أ ف ب – بدت السلطات الفرنسية عاجزة عن كشف لغز طلعات الطائرات المسيرة فوق محطات ومواقع نووية استراتيجية، ومقر الرئاسة، ومختلف مناطق باريس، وتشكل منذ الخريف قلقا لها، لكنها تؤكد أنها ليست خطرا داهما.

فبعد أقل من شهرين على الهجمات الدامية، شهدت باريس لليلة الثانية على التوالي تحليق طائرة واحد أو أكثر من دون طيار “خمس مرات على الأقل” بين 23:00 (22:00 ت غ) ليل الثلاثاء، و02:00 (01:00 ت غ) الأربعاء، بحسب مصدر في الشرطة.

من جهته، قال المتحدث بإسم الحكومة الفرنسية ستيفان لوفول، أن الأمر “لا يثير القلق”، مؤكدا أن السلطات تتعامل “بجدية كبيرة” مع هذه الظاهرة التي تبعث على الحيرة لدى المحققين.

لكن مصدرا قضائيا اعلن في وقت لاحق توقيف ثلاثة صحافيين من قناة “الجزيرة” الأربعاء في باريس، بعدما أطلقوا طائرة بدون طيار من حديقة في ضواحي باريس حلقت فوق المدينة.

وأوضح أن الصحافي الاول كان يوجه الطائرة، والثاني يصورها، والثالث يتابعها.

إلا أن المصدر قال أنه لا يوجد أي دليل حتى الآن على علاقة الصحافيين بطائرات من دون طيار، حلقت لعدة ليال فوق العاصمة الفرنسية خلال الأسبوع الحالي.

وقد شوهدت الطائرات بشكل خاص الليلة الفائتة فوق مقري الجمعية الوطنية ومجمع ليزينفاليد، وفوق ساحة الكونكورد القريبة من السفارة الأميركية التي سبق أن حلقت فوقها الليلة السابقة.

كما شوهدت “على طول نهر السين” وفوق عدد من مداخل ضواحي باريس، بحسب مسؤول في شرطة باريس. ومجددا، تعذر توقيف أي شخص يسير تلك الطائرات كما لم يتبن أي طرف هذه الأعمال.

وبات من السهل رصد هذه الطلعات نتيجة انتشار كبير لقوى الأمن في باريس منذ هجمات كانون الثاني/يناير، التي استهدفت صحيفة شارلي ايبدو الساخرة وشرطيين، ومتجر أطعمة يهودية، وأدت إلى مقتل 17 شخصا.

وأوضح المصدر في الشرطة، أن “الكثير من المواقع الحساسة خاضعة لحماية كما نطلب من قوى الأمن مراقبة الأجواء، لقد تم رصد الطائرات بدون طيار سريعا”.

وفتح القضاء تحقيقا الثلاثاء بعد طلعات الليلة السابقة. لكن مصدرا قريبا من الملف أكد “عدم إحراز تقدم يذكر”.

وما زالت دوافع مسيري الطائرات وهوياتهم غامضة، سواء كانت تجارب لألعاب جديدة أو هواة تصوير يتلهون بمشاكسة الشرطة، أو ناشطون يحاولون إبراز الثغرات الأمنية من خلال تلك الطائرات أو أعمال رصد إجرامية…

وأفاد أحد المحققين، “لن يفاجئني أن أشاهد بعد أيام على يوتيوب تسجيلات طلعات فوق العاصمة” مؤكدا عدم القلق حيالها.

كما قال المصدر القريب من الملف، أن الخيط الإرهابي “ليس مرجحا رغم أنه غير مستبعد بشكل كامل”، لكن السلطات تتعامل مع هذه الطلعات “بجدية، فلا يمكن استبعاد أي نظرية”.

وتسلط الطلعات فوق العاصمة الضوء مجددا على السلطات المحرجة. فقد سبق أن جرت في 20 كانون الثاني/يناير فوق قصر الاليزيه مقر الرئاسة، وبعد ثمانية أيام فوق موقع يفترض أنه الأكثر أمنا في البلاد: القاعدة البحرية قرب بريست (غرب)، حيث تتمركز الغواصات النووية الفرنسية الأربع قاذفة الصواريخ، وتشكل رأس حرب قوة الردع الفرنسية.

وما زال الغموض كاملا منذ الخريف عندما رصدت الطلعات الأولى في محيط 13 من أصل 19 محطة نووية في البلاد. وكانت بعض الطلعات متزامنة وفي مواقع مختلفة تبعد عن بعضها مئات الكيلومترات، ما يغذي فرضية أن تكون عمليات منظمة.
وفرنسا ليست حالة وحيدة بحسب لوفول الأربعاء، متحدثا عن سوابق في المانيا حيث “تم التحليق فوق مقر المستشارية”، والولايات المتحدة حيث سقطت طائرة صغيرة بلا طيار في حديقة البيت الأبيض في 26 كانون الثاني/يناير.

ويبقى تقييم خطر هذه الأجهزة أمرا دقيقا. فالأكثر بدائية منها يسيرها من بعد أفراد يختبئون في مكان قريب. لكن هناك نماذج أخرى يمكن برمجتها، وبعضها لا يمكن رصده، ويمكن شراؤها من المتاجر مقابل 350 إلى 400 يورو.

وأشار خبراء إلى أن خفة وزن الطائرات المسيرة هذه يحد من قدرتها على نقل متفجرات على سبيل المثال.

لكن السلطات تصر على عدم الإستهانة بالخطر أيا كانت درجته. وصرح رئيس أركان سلاح الجو الفرنسي الجنرال دوني ميرسييه مؤخرا، “نحن نتعامل مع هذا التهديد بجدية كبيرة. ليس على مستوى الطائرات التي نرصدها اليوم، بل لأن هذا التهديد سيتعاظم”.