ا ف ب – شن الطيران العسكري الروسي الأربعاء أولى ضرباته الجوية في سوريا بناء على طلب الرئيس السوري بشار الأسد، في حين دار جدل حاد حول المواقع التي استهدفتها الغارات الروسية وما إذا كانت تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية أم لتنظيمات أخرى.

وجاءت هذه الضربات قبل ساعات من قيام روسيا بتقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن يدعو إلى قيام “تنسيق بين كل القوى التي تواجه تنظيم الدولة الإسلامية والبنى الإرهابية الأخرى”.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية الأربعاء أن الطيران الروسي قام بعشرين طلعة جوية وأصاب “ثمانية أهداف لتنظيم الدولة الإسلامية” في سوريا، مدمرا بشكل خاص مركز قيادة للتنظيم المتطرف.

وقالت الوزارة في بيان، “هاجمنا ثمانية أهداف. وقد أصيبت جميعها. إن الأهداف وخاصة مركز قيادة لإرهابيي” تنظيم الدولة الإسلامية “دمرت تماما”.

إلا أن الولايات المتحدة شككت بحقيقة الأهداف التي قصفها الطيران الروسي ورجحت ألا تكون مواقع لتنظيم الدولة الإسلامية.

وقال وزير الدفاع الأميركي اشتون كارتر الأربعاء تعليقا على الغارات الروسية، “يبدو انها حصلت في مناطق لا توجد فيها على الأرجح قوات لمجموعة الدولة الإسلامية”.

وأضاف كارتر: “ان مقاربتهم محكومة بالفشل. ما يقومون به لن ينجح وهو غير بناء”.

واعتبر ان الإستراتيجية الروسية عندما لا تلحظ وجود عملية انتقالية سياسية ورحيل بشار الأسد عن السلطة، إنما تؤدي إلى “صب الزيت على النار”.

كما قال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس في تصريح صحافي من نيويورك الأربعاء، أن “هناك إشارات تفيد بأن الضربات الروسية لم تستهدف داعش. إن الضربات يجب أن توجه الى داعش والمجموعات الإرهابية الأخرى وليس الى المدنيين والمعارضة المعتدلة”.

كما قال مسؤول عسكري أميركي أن هذه الغارات الروسية استهدفت قوات معارضة، وليس جهاديي تنظيم الدولة الإسلامية، بعكس التصريحات الروسية.

وقال المسؤول الأميركي طالبا عدم الكشف عن اسمه، “لم نشاهد اية ضربات ضد داعش (تنظيم الدولة الاسلامية)، وما شاهدناه هو ضربات ضد المعارضة السورية”. وكانت وزارة الدفاع الروسية قالت أن الضربات استهدفت مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية.

وفي السياق نفسه قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري الأربعاء في كلمة القاها امام مجلس الامن الدولي ان الولايات المتحدة لن تعارض الضربات الجوية الروسية في سوريا اذا كان الهدف “الحقيقي” منها هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية.

وتابع: “أوضحنا أننا سنشعر بالقلق البالغ إذا ضربت روسيا مناطق ليست فيها أهداف لداعش والقاعدة”. وقال أن “أية ضربات من هذا النوع ستضع علامات استفهام حول نوايا روسيا الحقيقية وهل هي القتال ضد داعش أم حماية نظام الأسد”.

وقال أيضا، “علينا أن لا نخلط، ولن نخلط، بين قتالنا ضد داعش ودعم الأسد”.

إلا أن البيت الأبيض كان أكثر حذرا في تعليقه على الموضوع نفسه، معتبرا أنه من المبكر تحديد المواقع التي استهدفتها الغارات الروسية.

وقال المتحدث جوش ايرنست أنه “من المبكر بالنسبة لي أن أقول ما هي المواقع التي استهدفوها، وما هي الأهداف التي ضربوها”.

ومن جهة أخرى، اتفقت الولايات المتحدة وروسيا التي تشن كل منهما ضربات جوية في سوريا، على تنظيم لقاء بأسرع وقت ممكن بين عسكريي البلدين “لتحاشي حصول أي حادث” بين طيرانهما، حسب ما أعلن الأربعاء وزيرا خارجية البلدين.

وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، “اتفقنا على ان يجري العسكريون اتصالات في ما بينهم قريبا جدا”. في حين أكد وزير الخارجية الأميركي جون كيري على ضرورة إجراء “محادثات بين العسكريين بأسرع وقت ممكن وربما غدا”.

ومن جهته، ندد وزير الخارجية السوري فاروق المعلم الاربعاء بالضربات الجوية الفرنسية والبريطانية في سوريا واصفا اياها بـ”الإعتداء على سيادة” سوريا و”أشاد” بمشروع القرار الروسي ضد الإرهاب.

وقال المعلم أمام مجلس الأمن حسب النص الذي وزعته البعثة السورية لدى الأمم المتحدة، أن “الأعمال العسكرية التي تقودها المملكة المتحدة وفرنسا على الأراضي السورية تشكل خرقا فاضحا للقانون الدولي واعتداء على السيادة السورية”.

ويأتي هذا التسارع في التدخل الروسي في سوريا على خلفية اختبار قوة بين الرئيس الأميركي باراك اوباما ونظيره الروسي فلاديمير بوتين حول مستقبل الرئيس السوري بشار الأسد، حيث أن الأول يعتبره “طاغية” لا يمكن أن يكون له دور في مستقبل سوريا، في حين أن الثاني يعتبره اساسيا في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية.

وكان كيري اتصل الأربعاء بنظيره الروسي سيرغي لافروف واعتبر الضربات الروسية غير بناءة. كما اعتبرت واشنطن أن هذه الضربات لن تغير شيئا في المهمات العسكرية التي يقوم بها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في كل من سوريا والعراق.

وبقيامها بقصف مواقع جهادية في سوريا تؤكد روسيا للولايات المتحدة انها ماضية من دون تردد في دعمها للرئيس السوري رغم مرور أكثر من أربع سنوات على اندلاع الأحداث في سوريا وسقوط أكثر من 240 الف قتيل.

وأعلنت واشنطن عن الضربات الروسية قبل تأكيدها من قبل وزارة الدفاع الروسية. وقال متحدث عسكري روسي أن “الضربات الدقيقة” دمرت “معدات عسكرية” ووسائل اتصالات و”مخازن أسلحة وذخائر” لتنظيم الدولة الأسلامية.

كما أعلن مصدر أمني سوري أن الضربات استهدفت “مواقع إرهابية” في محافظتي حماه وحمص.

ومن ناحيته، أدان الإئتلاف السوري المعارض بشدة “القصف الوحشي الذي نفذته طائرات حربية روسية لمواقع مدنية سورية في ريفي حمص وحماة، وأدى إلى إيقاع ضحايا مدنيين؛ بينهم أطفال ونساء”.

وقال في بيان أصدره الأربعاء أن القصف “وما يتوارد عن إرسال وحدات روسية خاصة إلى ثكنات ومطارات عسكرية تمهيدا لعمليات برية؛ يمثل عدواناً سافراً على الشعب السوري بكافة مكوناته ( …) كما يُقوض مزاعمها(روسيا) في السعي لإيجاد حل سياسي”.

اما مدير الدفاع المدني في ريف حمص الشمالي الذي تسيطر عليه المعارضة عبد المنعم اسطيف فقال لوكالة فرانس برس عبر الانترنت “نقلت فرقنا اليوم 43 شهيدا مدنيا بينهم ستة أطفال وأكثر من مئة جريح” جراء الضربات الروسية التي استهدفت تلبيسة والرستن والزعفرانة والمكرمية.

وقال أن “طائرتين حربيتين متلازمتين شنتا بدءا من الثامنة صباحا ضربات جوية في الزعفرانة ثم تلبيسة وقرية المكرمية المجاورة ثم الرستن.. وذلك بعد تحليق طائرات إستطلاع لنحو 5 ساعات”.

وبحسب اسطيف، تبع القصف الجوي للمرة الأولى اشتعال حرائق ضخمة تطلبت حضور فرق الإطفاء إلى جانب فرق الإسعاف.

ونفى اسطيف استهداف أي مقار للفصائل، موضحا أن المقار التابعة لجبهة النصرة وحركة أحرار الشام موجودة على أطراف هذه المدن والبلدات التي تديرها مجالس محلية مدنية.

وأكد أحمد، وهو ناشط ميداني ساهم في إسعاف الجرحى في ريف حمص الشمالي لوكالة فرانس برس عبر الإنترنت، أن الضربات الجوية استهدفت المدنيين و لم تستهدف أي مقر لأي فصيل، نافيا أي وجود لتنظيم الدولة الإسلامية في المنطقة.

وقال أن ” أكثر من خمسين منزلا دمروا بالكامل جراء القصف الجوي على مدينة تلبيسة، حيث استشهد 22 شخصا”.

وأوضح أن القصف على الرستن “استهدف سوقا للخضار والفاكهة وتسبب بمقتل 8 أشخاص بينهم 4 أطفال”.

ودعا الإئتلاف “مجلس الأمن الى التحرك المسؤول لإلزام موسكو بوقف عدوانها والانسحاب الفوري من كامل الأراضي السورية” معتبرا انه “لا بد للعالم أن يدرك بأن سلوك الحكومة الروسية العدواني يشكل دعماً مباشراً لقوى الإرهاب، وعامل تغذية لها، خاصة أنه ينتهج نفس أسلوب النظام في استهداف المدنيين بقصد قتلهم وتهجيرهم”.

وتسيطر جبهة النصرة (ذراع تنظيم القاعدة في سوريا) على معظم المناطق التي استهدفها القصف الروسي في محافظة حمص، حيث تسيطر قوات النظام على مدينة حمص مركز المحافظة باستثناء حي الوعر، وعلى مناطق اخرى في المحافظة، فيما يسيطر تنظيم الدولة الإسلامية على مناطق واسعة في الريف الشرقي أبرزها مدينة تدمر الاثرية.

أما المناطق التي طالها القصف في حماة، فمعظمها تحت سيطرة فصائل إسلامية وأخرى “معتدلة”، فيما تسيطر جبهة النصرة وفصائل مبايعة لتنظيم الدولة الإسلامية على بعضها الآخر.

وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأربعاء خلال اجتماع للحكومة الروسية، بأنه على روسيا أن تتحرك بشكل استباقي لضرب الجهاديين في سوريا قبل أن يصلوا إلى بلاده.

وقال في تصريحات متلفزة “الطريقة الوحيدة الصحيحة لقتال الإرهاب الدولي هي التصرف بشكل استباقي وقتال المقاتلين والإرهابيين على الأراضي التي يسيطرون عليها والقضاء عليهم، وعدم انتظار وصولهم الينا”.

كما قال بوتين الداعم الثابت للأسد، أنه يأمل في أن يقبل الرئيس السوري بـ”تسوية”.

وقال “التسوية النهائية والدائمة للنزاع في سوريا ممكنة فقط على أساس إصلاح سياسي وحوار مع القوى السليمة في البلاد”.

مضيفا: “أعرف أن الرئيس الأسد يتفهم ذلك، وانه مستعد لمثل هذه العملية”.

وأكد بوتين أن التدخل العسكري الروسي في سوريا يقتصر على الضربات الجوية دعما للقوات الحكومية السورية، مستبعدا في الوقت الراهن إرسال قوات على الأرض.

وأضاف: “تم إبلاغ كافة شركائنا بالمخططات والتحركات الروسية في سوريا”. داعيا “كافة الدول المهتمة بمكافحة الإرهاب” الإنضمام الى مركز التنسيق الذي انشأته سوريا وإيران والعراق وروسيا في بغداد.

من جهة ثانية طالب رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الأربعاء، بإقامة “مناطق آمنة” في سوريا لحماية المدنيين الفارين من البراميل المتفجرة التي يلقيها النظام السوري، ومن هجمات تنظيم الدولة الإسلامية.

ودعا داود أوغلو إلى التحرك العاجل لتحقيق “الأمان للسوريين النازحين داخل بلدهم، وإقامة منطقة آمنة خالية من القصف الجوي الذي ينفذه النظام والهجمات البرية التي يقوم بها داعش (الدولة الإسلامية) وغيره من المنظمات الإرهابية”.

واتهم رئيس الإئتلاف السوري المعارض خالد خوجا الأربعاء موسكو بأن الهدف من غاراتها الجوية هو “الإبقاء” على الأسد في السلطة وليس قصف مواقع تنظيم الدولة الإسلامية، كما أعلن عن مقتل 36 مدنيا في القصف الروسي على موقع في محافظة حمص.