هذا عبارة عن واقع يومي. معظم الوقت، هو اطلاق نار في الهواء خلال زفاف، أو شباب يتباهون، أو حتى اطلاق النار على منازل أو متاجر منافسة من أجل ترهيبهم. ولكن مع كمية الأسلحة الكبيرة المنتشرة، عادة يؤدي الرصاص إلى الموت.

“منذ العام 2000، قُتل 1,100 مواطن عربي نتيجة عنف داخلي”، بحسب ما قاله النائب احمد الطيبي من “القائمة (العربية) المشتركة” لتايمز أوف غسرائيل.

لنضع هذا داخل سياق. مستوى القتل المعتمد في إسرائيل منخفض نسبيا، مع حوالي 135 عملية قتل سنويا – أو 1.8 عملية قتل لكل 100,000 مواطن. يشكل العرب 10% من المواطنين.

“هذا ثمن باهظ في الدماء”، يقول الطيبي.

نتنياهو يتحدث عن الأسلحة غير القانونية

عقدت لجنة الشؤون الداخلية في الكنيست يوم الأربعاء، 6 يناير، جلسة طارئة حول مسألة الأسلحة غير القانونية عامة، وفي المجتمع العربي خاصة. ووصل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يوم السبت، يوما بعد الهجوم الدامي في شارع ديزنغوف في تل أبيب وقتل سائق سيارة أجرة لاحقا في 1 يناير – الذي نفذه نشأت ملحم، مواطن عربي من إسرائيل الذي استخدم سلاح والده – الى ساحة الهجوم وقدم رسالة حادة إلى الأقلية العربية في اسرائيل.

“لن أقبل وجود دولتين في إسرائيل: دولة قانون بالنسبة لمعظم مواطنيها ودولة داخل دولة بالنسبة لجزء من مواطنيها في الجيوب التي لا يتم فيها فرض أحكام القانون… لا يمكن القول ’إنني إسرائيلي في الحقوق وفلسطيني بالواجبات’. ومن يريد أن يكون إسرائيليا فليكن إسرائيليا بشكل كامل، في الحقوق وفي الواجبات على حد سواء والواجب الأول والأعلى هو الإنصياع لقوانين الدولة”.

ويقول النائب أحمد الطيبي انه منذهل من خطاب نتنياهو، لأن القادة العرب يطالبون الحكومة، منذ أكثر من عقد، بتعزيز تواجد الشرطة ومصادرة الأسلحة غير القانونية.

“بعد أن قام جميع القادة العرب، العائلة والمجلس المحلي بإدانة الهجوم في شارع ديزنغوف بصورة شاملة وواضحة، يأتي بنيامين نتنياهو ويتحدث وكأنه [العضو في حزب البيت اليهودي] بتسلئيل سموتريش. انه تحريض”.

ويضيف الطيبي: “السلاح الذي استخدمه المهاجم كان قانونيا، كان مرخصا. إذا لماذا بدأ رئيس الوزراء بمهاجمتنا حول الأسلحة غير القانونية؟”

“من وجهة نظري”، بحسب الطيبي، “اسحب الأسلحة القانونية ايضا. لا نريدها داخل بلداتنا. لقد عقدت جلسة في الكنيست عام 2012 بحضور رئيس الوزراء ووزير الأمن الداخلي وعائلات ثكلى و40 عضو كنيست. كان حدثا تاريخيا. طالبنا بأن يسحبوا الأسلحة”.

ويسأل الطيبي لماذا كان يجب أن يُقتل يهود من أجل جذب الإنتباه الى هذه القضية.

وأضاف الطيبي: “الحكومة والشرطة لا تكترثان، لأنها قضية عرب يطلقون النار على عرب آخرين. متى صحوا؟ عند وقوع هذا الهجوم الفظيع في شارع ديزنغوف”.

الإتصال بالشرطة، بدون جواب

وفقا لتقرير صدر في يوليو عام 2014 من قبل مركز الأبحاث والمعلومات للكنيست، يشكل العرب حوالي 20% من السكان، ولكن 49% من السجناء. ويعيش 54.3% من العرب تحت خط الفقر، بينما 65.8% من الأطفال العرب في اسرائيل فقراء.

إضافة إلى ذلك، يخشى المواطنون العرب في إسرائيل مغادرة منازلهم أكثر من اليهود: 51.9% من العرب في اسرائيل يقولون أنهم يخافون أن يكونوا ضحية للجرائم العنيفة، بينما 30% فقط من اليهود يقولون هذا. واحتمال ملاحقة القتل في البلدات العربية أصغر. بين العام 2006-2013، نتجت 59% من قضايا القتل التي كان المشتبه فيها يهودي بتوجيه لائحة اتهام، بينما 46% فقط من القضايا التي كان فيها المشتبه عربي نتجت بتوجيه لائحة اتهام، وفقا لتقرير الكنيست.

وهذه الإحصائيات تعزز شعور العديد من المواطنين العرب الشخصي بأن الشرطة لا تكترث كثيرا عندما يتعلق الأمر بالعنف داخل بلداتهم.

ويقول محمد حاج داوود، ممثل مسرحي من أم الفحم ومتزوج من جمانة محاميد، انه يتصل، هو وزوجته، لإبلاغ الشرطة بإطلاق النار بشكل دائم. وارسل الى تايمز أوف اسرائيل 10 محادثات مسجلة مع الشرطة حيث يشتكي من اطلاق النار، الذي يمكن سماعه في بعض الاحيان في الخلفية. وفي كل المحادثات، تقول له الشرطة انه يتم معالجة الشكوى. ولكن يقول داوود أنه لم يرى يوما دورية شرطة ترد على أي من شكاويه.

“اسمع اطلاق النار تقريبا كل يوم، والشرطة لا تأتي أبدا. لا اعتقد انه سيكون من الصعب للشرطة أن تأتي وتنظف المدينة من الأسلحة غير القانونية والمخدرات. ربما من صالحهم أن ينتشر هذا وينمو”.

ويقول داوود أن الوضع متأزم لدرجة أن حتى طلاب الثانوية يمشون مع أسلحة.

“هذا أمر غريب جدا، لأن مصدر الأسلحة يمكن أن يكون فقط الدولة. الدولة هي الطرف الوحيد الذي يمكنه استيراد الاسلحة الى داخل البلاد. اذا كيف تصل الاسلحة الى الناس؟ اعتقد انه لا بد ان يكون هناك أشخاص داخل الحكومة، الشرطة والجيش فاسدون ويتاجرون بالاسلحة غير القانونية”.

“هذا هراء”، يقول ضابط سابق في الشاباك، مشيرا إلى أن معظم السلحة غير القانونية هي اسلحة قانونية سابقا، التي تم بيعها أو سرقتها.

“هناك منظمات إجرامية التي تبيع الأسلحة، وهناك سرقات من منازل ومن اشخاص لديهم رخص للسلاح. هناك جنود يتم سرقة اسلحتهم، بالإضافة الى قواعد عسكرية تمت سرقتها”.

وفي جلسة لجنة الكنيست الأربعاء، قال وزير الأمن الداخلي غجلعاد اردان، أن 90% من الأسلحة غير القانونية في اسرائيل مصدرها الجيش الإسرائيلي. ولكن لا يوجد فساد منهجي، بحسب الضابط السابق في الشاباك. ويقول أن السبب الحقيقي لعدم سحب الشرطة للأسلحة غير القانونية من البلدات العربية هو أن الأمر صعب.

قائلا: “انت بحاجة غلى الإستخبارات لمعرفة من لديه اسلحة في منزله. عليك أن تعلم أنها هناك، وبعدها يجب أن تبحث عنهاـ لأن الشخص الذي يملكها لا يحتفظ بها في الصالون”.

ويضيف: “ما يحدث هو أن الشرطة، عندما تدخل الى بلدة عربية، تحتاج الى قوة أكبر بكثير من دخولها الى بلدة يهودية. من السهل جدا القاء اللوم على الشرطة والقول أن الأسلحة غير القانونية في المجتمع العربي بسببها. ولكن هذه المشكلة قائمة منذ قيام الدولة. العديد من العرب الإسرائيليين يريدون امتلاك الاسلحة للدفاع عن أنفسهم. آخرون يريدونها للإحتفالات وحفلات الزفاف. وآخرون يريدونها من اجل المكانة الاجتماعية، أو النشاطات الإجرامية. لكل شخص سببه. ولكن لأن مستوى الإجرام والعنف مرتفع، عدد أكبر من الاشخاص يريدون التسلح”.

لماذا الآن؟

ردا على سؤال ما الذي تغير في العقد الأخير وجعل من هذه المشكلة أسوأ، تجيب جمانة، “إما أنها سياسة أو ما يحدث في العالم بأسره، مع التكنولوجيا والأطفال الذين ينشأون مع ألعاب فيديو عنيفة وأشياء من هذا القبيل. عندما كنا صغارا، كان العالم أكثر بساطة”.

ويقول داوود، “في الماضي، كان الناس يدخلون في خلافات وكانت الأمور تنتهي بصلحة. إلتقى الناس وتصالحوا. لم يصل ذلك أبدا إلى إستخدام السلاح بإستثناء حالة واحدة يتذكرها الجميع من سنوات الثمانين. منذ إنشاء قسم الشرطة هنا في أم الفحم، نرى الأسلحة والمخدرات تنتشر عبر المدينة”.

ويضيف: “كيف أفسر ذلك؟ في الماضي، كانت العائلات منظمة في حمولات. كان لكل حمولة قائدها وهو من يقرر. كان من الأسهل حل الخلافات لأنه لم تكن هناك الكثير من الفروق بين الأشخاص المنخرطين في القرار. القرار كان عائدا لرب الأسرة بكاملها. اليوم، لم يعد هناك وجود لهؤلاء القادة. اليوم، كل شخص يقوم بما يريد”.

وسيم حصري، محام يعيش في أم الفحم ومساعد برلماني لعضو الكنيست يوسف جبارين (القائمة المشتركة)، يوافق على أن إنهيار الهياكل المجتمعية التقليدية قد يشكل عاملا، ولكنه يعتقد أن المسألة الرئيسية هي عدم قيام الشرطة بإنفاذ القانون.

ويقول، “هذه التغييرات تحدث في كل المجتمع، ولكن الفرق هو أنه في صفوف الأغلبية اليهودية هناك إنفاذ للقانون وتواجد للشرطة. الجريمة أيضا تشهد إرتفاعا في المجتمع الإسرائيلي. ولكن مجتمعنا شهد إرتفاعا حادا. التواجد الضعيف لإنفاذ القانون والعقوبات المخففة ضد أشخاص يحملون أسلحة غير قانونية تشكل فرصة لأشخاص لإثارة الشغب في الشوارع”.

ولكن هناك شيء آخر حصل قبل 15 عام يعتقد حصري بأنه يؤثر على العلاقة بين المواطنين العرب والشرطة.

مشكلة ثقة

في أكتوبر 2000 قتلت الشرطة الإسرائيلية 12 مواطنا عربيا في مواجهات وقعت في بداية الإنتفاضة الثانية. بعد ذلك بوقت قصير شكل رئيس المحكمة العليا في إسرائيل، أهرون باراك، لجنة أور للتحقيق بالأحداث. اللجنة أوصت على أن تقوم الشرطة بتحسين علاقتها مع الجماهير العربية حتى يتم النظر إليها كجهاز يوفر أمنا حيويا بدلا من إعتبارها قوة معادية.

ويقول حصري، “هذا صحيح، الطريقة التي ترين بها أنت الشرطة [كشخص يهودي] والطريقة التي نرى نحن بها الشرطة مختلفة”.

ويتابع حصري بأنه عندما يقوم سكان أم الفحم بالإتصال بالشرطة فهي لا تصل إلى الموقع في معظم الأحيان. ولكن أحيانا تفعل ذلك.

“إذا سمعت إطلاق نار في الحي الذي أسكن به ووصلوا إلى المكان، لا يعرفون مصدر النار. ما الذي يمكنهم فعله؟ يقومون بجولة في الحي ويعودون أدراجهم. كانت هناك حوادث أتصل بها شخص بالشرطة وقال لهم أن هناك إطلاق نار في الشارع وأعطاهم رقم لوحة السيارة وأبلغهم عن مكان تواجد الأشخاص، ولكن لم يحدث أي شيء”.

وأضاف حصري، “عندما تسأل قائد الشرطة عما حدث، يقول إنه كانت هناك دورية وقاموا بالبحث ولم يعثروا على أي شيء”. ويقول حصري أن هناك سيارة دورية واحدة في أم الفحم ليلا، وسيارة أخرى في القسم، ويضيف أن قادة الشرطة المحليين يعانون من نقص حاد في القوى العاملة لدرجة أنه من المعروف أنهم يطلبون بهدوء من النواب العرب في الكنيست بممارسة ضغوط على الحكومة لمزيد من القوى البشرية.

ويقول حصري إن العلاقة بين المواطنين العرب والشرطة هي علاقة سيئة وحلها شبه مستحيل.

“كل المفهوم أن الشرطة يهودية وأنهم يخدمون الحكومة الصهيونية اليهودية التي تريد دولة يهودية، والتي نرفضها، هذا يشكل مشكلة بالنسبة لنا. ولكن الناس لا يرغبون بأخذ القانون بأيديهم، ونحن نرغب بأن تأتي الشرطة وتقوم بمصادرة كل الأسلحة”.

من الناحية المثالية، يرغب حصري برؤية سيارة تقوم بدورية في كل حي في أم الفحم.

“قبل عامين كانت لدينا مشكلة إطلاق نار في حفلات الزفاف – هناك عادة يقوم فيها الأشخاص بالتعبير عن فرحهم بإطلاقهم للنار. ما الذي بدأت الشرطة بفعله؟ كانوا يقومون بإستدعاء العريس ووالده ويحذرونهما قبل يوم من الحفل. قالوا، ’إذا حدث إطلاق نار في حفل زفافك، سنقوم بإعتقالك’. كانت هذه فكرة جيدة ومرحب بها ونجحت، لأن العريس وعائلته تأكدوا من عدم حدوث إطلاق نار”.

ويضيف حصري، “لكن في الواقع، من وجهة نظر قانونية، إذا كان هناك إطلاق نار، لا يوجد هناك أي تبرير لإعتقال العريس. واستمر الناس في إطلاق النار في حفلات الزفاف”.

وعن السؤال عما إذا كان يرغب برؤية سيارة شرطة خارج كل حفل زفاف في أم الفحم، رد حصري، “إليك ما أرغب به: أرغب بأن تعاملنا الشرطة تماما مثل اليهود”.

ويضحك حصري من إجابته، ويضيف، “على الأقل في هذا الشأن”، ويتابع قائلا: “يجب التعامل مع الأسلحة في أم الفحم تماما بنفس الطريقة التي يتم التعامل فيها مع الأسلحة في تل أبيب”.